رسالة حادية عشر
بسم الله الرحمن الرحيم
السؤال بخط منصور أبا حسين١ والجواب بخط المجيب حمد بن ناصر ﵀.
من منصور أبا حسين١ إلى الأخ حمد بن ناصر حفظه الله بما حفظ به عباده الصالحين وجعله من أئمة المتقين ومن أصحاب اليمين آمين سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
(أما بعد) أفدني أثابك الله الجنة ما صفة الواجب وحده والمسنون وحده وما يترتب عليهما من الثواب والعقاب؟ كذلك ما صفة المكروه وحده وصفة المحرم وحده، كذلك إذا دخل الرجل المسجد هل يعمل على حديث النهي عن الصلاة في أوقات النهي وهو داخل في وقت النهي أو يعمل على حديث "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس" الخ كذلك بيع الدين بالدين وبيعتين في بيعة مثلهما لي ولا تخلني من صالح دعاك واستودعك الله وأنت سالم والسلام.
(تعريف الواجب والمسنون والمكروه والمحرم)
الحمد لله رب العالمين الواجب في الشرع ما ذم تاركه إذا تركه قصدًا وأثيب فاعله، وهو يرادف الفرض عند الحنابلة والشافعية وأكثر الفقهاء وعن أحمد رواية أن الفرض آكد من الواجب وهو قول أبي حنيفة.
وأما المسنون فهو ما أثيب فاعله ولم يذم تاركه السنة في اللغة الطريقة والسيرة وإذا أطلقت في الشرع فإنما يراد بها ما أمر به النبي ﷺ وندب إليه قولًا وفعلًا مما لا ينطق به الكتاب العزيز.
وأما المكروه فهو ضد المندوب وهو لغة ضد المحبوب وشرعًا ما مدح تاركه ولم يعاقب فاعله، ومنه ما نهى عنه الشارع لرجحان تركه على فعله كالصوم في السفر إذا وجدت المشقة في الصوم ونحو ذلك وأما المكروه فهو في عرف المتأخرين ما نهى عنه تنزيه ويطلق على الحرام أيضًا وهو كثير في كلام المتقدمين كالإمام أحمد وغيره كقول الإمام أحمد أكره المتعة والصلاة في المقابر، وهما محرمان، وقد ورد المكروه بمعنى الحرام في قوله تعالى: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ .
وأما الحرام فهو ضد الحلال وهو ما حرمه الله في كتابه أو على لسان رسوله ﷺ من ترك الواجبات وفعل المحرمات وأصل التحريم في اللغة المنع ومنه قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ﴾ وحده شرعًا ما ذم فاعله ولو قولًا كالغيبة والنميمة ونحوهما مما يحرم التلفظ به أو عمل القلب كالنفاق والحقد ونحوهما.
_________________
(١) ١ يظهر أن لغتهم بنجد إعراب لفظ أب المضاف بالألف مطلقًا.
[ ٧٩ ]
(تحية المسجد وقت الكراهية)
وأما قوله إذا دخل الرجل المسجد وقت النهي هل يترك التحية على أحاديث النهي الخ فهذه المسألة فيها خلاف بين العلماء وفيها عن أحمد روايتان أحدهما أنه لا يصلي التحية وقت النهي وهو المذهب الذي عليه أكثر الأصحاب وهو قول أصحاب الرأي لعموم النهي والثانية يجوز وهو قول الشافعي وهو اختيار الشيخ تقي الدين لأنه قد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" وهو حديث صحيح وهو يخص أحاديث العموم وأهل هذا القول حملوا أحاديث النهي على ما لا سبب له. وأما ذوات الأسباب كركعتي الطواف وتحية المسجد وإعادة الصلاة إذا صلاها في رحله وإعادة صلاة الفجر إذا صلاها في رحله ثم حضر الجماعة وهم يصلون ونحو ذلك فهذا يفعل في أوقات النهي لأدلة دلت على ذلك وهي تخص عموم النهي، وكما أن الصلاة وقت الخطبة منهي عنها باتفاق العلماء وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه أمر من دخل المسجد والإمام يخطب أن يصلي ركعتين وليتجوز فيهما وهذا نظير قوله في أبي قتادة إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين فقد نهي عن الجلوس قبل الصلاة وذلك أمر بالصلاة إذا لم يقل أحد أنه دخل عقيب صلاة العصر يقوم قائمًا التحية وقت النهي أجازوا ما هو مثله فإن مذهب الإمام أحمد أن ركعتي الطواف تفعل في أوقات النهي وكذلك المعادة مع إمام الحي إذا أقيمت وهو في المسجد يصليها معهم في وقت النهي وكذلك قضاء الفوائت تفعل في وقت النهي وكذلك صلاة الجنازة تفعل في الوقتين الطويلين من أوقات النهي هذا مذهب أحمد في هذه المسائل فما كان جوابهم ودليلهم على جوازه فهو دليل من أجاز تحية المسجد في هذه الأوقات فإن قوله ﷺ "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يركع ركعتين" أمر عام لجميع الأوقات فإذا قال منازعوهم أحاديث النهي تخص هذا العموم قالوا أنتم جوزتم الصلاة وقت الخطبة وركعتي الطواف واعادة الجماعة وقضاء الفوائت وصلاة الجنازة فلم تعملوا بأحاديث النهي على ظاهر بل خالفتم ظاهرها في صور معلومة.
وأما بيع الدين بالدين فله صور منها ما هو منهي عنه بالاتفاق ومنها ما هو مختلف فيه وهو ينقسم إلى بيع واجب بواجب وساقط بساقط وساقط بواجب وواجب بساقط فالذي لا شك في بطلانه بيع الكالئ بالكالئ وهو بيع ما في الذمة مؤخرًا بشيء في الذمة مؤخرًا فإن الكالئ هو المؤخر فإذا أسلم شيئًا في ذمته في شيء في ذمة الآخر وكلاهما مؤخرًا فهذا لا يجوز باتفاق العلماء ومثال الساقط بالساقط صورة المقاصة فإن اتفق الدينان جنسًا وأجلًا فلا بأس بها وإن اختلف الجنس كما لو كان لكل واحد من اثنين دين على صاحبه من غير جنسه كالذهب والفضة وتساقطا ولم يحضرا شيئًا فهذا فيه خلاف المنصوص عن أحمد أنه لا يجوز إذا كانا نقدين من جنسين واختار الشيخ تقي الدين الجواز.
وأما الساقط بالواجب فكما لو باعه دينًا في ذمته بدين آخر من غير جنسه فسقط الدين المبيع ووجب عوضه وهو بيع الدين الحال ممن هو في ذمته بيدين لم يقبض.
[ ٨٠ ]
وأما بيع الواجب بالساقط فكما لو كان لرجل دراهم في ذمة رجل آخر فجعل الدراهم سلمًا في طعام في ذمته فقد وجب له عليه دين وسقط عنه دين غيره وقد حكى ابن المنذر إجماع من يحفظ عنه من أهل العلم على ألا يجوز وليس في ذلك إجماع بل قد أجازه بعض العلماء لكن القول بالمنع هو قول الجمهور والله أعلم.
وأما البيعتان في بيعة فالمشهور عن أحمد أنه اشترط أحد المتعاقدين على صاحبه عقدًا آخر كبيع أو إجارة أو صرف الثمن أو قرض ونحو ذلك وعنه البيعتان في بيعة إذا باعه بعشرة نقدًا أو عشرين نسيئة وقال في العمدة البيعتان في بيعة أن يقول بعتك هذا بعشرة صحاح أو عشرين مكسرة أو يقول بعتك هذا على أن تبيعني هذا انتهى.
فجمع بين الروايتين وجعل كل الصورتين داخلًا في معنى بيعتين في بيعة والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ٨١ ]