بسم الله الرحمن الرحيم
من حمد بن ناصر إلى الأخ جمعان حفظه الله تعالى
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته، وبعد الخط وصل أوصلك الله إلى رضوانه وكذلك السؤال وصورته.
ما قول العلماء فيمن دفع دابة إلى آخر يسقي زرعًا بجزء من الثمرة سواء كان الدفع قبل وجود الزرع أو بعدما أخضر الزرع، وسواء كانت مدة السقي معلومة أو مجهولة مثل أن تهزل أو تعجف هل هذا جائز يشبه دفع الدابة إلى من يعمل عليها مغلها أم هذا ليس بصحيح لعدم معرفة الأجرة والجهل بالمدة إذا لم توقت.
فنقول هذه المسألة لم أقف عليها منصوصة في كلام العلماء ولكنهم نصوا على ما يؤخذ منه حكم هذه المسألة.
فمن ذلك أنهم ذكروا أن من شرط صحة الإجارة معرفة قدر الأجرة ومعرفة قدر المدة قال في المغني يشترط في عوض الإجارة كونه معلومًا لا نعلم في ذلك خلافًا انتهى.
ولكن هذه المسألة هل تلحق بمسائل الإجارة وتعطى أحكامها أم تلحق بمسائل الشركة وتعطى أحكامها مثل المساقاة والمزارعة والمضاربة وغير ذلك من مسائل المشاركات فإن قلنا أنها بمسائل الإجارة أشبه، فالإجارة لا تصح إلا بأجرة معلومة على مدة معلومة.
ولهذا اختلف العلماء في جواز إجارة الأرض ببعض ما يخرج منها كثلث أو ربع فمنعه أبو حنيفة والشافعي وغيرهما وعللوه بأن العوض مجهول فلا تصح الإجارة بعوض مجهول وأجازه الإمام أحمد فمن أصحابه من قال بل هو مزارعة بلفظ الإجارة.
قال في الإنصاف والصحيح من المذهب أن هذه إجارة وأن الإجارة تصح بجزء مشاع معلوم مما يخرج من الأرض المؤجرة وهو من مفردات المذهب انتهى.
وقال في المغني إجارة الأرض بجزء مشاع مما يخرج كنصف أو ثلث أو ربع المنصوص عن أحمد جوازه وهو قول أكثر الأصحاب، واختار أبو الخطاب أنها لا تصح وهو الصحيح إن شاء الله لما تقدم من الأحاديث في النهي من غير معارض لها، ولأنها إجارة بعوض مجهولًا فلم تصح كإجارتها بثلث ما يخرج من أرض أخرى، ولأنه لا نص في جوازها ولا يمكن قياسها على المنصوص، فإن النصوص إنما وردت بالنهي عن
[ ١٢١ ]
إجارتها بذلك ولا نعلم في تجويزها نصًا، والمنصوص جواز إجارتها بذهب أو فضة أو شيء معلوم فأما نص أحمد فيتعين حمله على المزارعة بلفظ الإجارة انتهى.
وقال في المغني أيضًا: قال إسماعيل بن سعيد سألت أحمد عن الرجل يدفع البقرة إلى الرجل على أن يعلفها ويحفظها وما ولدت من ولد بينهما؟ قال أكره ذلك، وبه قال أيوب وخيثمة ولا أعلم فيه مخالفًا وذلك لأن العوض معدوم مجهول ولا يدري أيوجد أم لا والأصل عدمه انتهى.
وأما إن ألحقنا هذه المسألة المسئول عنها بمسائل الشركة وقلنا هي بمسائل الشركة أشبه جرى فيها من اختلاف العلماء ما جرى في نظائرها وأنا اذكر بعض ما ذكره العلماء في هذا الباب.
قال في المغني: وإن دفع دابته إلى آخر ليعمل عليها وما رزق الله بينهما نصفين أو ثلاثًا وكيفما شرطا صح نص عليه في رواية الاثرم ومحمد بن سعيد، ونقل عن الأوزاعي ما يدل علة هذا وكره ذلك الحسن والنخعي وقال الشافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي لا يصح والربح كله لرب المال وللعامل أجرة مثله.
ولنا أنها عين تنمي بالعمل عليها فصح العقد عليها ببعض نمائها كالدراهم والدنانير وكالشجر في المساقاة وا لأرض في المزارعة.
وقد أشار الإمام أحمد إلى ما يدل على تشبيهه لمثل هذا بالمزارعة، فقال لا بأس باثوب يدفع بالثلث والربع لحديث جابر أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر وهذا يدل على أنه صار في مثل هذا إلى الجواز لشبهه بالمساقاة والمزارعة لا المضاربة ولا إلى الإجارة.
ونقل أبو داود عن أحمد فيمن يعطي فرسه على النصف من الغنيمة أرجو أن لا يكون به بأس، ونقل أحمد بن سعيد فيمن دفع عبده لرجل ليكتسب عليه ويكون له ثلث ذلك أو ربعه فجائز، والوجه فيه ما ذكرناه في مسألة الدابة، وإن دفع ثوبه إلى خياط ليفصله قميصًا وله نصف ربحه بعمله جاز. نص عليه في رواية حرب، وإن رفع غزلًا إلى رجل ينسجه ثوبًا بثلث ثمنه أو ربعه جاز نص عليه، ولم يجز مالك وأبو حنيفة الشافعي شيئًا من ذلك.
وقال الاثرم: سمعت أبا عبد الله يقول لا بأس بالثوب يدفع بالثلث والربع، وسئل عن الرجل يعطي الثوب بالثلث ودرهم او درهمين قال أكرهه لأن هذا شيء لا يعرف، الثلث إذا لم يكن معه شيء نراه جائزًا لحديث جابر أن النبي ﷺ أعطى خيبر على الشطر، قيل لأبي عبد الله فإن كان النساج لا يرضى حتى يزاد على الثلث درهمًا؟ قال فليجعل له ثلثا وعشرا ثلثا ونصف عشر وما أشبه انتهىملخصًا.
وقد نص أحمد على جواز دفع الثوب لمن يبيعه بثمن يقدره له ويقول ما زاد فهو لك، ولو دفع عبده أو دابته إلى من يعمل بهما بجزء من الأجرة أو ثوبًا
[ ١٢٢ ]
يخيطه أو غزلًا بجزء من ربحه أو بجزء منه جاز نص عليه وهو المذهب جزم ناظم المفردات وهو منها.
وقال في الحاوي الصغير: ومن استأجر من يجذ نخله أو يحصد زرعه بجزء مشاع منه جاز نص عليه في رواية مهنا، وعنه لا يجوز وللعامل أجرة مثله.
ونقل مهنا في الحصاد هو أحب ألي من المقاطعة، وعنه له دفع دابته أو نخله لمن يقوم به بجزء من نمائه. اختاره الشيخ تقي الدين، والمذهب لا لحصول نمائه بغير عمله انتهى ملخصًا.
وقال في المغني: وإن اشترك ثلاثة من أحدهم الأرض ومن الآخر البذر ومن البقر والعمل على أن ما زرق الله بينهم فعملوا فهذا عقد فاسد نص عليه أحمد في رواية أبي داود ومهنا وأحمد بن القاسم، وبهذا قال مالك والشافعي وأصحاب الرأي فعلى هذا يكون الزرع لصاحب البذر لأنه نماء ماله ولصاحبيه عليه أجرة مثليهما انتهى.
وقال في موضع آخر: فإن اشترك ثلاثة من أحدهم دابة ومن الآخر راوية، ومن الأخر العمل على أن ما رزق الله بينهم صح في قياس قول أحمد فإنه قد نص في الدابة يدفعها إلى آخر يعمل عليها على أن لهما الأجرة على الصحة وهذا مثله.
وهكذا لو اشترك أربع من أحدهم دكان ومن الآخر رحى، ومن آخر بغل ومن آخر العمل على أن يطحنوا وما رزق الله تعالى فهو بينهم صح وكان بينهم على ما شرطوه.
وقال القاضي: العقد الفاسد في المسألتين جميعًا وهو ظاهر قول الشافعي انتهى.
ومن تأمل ما نقلناه تبين له حكم مسألة السؤال والله ﷾ أعلم وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه وسلم.
[ ١٢٣ ]