المسألة الثانية
وأما المسألة الثانية فقالوا: من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله ولم يصل ولم يزك هل يكون مؤمنًا؟
فنقول: أما من قال لا إله إلا الله محمد رسول الله. وهو مقيم على شركه يدعو الموتى. ويستغيث بهم ويسألهم قضاء الحاجات. وتفريج الكربات. فهذا كافر مشرك حلال الدم والمال. وأن قال لا إله إلا الله محمد رسول الله وصلى وصام وزعم أنه مسلم كما تقدم بيانه. وأما أن وحد الله تعالى ولم يشرك به. ولكنه ترك الصلاة ومنع الزكاة. فان كان جاحدا للوجوب فهو كافر إجماعا. وأما أن أقر بالوجوب ولكنه ترك الصلاة تكاسلًا. فهذا قد اختلف العلماء في كفره. والعلماء إذا أجمعوا فإجماعهم حجة. لا يجتمعوا على ضلالة. وإذا تنازعوا في شيء رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول. والواحد منهم ليس بمعصوم على الإطلاق. بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال العلماء: الرد إلى الله هو الرد إلى كتابه. والرد إلى الرسول هو الرد إلى السنة بعد وفاته. وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ .
وقد ذم الله تعالى من أعرض عن كتابه ودعا عند التنازع إلى غيره. فقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ إذا عرف هذا فنقول:
اختلف العلماء ﵏ في تارك الصلاة كسلًا من غير جحود لوجوبها. فذهب الإمام أبو حنيفة والشافعي في أحد قوليه ومالك إلى أنه لا يحكم بكفره. واحتجوا بما رواه عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له.." وذهب إمامنا أحمد بن حنبل والشافعي في أحد قوليه وإسحاق بن راهوية وعبد الله بن المبارك والنخعي وأيوب السختياني وأبو داود الطيالسي وغيرهم من كبار الأئمة والتابعين إلى أنه كافر.
وحكاه إسحاق بن راهوية إجماعًا ذكره عنه الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي في شرح الأربعين. وذكره في كتاب (الزواجر عن اقتراف الكبائر) عن جمهور الصحابة ﵃.
وقال الإمام أبو محمد بن حزم: سائر الصحابة ﵃ ومن بعدهم من
[ ٢١ ]
التابعين يكفرون تارك الصلاة مطلقًا. ويحكمون عليه بالارتداد. منهم: أبو بكر وعمر وابنه عبد الله وعبد الله بن عباس ومعاذ بن جبل وجابر بن عبد الله وعبد الرحمن بن عوف وأبو الدراداء وأبو هريرة وغيرهم من الصحابة. ولا نعلم لهؤلاء مخالفًا من الصحابة. وأجابوا عن قوله ﷺ "من لم يأت بهن فليس له عند الله عهد إن شاء عذبه وإن شاء غفر له" إن المراد عدم المحافظة عليهن في أوقاتهن بدليل الآيات والأحاديث الواردة فيها وفي تركها. واحتجوا على كفر تاركها بما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ "بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة" وعن بريدة بن الحصيب قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر" رواه الإمام أحمد وأهل السنن، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح إسناده على شرط مسلم. وعن ثوبان مولى رسول الله ﷺ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بين العبد والكفر والإيمان الصلاة، فإذا تركها فقد كفر وأشرك" وإسناده صحيح على شرط مسلم.
وعن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ عن النبي ﷺ أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: "من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة، ومن لم يحافظ عليها لم تكن له نورًا ولا برهانًا ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأبي بن خلف" رواه الإمام أحمد وأبو حاتم ابن حبان في صحيحه، وعن عبادة بن الصامت قال: أوصاني رسول الله ﷺ فقال: "لا تشرك بالله شيئًا، ولا تترك الصلاة عمدًا فمن تركها عمدًا فقد خرج من الملة" رواه عبد الرحمن بن أبي حاتم في سننه. وعن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ " من ترك الصلاة مكتوبة متعمدًا برئت منه ذمة الله" وراه الإمام أحمد. وعن أبي الدرداء قال: أوصاني أبو القاسم يعني رسول الله ﷺ أن لا أترك الصلاة متعمدًا فمن تركها متعمدًا فقد برئت منه الذمة. رواه ابن أبي حاتم. وعن معاذ بن جبل عن النبي ﷺ أنه قال: " رأس الأمر الإسلام وعموده الصلاة" الحديث. وعن عبد الله بن شقيق العقيلي قال: كان أصحاب محمد ﷺ لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة رواه الترمذي.
فهذه الأحاديث كما ترى صريحة في كفر تارك الصلاة مع ما تقدم من إجماع الصحابة، كما حكاه إسحاق بن راهوية وابن حزم وعبد الله بن شقيق، وهو مذهب جمهور العلماء من التابعين ومن بعدهم.
ثم اعلم أن العلماء كلهم مجمعون على قتل تارك الصلاة كسلًا إلا أبا حنيفة ومحمد بن شهاب الزهري وداود فإنهم قالوا: يحبس تارك الصلاة المفروضة حتى يموت أو يتوب. ومن احتج لهذا القول بقوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل
[ ٢٢ ]
الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها" فقد أبعد النجعة فإن هذا الحديث لا حجة فيه لمن يقول بقتله كما سيأتي بيانه وبسطه إن شاء الله.
واحتج الجمهور على قتله بالكتاب والسنة.. أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ-إلى قوله- فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فشرط الكف بالتوبة من الشرك وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فإذا لم توجد هذه الثلاث لم يكف عن قتلهم، ولم يخل سبيلهم. قال ابن ماجه: حدثنا نصر بن علي حدثنا أبو أحمد حدثنا الربيع بن أنس عن أنس ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ "من فارق الدنيا على الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة مات والله عنه راض" قال أنس: وهو دين الله الذي جاءت به الرسل، وبلغوه عن ربهم قبل هرج الأحاديث واختلاف الأهواء، وتصديق ذلك في كتاب الله في آخر ما أنزل الله ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ قال خلعوا الأوثان وعبادتها ﴿وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقال في آية أخرى ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ .
وأما السنة فثبت في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله" فعلق العصمة على الشهادتين والصلاة والزكاة.
وقد بعث النبي ﷺ كتابًا فيه "من محمد رسول الله إلى أهل عمان. أما بعد فأقروا بشهادة أن لا إله إلا الله والنبي رسول الله وأدوا الزكاة، وخطوا المساجد وإلا غزوتكم" خرجه الطبراني والبزار وغيرهما، ذكره الحافظ ابن رجب الحنبلي في شرح الأربعين.
وروى ابن شهاب عن حنظلة عن علي ابن الأشجع أن أبا بكر الصديق بعث خالد بن الوليد وأمره أن يقاتل الناس على خمس: فمن ترك واحدة تقاتله على الخمس، شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، واقام الصلاة، وايتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج بيت الله الحرام. فقال سعيد بن جبير قال عمر بن الخطاب: لو أن الناس تركوا الحج لقاتلناهم على تركه كما نقاتل على الصلاة والزكاة.
وبالجملة فالكتاب والسنة يدلان على أن القتال ممدود إلى شهادتين والصلاة الزكاة، وقد أجمع العلماء على ذلك. قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله كالمحاربون وأولى.. انتهى.
[ ٢٣ ]
وأما حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ: "أمرت الناس أن أقاتل حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها" فهذا لا إشكال فيه بحمد الله، وليس لكم فيه حجة، بل هو حجة عليكم، ولو لم يكن إلا قوله "إلا بحقها" لكان كافيًا في إبطال قولكم.
وقد قال علماؤنا ﵏: إذا قال الكافر لا إله إلا الله فقد شرع في العاصم لدمه، فيجب الكف عنه، فإن تمم ذلك تحققت العصمة، وإلا بطلت، ويكون النبي ﷺ قد قال كل حديث في وقت فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: "لا إله إلا الله" ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها كف عنه، وصار دمه وماله معصومًا. ثم بين ﷺ في الحديث الآخر أن القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين فقال "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة" فبين أن تمام العصمة وكمالها إنما يحصل بذلك، ولئلا تقع الشبهة بأن مجرد الإقرار يعصم على الدوام كما وقعت لبعض الصحابة حتى جلاها أبو بكر الصديق، ثم وافقوه ﵁.
ومما يبين فساد قولكم وخطأ فهمكم في معنى حديث أبي هريرة أن الصحابة ﵃ أجمعوا على قتال مانعي الزكاة بعد مناظرة وقعت بين أبي بكر وعمر، استدل عمر على أبي بكر بحديث أبي هريرة فبين صديق الأمة ﵁ أن الحديث حجة على قتال من منع الزكاة، فوافقه عمر وسائر الصحابة على قتال مانعي الزكاة، وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون، ونحن نسوق الحديث بتمامه، ثم نذكر ما قاله العلماء في شرحه ليتبين أن فهمكم الفاسد لم يقل به أحد من العلماء، وأنه فهم مشئوم مذموم مخالف للكتاب والسنة وإجماع الأمة فنقول:
ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة قال: لما توفي رسول الله ﷺ، وكفر من كفر من العرب، قال عمر لأبي بكر كيف تقاتل الناس -وقد قال رسول الله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دمائهم وأموالهم إلا بحقها" فقال أبو بكر لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، فوالله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعه. قال عمر فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعلمت أنه الحق.
وهذا الحديث خرجه البخاري في كتاب الزكاة، ومسلم في كتاب الأمان وهو من أعظم الأدلة على فساد قولكم، فإن الصديق ﵁ جعل المبيح للقتال مجرد المنع لا جحد الوجوب.
وقد تكلم النووي ﵀ على هذا الحديث في شرح صحيح مسلم فقال (باب) الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا
[ ٢٤ ]
الزكاة، ويؤمنوا بجميع ما جاء به النبي ﷺ، وأن من قال ذلك عصم نفسه وماله إلا بحقها، ووكلت سررته إلى الله تعالى.
وقتال من منع الزكاة وغيرها من حقوق الإسلام، واهتمام الإمام بشرائع الإسلام) ثم ساق الحديث، ثم قال: قال الخطابي في شرح هذا الكلام كلامًا حسنًا لا بد من ذكره لما فيه من الفوائد قال ﵀:
(مما يجب تقديمه في هذا أن يعلم أن أهل الردة كانوا صنفين: صنف ارتدوا عن الدين ونابذوا الملة عادوا إلى الكفر، وهم الذين عناهم أبو هريرة بقوله: وكفر من كفر من العرب والصنف الآخر فرقوا بين الصلاة والزكاة فأقروا بالصلاة وأنكروا فرض الزكاة ووجوب أدائها إلى الإمام وقد كان في ضمن هؤلاء المانعين الزكاة من كان يسمح بالزكاة ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي، وقبضوا على أيديهم في ذلك كبني يربوع فإنهم جمعوا صدقاتهم وأرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم.
وفي أمر هؤلاء عرض الخلاف ووقعت الشبهة لعمر ﵁ وناظره واحتج عليه بقول النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن قالها فقد عصم نفسه وماله" فكان لهذا من عمر ﵁ تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره، ويتأمل شرائطه، فقال له أبو بكر: الزكاة حق المال. يريد أن القضية التي قد تضمنت عصمة دمه وماله. معلقة بإيفاء شرائطها، والحكم المعلق بشرطين لا يحصل بأحدهما والآخر معدوم، ثم قايسه بالصلاة ورد الزكاة إليها، وكان في ذلك من قوله دليل على أن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة ﵃، ولذلك ردوا المختلف فيه إلى المتفق عليه فلما استقر عند عمر صحة رأي أبي بكر ﵁ وبان له صوابه تابعه على قتال القوم وهو معنى قوله:
فلما رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر بالقتال عرفت أنه الحق. يريد إنشراح صدره بالحجة التي أدلى بها، والبرهان الذي أقامه نصًا ودلالة) انتهى.
فتأمل هذا الباب الذي ذكره النووي ﵀ وهو إمام الشافعية على الإطلاق تجده صريحًا في رد شبهتكم -أن من قال لا إله إلا الله لا يباح دمه وماله، وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة، فالترجمة نفسها صريحة في رد قولكم فإنه صريح بالأمر بالقتال على ترك الصلاة ومنع الزكاة.
وتأمل ما ذكره الخطابي أن الذين منعوا الزكاة منهم من كان يسمح بها ولا يمنعها إلا أن رؤساءهم صدوهم عن ذلك الرأي وقبضوا على أيديهم كبني يربوع فإنهم أرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة من ذلك وفرقها فيهم، وإنه عرض
[ ٢٥ ]
الخلاف ووقعت الشبهة لعمر في أمر هؤلاء، ثم إن عمر وافق أبا بكر على قتالهم.
وتأمل قوله: واحتج عمر بقول النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" وكان هذا من عمر تعلقًا بظاهر الكلام قبل أن ينظر في آخره ويتأمل في شرائطه. وتأمل قوله: إن قتال الممتنع من الصلاة كان إجماعًا من الصحابة.
وقد أشار الخطابي إلى أن حديث أبي هريرة مختصر. قال النووي ﵀ (قال الخطابي ويبين لك أن حديث أبي هريرة مختصر أن عبد الله بن عمر وأنسًا روياه بزيادة لم يذكرها أبو هريرة ففي حديث ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" وفي رواية أنس: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، وأن يستقبلوا قبلتنا، وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا حرمت علينا دماءهم وأموالهم إلا بحقها. لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين" انتهى.
(قلت) وقد ثبت في الطريق الثالث المذكور في الكتاب والسنة ورواية أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به، فإذا قالوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها"
وفي استدلال أبي بكر واعتراض عمر ﵄ دليل على أنهما لم يحفظا عن رسول الله ﷺ ما رواه ابن عمر وأنس وأبو هريرة، وكان هؤلاء الثلاثة سمعوا هذه الزيادة في روايتهم في مجلس آخر فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة لأحتج بها ولما كان احتج بالقياس والعموم، والله أعلم) انتهى كلام النووي.
فتأمل ما ذكره الخطابي تجده صريحًا في رد قولكم وتأمل قوله: فإن عمر لو سمع ذلك لما خالف، ولما كان احتج بالحديث، فإن هذه الزيادة حجة عليهم.
وبالجملة فحديث أبي هريرة حجة عليكم لا لكم، ولو لم يكن فيه إلا قوله "بحقها" لكان كافيًا في بطلان شبهتكم، فإن الصلاة والزكاة من أعظم حقوق لا إله إلا الله، بل هما أعظمها على الإطلاق. ومما يدل على بطلان قولكم وفساد فهمكم في معنى الحديث أعني حديث أبي هريرة "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" أن جميع الشراح والمحدثين لم يتأولوه على هذا التأويل الذي ذهبتم إليه فإنه حديث صحيح مخرج في الصحاح، وهؤلاء شراح البخاري ومحشوه نحوا من أربعين كما نبه عليه القسطلاني في خطبة شرح البخاري -وكذا شرح مسلم- هل أحد منهم استدل به على ترك قتال من ترك الفرائض؟ بل الذي ذكروه خلاف ما ذهبتم إليه، ولو لم يكن إلا احتجاج عمر
[ ٢٦ ]
به على أبي بكر، واستدلال أبي بكر على قتال مانعي الزكاة لكان كافيًا، ونحن نذكر لكم كلام الشراح عذرًا أو نذرًا.
قال النووي ﵀: قوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني ماله ونفسه إلا بحقها وحسابه على الله ﷿" قال الخطابي: ومعلوم أن المراد بها أهل الأوثان دون أهل الكتاب لأنهم يقولون لا إله إلا الله ثم يقاتلون ولا يرفع عنهم السيف، قال ومعنى حسابه على الله أي فيما يسرون به ويخفونه دون ما يخلون به في الظاهر (قال) ففيه أن من أظهر الإسلام وأسر الكفر يقبل إسلامه في الظاهر، وهذا قول أكثر العلماء، وذهب مالك إلى أن توبة الزنديق لا تقبل، ويحكى ذلك أيضًا عن أحمد بن حنبل هذا كلام الخطابي.
(وذكر القاضي عياض ﵀ معنى هذا وزاد عليه وأوضحه فقال: اختصاص عصمة المال والنفس بمن قال لا إله إلا الله تعتبر عن الإجابة إلى الإيمان وأن المراد بهذا مشركو العرب وأهل الأوثان ومن لا يوحد، وهم كانوا أول من دعى إلى الإسلام وقوتل عليه، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله "لا إله إلا الله" إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده ولذلك جاء في الحديث الآخر: وأني رسول الله، ويقيم الصلاة ويؤتي الزكاة" هذا كلام القاضي عياض.
قال النووي (قلت ولابد مع هذا من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ كما جاء في الرواية الأخرى لأبي هريرة " حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويؤمنوا بي وبما جئت به " انتهى كلام النووي.
فتأمل ما ذكره الخطابي وذكره القاضي عياض أن المراد بقول لا إله إلا الله التعبير عن الإجابة إلى الإيمان، واستدل لذلك بالحديث الآخر الذي فيه "واني رسول الله، ويقيم الصلاة، ويؤتي الزكاة".
وتأمل قول أن المراد بحديث أبي هريرة مشركوا العرب وغيرهم ممن لا يوحد، فأما غيرهم ممن يقر بالتوحيد فلا يكتفي في عصمته بقوله لا إله إلا الله إذا كان يقولها في كفره وهي من اعتقاده وتأمل قول النووي ولا بد من الإيمان بجميع ما جاء به رسول الله ﷺ.
وبالجملة فقوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" لا نعلم أحدًا من العلماء أجراه على ظاهره وقال أن من قال لا إله إلا الله يكف عنه ولا يجوز قتاله وإن ترك الصلاة ومنع الزكاة. هذا لم يقل به أحد من العلماء -ولازم قولكم أن اليهود لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأن الخوارج الذين قاتلهم علي بن أبي طالب لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله، وأن الصحابة
[ ٢٧ ]
مخطئون في قتالهم لمانعي الزكاة لأنهم يقولون لا إله إلا الله، ولازم قولكم أن بني حنيفة مسلمون لا يجوز قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله.. سبحان الله ما أعظم هذا الجهل ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ .
ومن العجب أنكم تقرؤن في صحيح البخاري في هذا الباب الذي ذكره في كتاب الإيمان حيث قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ حدثنا عبد الله السندي أنبأنا أبو روح الجرمي قال حدثنا قال حدثنا شعبة عن واقد بن محمد سمعت أبي يحدث عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ﷺ، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا هم فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله تعالى".
ثم بعد ذلك نقول من قال لا إله إلا الله حرم ماله ودمه. ولا أدري بما تجيبون به عن هذه الآية والحديثين الذين ذكرهما البخاري وبأي شيء تدفعون به هذه الأدلة؟؟
وقال الإمام أبو عيسى الترمذي في سننه (باب أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله) حدثنا هناد وأنبأنا أبو معاوية عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله ﷺ "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث -ثم أردفه بحديث أبي هريرة في قتال أبي بكر لمانعي الزكاة وساق الحديث بتمامه، ثم قال: (باب ما جاء "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة" حدثنا سعيد بن يعقوب الطالقاني أنبأني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال رسول الله ﷺ أمرت أن أقاتل حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله وأن يستقبلوا قبلتنا وأن يأكلوا ذبيحتنا وأن يصلوا صلاتنا، فإذا فعلوا ذلك حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها لهم ما للمسلمين وعليهم ما على المسلمين) وفي الباب عن معاذ بن جبل وأبي هريرة هذا الحديث حسن صحيح.
والمقصود فساد هذه الشبهة التي دسها من يدعي أنه من العلماء على الجهلة من الناس أن من قال لا إله إلا الله محمدًا رسول الله أنه مسلم لا يجوز قتله وإن ترك فرائض الإسلام. فهذا كلام الله وهذا كلام رسوله وهذا كلام العلماء صريحًا في رد هذه الشبهة بل قد دل الكتاب والسنة والإجماع على أن الطائفة الممتنعة تقاتل على ترك الصلاة ومنع الزكاة وإن أقروا بالوجوب كما تقدمت النصوص الدالة على ذلك، بل قد صرح العلماء أن أهل البلد إذا تركوا الآذان والإقامة يقاتلون كما سيأتي وصرحوا أيضًا بأنهم لو تركوا إقامة صلاة الجماعة يقاتلون وكذلك لو تركوا صلاة العيد، وعلماء حرم الله الشريف يقولون من قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ونفسه وإن لم يصل ولم يزك، فسبحان الله مقلب القلوب والأبصار كيف يشاء.
وهل هذا إلا معارضة لكلام الله وكلام رسوله وكلام أئمة المذاهب. وهذا كلامهم
[ ٢٨ ]
موجود في كتبهم يصرحون بأن من ترك الصلاة قتل وأن الطائفة الممتنعة من فعل الصلاة والزكاة والصيام والحج تقاتل حتى يكون الدين كله لله ويحكون عليه الإجماع كما صرح بذلك أئمة الحنابلة في كتبهم فإذا كانوا مصرحون بأن من ترك بعض شعائر الإسلام كأهل القرية إذا تركوا الآذان أو تركوا صلاة العيد انهم يقاتلون فكيف بمن ترك الصلاة رأسا؟
وهؤلاء يقولون من قال لا إله إلا الله محمدًا رسول الله فقد عصم ماله ودمه، وإن كان طائفة ممتنعين من فعل الصلاة بل يصرحون بأن (أهل) البوادي مسلمون حرام علينا دماؤهم وأموالهم، مع العلم القطعي بأنهم لا يؤذنون ولا يصلون ولا يزكون، بل الظاهر عنهم أنهم كافرون بالشرائع وينكرون البعث بعد الموت، فسبحان الله ما أعظم هذا الجهل.
وقد ذكرنا من كلام الله وكلام رسوله وكلام شراح الحديث ما فيه الهدى لمن هداه الله وبين أن العصمة شرطها التوحيد وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. فمن لم يأت بهذه الثلاث لم يكف عنهم، ولم يخل سبيلهم. وقد قال تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وقال النبي ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله أن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله".
وأما كلام الفقهاء فنذكره على التفصيل إن شاء الله "أما كلام المالكية فقال الشيخ على الأجهوري في شرح المختصر: من ترك فرضًا آخر لبقاء ركعة بسجدتيها من الضروري قتله بالسيف حدًا على المشهور.. وقال ابن حبيب وجماعة خارج المذهب كفرًا، واختاره ابن عبد السلام انتهى.
وقال في فضل الأذان، قال المازري: في الأذان معنيان أحدهما إظهار الشعائر والتعريف بأن الدار دار الإسلام وهو فرض كفاية يقاتل أهل القرية حتى يفعلوه، فإن عجز عن قهرهم على إقامته إلا بقتال قوتلوا، والثاني الدعاء للصلاة والإعلام بوقتها.
وقال الأبي في شرح مسلم: والمشهور أن الأذان فرض كفاية على أهل المصر لأنه شعار الإسلام، فقد كان رسول الله ﷺ إذا لم يسمع الأذان أغار وإلا أمسك وقال المصنف يقاتلون عليه ليس القتال من خصائص القول بالوجوب إلا أنهم اختلفوا في التمالي على ترك السنن هل يقاتلون عليها؟ والصحيح قتالهم وإكراههم لأن في التمالي على تركها إماتتها انتهى.
وقال في فضل صلاة الجماعة. قال ابن رشد: صلاة الجماعة مستحبة للرجال في نفسه فرض كفاية في الجملة، ويعني بقوله في الجملة إنها فرض كفاية، على أهل المصر لو تركوها قوتلوا كما تقدم انتهى.
[ ٢٩ ]
وعبارة غيره وإن تركها أهل بلد قوتلوا وأهل حارة اجبروا عليها.. انتهى كلام الشيخ علي الأجهوري.
فانظر تصريحهم بأن تارك الصلاة يقتل باتفاق أصحاب مالك وإنما اختلفوا في كفره، وإن ابن حبيب وابن عبد السلام اختاروا أنه يقتل كافرا. وتأمل كلامهم في الطائفة الممتنعة عن الأذان أو عن إقامة الجماعة في المساجد انهم يقاتلون، فأين هذا من قولكم أن من ترك الفرائض مع الإقرار بوجوبها لا يحل قتالهم لأنهم يقولون لا إله إلا الله.
وأما كلام الشافعية فقال الشيخ الإمام العلامة أحمد بن حمدان الأذرعي ﵀ في كتاب (قوت المحتاج في شرح المنهاج) من ترك الصلاة جاحدًا لوجوبها كفر بالإجماع، وذلك جار في كل جحود مجمع عليه من الدين بالضرورة، فإن تركها كسلًا قتل حدًا على الصحيح أوالمشهور. أما قتله فلأن الله أمر بقتل المشركين ثم قال: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾
فدل على أن القتل لا يرفع إلا بالإيمان وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، ولمافي الصحيحين: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لاإله إلاالله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا هم فاعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأمولهم إلا بحقها" ثم قال: (اشارات) منها جعل قتله ردة ووجد لشرذمة منهم منصور التميمي، وابن خزيمة، وقضية كلام الرونق أنه كلام منصور حيث قال: فإذا قتل ففي ماله ودفنه بين المسلمين قولان: أحدهما مارواه الربيع عن الشافعي أن ماله يكون لورثته ويدفن في مقابر المسلمين.
وقال منصور في المستعمل سألت الربيع ما نصنع بماله إذا قتلناه؟ قال يكون فيئا. (ومنها) قال في الروضة: تارك الوضوء يقتل على الصحيح جزم به الشيخ أبو حامد. وفي البيان: لو صلى عريان مع القدرة على الستر أوالفريضة قاعدًا بلا عذر قتل، وكذلك لو ترك التشهد والإعتدل، حكاه ابن الاستاذ عن البحر. فإن صح طرد في سائر الأركان والشروط، ويجب أن يكون محله فيما أجمع عليه، ومنها لو امتنع من الصوم والزكاة حبس ومنع المفطرات. وقال إمام الحرمين يجوز أن يجعل الممتنع مما يضيق عليه كالممتنع من الصلاة يجبر عليه، فإن أبى ضربت عنقه. قال المصنف والصحيح قتله بصلاة واحدة بشرط اخراجها عن وقت الضرورة انتهى كلام الأذرعي.
فانظر كلامه في قتل من ترك الصلاة كسلًا. وأن الربيع روى عن الشافعي أن ماله يكون فيئا ولا يدفن في مقابر المسلمين.
وتأمل كلام أبي حامد وكلام صاحب الروضة في قتل تارك الوضوء وكلام صاحب البيان فمن صلى عريان مع القدرة على التستر وصلى الفريضة قاعدًا بلا عذر أنه يقتل، فأين هذا من قولكم أن من قال لا إله إلا الله كف عنه ولايجوز قتاله بوجه من الوجوه.
[ ٣٠ ]
وقال الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي في التحفة في باب حكم تارك الصلاة: أن ترك الصلاة جاحدًا وجوبها كفر بالإجماع، أو تركها كسلًا مع اعتقاده وجوبها قتل للآية ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ وخبر "أمرت أن أقاتل الناس" لأنهما شرطًا في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام وأقام الصلاة وإيتاء الزكاة، لأن الزكاة يمكن الإمام أخذها ولو بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا فكانت فيها على حقيقتها بخلافها في الصلاة، فإنه لا يمكن فعلها بالمقاتلة.
وقال في باب صلاة الجماعة قيل وهي فرض للرجال فتجب بحيث تظهر بها الشعائر في ذلك المحل في البادية أو غيرها فإن لم يظهر الشعار بأن امتنعوا كلهم أو بعضهم -كأهل محلة من قرية كبيرة ولم يظهر الشعار إلا بهم - قوتلوا، يقاتلهم الإمام أو نائبه لإظهارهذه الشعيرة الكبيرة.
وقال في باب الأذان: والإقامة سنة وقيل فرض كفاية فيقاتل أهل بلد تركوهما أواحدهما بحيث لم يظهروا الشعائر. وقال في باب صلاة العيد: هي سنة وقيل فرض كفاية فعليه يقاتل أهل بلد تركوها. انتهى كلامه في التحفة.
فانظر كلامهم في قتل تارك الصلاة كسلًا. وتأمل قوله أن الآية والحديث شرطًا في الكف عن القتل والمقاتلة الإسلام، وإقام الصلاة، وإتياء الزكاة، وان الإمام يأخذ الزكاة بالمقاتلة ممن امتنعوا وقاتلوا.
وتأمل كلامه في باب صلاة الجماعة، وانها تجب بحيث يظهر الشعار في ذلك المحل حتى في البادية وأنهم يقاتلون إذا امتنعوا.
وتأمل كلامه في الأذان والإقامة وأن الإمام يقاتل على تركهما وعلى ترك أحدهما على القول بأنهما فرض كفاية.
وتأمل كلامه في الطائفة اذا امتنعوا من صلاة العيدين، فأين هذا من كلام من يقول: إن أهل البلد والبوادي إذا قالوا: لا إله إلا الله محمد رسول الله لم يجز قتالهم وان لم يصلوا ولم يزكوا، سبحان الله ما أعظم هذا الجهل.
وأما كلام الحنابلة في الإقناع وشرحه في كتاب الصلاة: ومن جحد وجوبها كفر، فإن تركها تهاونًا وكسلًا لا جحودًا دعاه الإمام أو نائبه إلى فعلها لاحتمال أن يكون تركها لعذر يعتقد سقوطها به كالمرض ونحوه، فيهدده فأن أبي أن يصلها حتى تضايق وقت التي بعدها وجب قتله لقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ -إلى قوله تعالى- ﴿َإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فمن ترك الصلاة لم يأت بشرط التخلية فيبقى على إباحة القتل. ولقوله ﵇: "ومن ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه ذمة الله ورسوله" رواه الإمام أحمد عن مكحول وهو مرسل جيد.
ولا يقتل حتى يستتاب ثلاثة أيام كمترد نصًا، فإن تاب بفعلها وإلا قتل بضرب
[ ٣١ ]
عنقه بالسيف لما رواه جابر عن النبي ﷺ أنه قال: "بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة" رواه مسلم.
روى بريدة أن النبي ﷺ قال: "من تركها فقد كفر" رواه الخمسة وصححه الترمذي، انتهى.
وقال ﵀ في باب الأذان والإقامة: فإن تركهما أي الأذان والإقامة أهل بلد قوتلوا، أي يقاتلهم الإمام أو نائبه حتى يفعلوهما، لأنهما من أعلام الدين الظاهر. فقتلوا على تركهما كصلاة العيد.
وقال ﵀ في باب صلاة الجماعة: وهي واجبة وجوب عين. فيقاتل تاركها كالأذان. لكن الأذان إنما يقاتل على تركها أهل البلد كلهم، بخلاف الجماعة فإنه يقاتل تاركها وإن أقامها غيره لأن وجوبها على الأعيان بخلافه.
وقال ﵀ في باب صلاة العيدين: وهي فرض كفاية إن تركها أهل بلد يبلغون أربعين بلا عذر قاتلهم الإمام كالأذان، لأنها من شعائر الإسلام الظاهرة، وفي تركها تهاون بالدين.
وقال ﵀ في (باب إخراج الزكاة) ومن منعها بخلًا أو تهاونًا أخذت منه قهرًا كدين الآدمي، وإن غيب ماله أو كتمه وأمكن أخذها بأن كان في قبضة الإمام أخذت منه بغير زيادة. وإن لم يمكن أخذها استتيب ثلاثة أيام وجوبًا. فإن تاب وأخرج كف عنه وإلا قتل لاتفاق الصحابة في قتال مانعيها وإن لم يمكن أخذها إلا بقتال وجب على الإمام قتاله إن وضعها موضعها. انتهى كلامه في الإقناع وشرحه.
فتأمل كلامه فيمن ترك الصلاة كسلًا من غير جحود أنه يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافرًا -وتأمل كلامه في أهل البلد إذا تركوا الأذان والإقامة وصلاة العيد إنهم يقاتلون بمجرد ترك ذلك، فهذا كلام المالكية، وهذا كلام الشافعية، وهذا كلام الحنابلة، الكل منهم قد صرح بما ذكرناه، فإذا كانوا مصرحين بقتال من التزم شرائع الإسلام، إلا أنهم تركوا الأذان أو تركوا صلاة الجماعة أو تركوا صلاة العيد، فكيف بمن ترك الصلاة رأسًا كالبوادي الذين لا يصلون ولا يزكون ولا يصومون. بل ينكرون الشرائع. وينكرون البعث بعد الموت هذا هو الغالب عليهم إلا من شاء الله وهم القليل. وإلا فأكثرهم ليس معهم من الإسلام إلا أنهم يقولون لا إله إلا الله. ومع هذا يجادل عنهم علماء مكة المشرفة ويقولون: إنهم مسلمون وإن دماءهم وأموالهم حرام بحرمة الإسلام وإن لم يزكوا ولم يصوموا. إلا إنهم يقولون لا إله إلا الله. وهل هذا إلا رد على الله تعالى حيث قال: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ وهؤلاء يقولون يخلى سبيلهم وإن لم يصلوا ولم يزكوا.
[ ٣٢ ]
وفي الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: " أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة. فإن فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام" وهؤلاء يقولون: من قال لا إله إلا الله عصم دمه وماله وإن لم يصل ولم يزك ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ﴾ فهذا كتاب الله. وهذه سنة رسوله. وهذا إجماع الصحابة على قتل من ترك الصلاة ومن منع الزكاة.
وقال صديق الأمة أبو بكر ﵁: والله لاقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة. والله لو منعوني عقالًا كانوا يؤدونه إلى رسول الله ﷺوفي رواية عناقًا- لقاتلهم على منعها. وهذا أيضًا إجماع العلماء.
قال في شرح الإقناع: أجمع العلماء على أن كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام فإنه يجب قتالها حتى يكون الدين كله لله كالمحاربين بين وأولى. انتهى.
وقال أبو العباس ﵀: القتال واجب حتى يكون الدين كله لله. وحتى لا تكون فتنة. فمتى كان الدين لغير الله فالقتال واجب. فأيما طائفة ممتنعة عن بعض الصلوات المفروضات أو الزكاة أو الصيام أو الحج. أو عن التزام تحريم الدماء والأموال والخمر والزنا والميسر. أو نكاح ذوات المحارم. أو عن التزام جهاد الكفار. أو ضرب الجزية على أهل الكتاب. أو غير ذلك من التزام واجبات الدين أو محرماتها التي لا عذر لأحد في جحودها أو تركها. التي يكفر الواحد بجحودها. فإن الطائفة الممتنعة تقاتل عليها وإن كانت مقرة بها. وهذا مما لا أعلم فيه خلافًا بين العلماء وإنما اختلف الفقهاء في الطائفة الممتنعة إذا أصرت على ترك بعض السنن كركعتي الفجر أو الأذان والإقامة عند من يقول بوجوبها ونحو ذلك من الشعائر. فهل تقاتل الطائفة الممتنعة على تركها أم لا؟ فأما الواجبات أو المحرمات المذكورة ونحوها فلا خلاف في القتال عليها. انتهى كلامه.
فتأمل كل إمام الحنابلة وتصريحه بأن من امتنع من شرائع الإسلام الظاهرة كالصلوات الخمس والصيام أو الزكاة أو الحج، وعن ترك المحرمات كالزنا أو شرب الخمر أو المسكرات أو غير ذلك فإنه يجب قتال الطائفة الممتنعة عن ذلك حتى يكون الدين كله لله ويلتزمون جميع شرائع الإسلام، وإن كانوا مع ذلك ناطقين بالشهادتين، وملتزمين بعض شرائع الإسلام، وإن ذلك مما اتفق عليه الفقهاء من سائر الطوائف من الصحابة فمن بعدهم.
فأين هذا من قولكم: إن من قال لا إله إلا الله فقد عصم ماله ودمه وإن ترك الفرائض وارتكب المحرمات، بل من تأمل سيرة النبي ﷺ وسيرة الخلفاء الراشدين المهديين من بعده عرف أن قولكم هذا مضاد لما فعله النبي ﷺ وما فعله الخلفاء الراشدين ومن بعدهم.
[ ٣٣ ]
فيا سبحان الله أما علمتم أن رسول الله ﷺ قاتل اليهود وهم يقولون: لا إله إلا الله وسبى نساءهم، واستحل دماءهم وأموالهم؟ أما علمتم أن رسول الله ﷺ أراد أن يغزوا بني المصطلق لما قيل له أنهم منعوا الزكاة. وكان الذي قاله كاذبًا. والقصة المشهور في كتب الحديث والتفسير. وذكرها المفسرون عند قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ .
أما علمتم أن علي بن أبي طالب ﵁ حرق الغالية مع انهم يقولون لا إله إلا الله؟ أما علمتم أن الصحابة ﵃ قاتلوا الخوارج بأمر نبيهم ﷺ. مع أنه ﷺ أخبر أن الصحابة يحقرون صلاتهم مع صلاتهم وصيامهم مع صيامهم، وقراءتهم مع قراءتهم. وقال: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم" أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني حنيفة وهم يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ويصلون ويؤذنون ويصومون؟
أما علمتم أن الصحابة قاتلوا بني يربوع لما منعوا الزكاة. مع أنهم مقرون بوجوبها. وكانوا قد جمعوا صدقاتهم أرادوا أن يبعثوا بها إلى أبي بكر فمنعهم مالك بن نويرة. وفي أمر هؤلاء عرضت الشبهة لعمر ﵁ حتى جلاها الصديق أبو بكر ﵁ وقال: والله لو منعوني عقالًا -وفي رواية عناقًا- كانوا يؤدونها إلى رسول الله ﷺ لقاتلتهم على منعها. فقال عمر: فوالله ما هو إلا أن رأيت الله قد شرح صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.. وقد تقدم ذلك مبسوطًا. وذكرنا لفظه في شرح مسلم في (باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة) .
أما علمتم أن رسول الله ﷺ بعث البراء إلى رجل تزوج امرأة كما رواه الترمذي في سننه حيث قال (باب فيما جاء فيمن تزوج امرأة أبيه) حدثنا أبو سعيد الأشج أخبرنا حفص بن غياث عن أشعث عن عدي بن ثابت عن البراء قال: مر بي خالي أبو بردة ومعه لواء فقلت: أين تريد؟ فقال: بعثني رسول الله ﷺ إلى رجل تزوج امرأة أبيه أن آتيه برأسه. حديث حسن غريب. انتهى
ولو تتبعنا الآيات والأحاديث والآثار وكلام العلماء في قتال من قال: لا إله إلا الله إذا ترك بعض حقوقها لطال الكلام جدًا. فكيف بمن جحد الإسلام كله. وكذب به. واستهزأ به على عمد إلا أنهم يقولون: لا إله إلا الله كهؤلاء البوادي؟
وفيما ذكرنا كفاية لمن طلب الأنصاف، فقد ذكرنا الأدلة من كلام الله، وكلام رسوله ﷺ، وكلام الصحابة، وإجماع الصحابة، وإجماع العلماء بعدهم. فإن كان هذا الذي ذكرناه له معنى آخر ما فهمناه بينوه لنا من كلام الله وكلام العلماء، فرحم الله امرءا نظر لنفسه وعرف أنه ملاق الله الذي عنده الجنة والنار.
[ ٣٤ ]