كتاب مختصر الردود
قال الشيخ حمد بن ناصر بن معمر رحمه الله تعالى:
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم مالك يوم الدين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ولا ند ولا معين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أرسله رحمة للعالمين وحجة على الكافرين، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين وسلم تسليمًا.
أما بعد: فانه لما كان منتصف جمادي الثانية من سنة سبع عشرة بعد المائتين والألف ورد علينا رسالة من محمد بن أحمد الحفظي اليمني يسأل فيها عن مسائل أوردها عليه بعض المجادلين فطلب منا الجواب عليها.
منها: أنه زعم أن إطلاق الكفر بدعاء غير الله غير مسلم لوجوه الوجه الأول: عدم النص الصريح على ذلك بخصوصه، الثاني: أن نظر فيه من حيثية الاعتقاد فهو كالطيرة وهي من الأصغر، الثالث: أنه قد ورد في حديث الضرير قوله يا محمد إني أتوجه بك الخ وفي الجامع الكبير وعزاه للطبراني فيمن انفلتت عليه دابته قال يا عباد الله احبسوا وهذا دعاء ونداء لغير الله.
الجواب وبالله التوفيق والتأييد ومنه استمد العون والتسديد، اعلم أن دعاء غير الله وسؤاله نوعان: أحدهما سؤال الحي الحاضر ما يقدر عليه مثل سؤاله أن يدعوا له أو يعينه أو ينصره مما يقدر عليهن فهذا جائز كما كان الصحابة ﵃ يستشفعون بالنبي ﷺ في حياته فيشفع لهم ويسألونه الدعاء فيدعو لهم فالمخلوق يطلب منه من هذه الأمور ما يقدر عليه منها كما قال تعالى في قصة موسى: ﴿فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ﴾ وكما ورد في الصحيحين: إن الناس يوم القيامة يستغيثون بآدم ثم بنوح ثم بإبراهيم ثم بموسى ثم بعيسى ثم بنبينا محمد ﷺ، وفي سنن أبي داود أن رجلًا قال للنبي ﷺ: إنا نستشفع بالله عليك ونستشفع بك على الله فقال: "شأن الله أعظم من ذلك إنه لا يستشفع بالله على أحد من خلقه" فأقره على قوله نستشفع بك على الله، وأنكر قوله نستشفع بك بالله عليك" فالصحابة ﵃ كانوا يطلبون منه الدعاء ويستشفعون به في حياته ﷺ.
[ ١٣٧ ]
النوع الثاني: سؤال الميت والغائب وغيرهما ما لا يقدر عليه إلا الله مثل سؤال قضاء الحاجات وتفريج الكربات وإغاثة اللهفات فهذه من المحرمات المنكرة باتفاق أئمة المسلمين، لم يأمر الله به ولا رسوله ولا فعله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا استحبه أحد من أئمة المسلمين، وهذا مما يعلم بالدين بالإضرار أنه ليس من دين الإسلام فإنه لم يكن أحد منهم إذا نزلت به شدة أو عرضت له حاجة يقول لميت يا سيدي فلان اقض حاجتي أو اكشف شدتي أو أنا في حسبك أو أنا متشفع بك إلى ربي كما يقول بعض هؤلاء المشركين لمن يدعونهم من الموتى والغائبين.
ولا أحد من الصحابة استغاث بالنبي ﷺ بعد موته ولا بغيره من الأنبياء عند قبورهم ولا إذا بعدوا عنها، فإن هذا من الشرك الأكبر الذي كفر الله به المشركين الذين كفرهم النبي ﷺ واستباح دماءهم وأموالهم لم يقولوا أن آلهتم شاركت الله في خلق العالم أو أنها تنزل المطر وتنبت النبات بل كانوا مقرين بذلك لله وحده كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ * سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلاَّ وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ قال طائفة من السلف في تفسير هذه الآية: إذا سئلوا من خلق السموات والأرض قالوا الله وهم يعبدون غيره، ففسروا الإيمان في الآية بإقرارهم بتوحيد الربوبية وفسروا الإشراك بإشراكهم في توحيد الألوهية الذي هو توحيد العبادة.
والعبادة اسم جامع لما يحب الله ويرضاه من الأقوال من ذلك الدعاء بما لا يقدر على جلبه أو دفعه إلا الله، فمن طلبه من غيره واستعان به فيه فقد عبده به والدعاء من أفضل العبادات وأجل الطاعات قال الله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ وفي الترمذي عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: "الدعاء مخ العبادة" وللترمذي والنسائي ابن ماجه من حديث النعمان بن بشير قال قال رسول الله ﷺ: "إن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ الآية قال الترمذي حديث حسن صحيح، قال الشارح: معنى قوله ﷺ "الدعاء هو العبادة" أي خالصها أن الداعي إنما يدعو الله عند انقطاع أمله مما سواه وذلك حقيقة التوحيد والإخلاص انتهى.
والدعاء في القرآن يتناول معنيين أحدهما: دعاء العبادة وهو دعاء الله لامتثال أمره في قوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ الثاني دعاء المسألة وهو دعاؤه سبحانه في جلب المنفعة ودفع المضرة وبقطع النظر عن الامتثال فقد فسر قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ بالوجهين أحدهما: ما هو عام في الدعاء وغيره وهو العبادة وامتثال الأمر له سبحانه فيكون معنى قوله ﴿أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أثابكم كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أي يثيبهم على أحد التفسيرين.
الثاني: ما هو خاص معناه سلوني أعطكم كما في الصحيحين عن النبي صلى الله
[ ١٣٨ ]
عليه وسلم أنه قال: "ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر فيقول من يدعوني فاستجيب له من يسألني فأعطيه سؤاله من يستغفرني فاغفر له" فذكر أولًا لفظ الدعاء ثم السؤال ثم الاستغفار والمستغفر سائل كما أن السائل داع فعطف السؤال والاستغفار على الدعاء فهو من باب عطف الخاص على العام، وهذا المعنى الثاني أعني الخاص هو الأظهر لوجهين: أحدهما: ما في حديث النعمان بن بشير أن رسول الله ﷺ قال: "أن الدعاء هو العبادة" ثم قرأ الآية ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فاستدلاله ﵊ بالآية دليل على أن المراد منها سلوني.
وخطاب الله عباده المكلفين بصيغة الأمر منصرف إلى الوجوب ما لم يقم دليل يصرفه إلى الاستحباب فيفيد قصر فعله على الله فلا يجعل لغيره لأنه عبادة، ولهذا أمر الله الخلق بسؤاله فقال: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ وفي الترمذي عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ "سلوا الله من فضله فإن الله يحب الملحين في الدعاء" فتبين بهذا أن الدعاء من أفضل العبادات وأجمل الطاعات.
الوجه الثاني: أنه سبحانه قال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ والسائل راغب راهب وكل راغب راهب فهو عابد سائل وكل سائل لله فهو عابد قال الله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾ لا يتصور أن يخلو داع لله من دعء عبادة أو دعاء مسألة من الرغب والرهب والخوف والطمع له، فدعاء العبادة ودعاء المسألة كلاهما عبادة لله لا يجوز صرفها إلى غيره.
فلا يجوز أن يطلب من مخلوق ميت أو غائب قضاء حاجة أو تفريج كربة ما لا يقدر عليه إلا الله لا يجوز أن يطلب إلا من الله.
فمن دعا ميتًا أو غائبًا فقال: يا سيدي فلان أغثني أو انصرني أو ارحمني أو اكشف عني شدتي ونحو ذلك فهو كافر مشرك يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء. فإن هذا هو شرك المشركين الذين قاتلهم النبي ﷺ فإنهم لم يكونوا يقولون تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها، بل كانوا يعلمون أن ذلك لله وحده كما حكاه عنه في غير موضع من كتابه. وإنما كنوا يفعلون عندها ما يفعله اخوانهم من المشركين اليوم من دعائها والاستغاثة بها والذبح لها والنذر لها يزعمون أنها وسائط بينهم وبين الله تقربهم إليه وتشفع لهم لديه كما حكاه عنهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقال تعالى ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ فقاتلهم رسول الله ﷺ ليكون الدعاء كله لله والذبح كله لله والاستغاثة كلها بالله وجميع العبادات كلها بالله.
والله سبحانه قد بين في غير موضع من كتابه أن الدعاء عبادة فقال تعالى: حاكيا
[ ١٣٩ ]
عن خليله إبراهيم ﵇ ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلاَّ أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا. فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ فأخبر سبحانه أنه لا أضل من هذا الداعي وأن المدعو لا يستجيب له وأن ذلك عبادة يكفر بها المعبود يوم القيامة كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا﴾ .
وقد سمى إله سبحانه الدعاء دينًا في غير موضع من كتابه وأمرنا أن نخلصه له وأخبر أن المشركين يخلصون له في الشدائد فقال تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ فأخبر سبحانه أنهم عند الأضطرار يدعونه وحده لا شريك له مخلصين له في تلك الحالات لا يستغيثون بغيره فلما نجاهم من تلك الشدة إذا هم يشركون في دعائهم، ولهذا قال: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ﴾ أي أنه سبحانه لما نجاكم إلى البر أعرضتم أي نسيتم ما عرفتم من توحيده، وأعرضتم عن دعائه وحده لا شريك له وقال تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال تعالى: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ فالدعاء من أفضل العبادات، وأجل الطاعات، ولهذا أخبر أنه الدين فذكره معرفًا بالألف واللام وأخبر المشركين يخلصون له في الشدائد وأنهم في الرخاء يشركون معه غيره فيدعون من لا ينفعهم ولا يضرهم ولا يسمع دعاءهم فصاروا بذلك كافرين، ومن تأمل أدلة الكتاب والسنة علم أن شرك المشركين الذين كفرهم النبي ﷺ إنما هو في الدعاء والذبح والنذر والتوكل والالتجاء ونحو ذلك.
فان جادل مجادل وزعم أنه ليس هذا قيل له: فأخبرنا عما كانوا يفعلون عند آلهتم، وما الذي يريدون؟ وما هذا الشرك الذي حكاه الله عنهم؟ فان قال: شركهم عبادة غير الله قيل له: وما معنى عبادتهم لغير الله؟ أتظن أنهم يعترفون أن تلك الأخشاب والأحجار تخلق وترزق وتدبر أمر من دعاها؟ فهذا يكذبه القرآن لأن الله أخبر عنهم أنهم مقرون بذلك لله وحده، فان قال: انهم يريدون منهم النفع والضر من دون الله فهذا يكذبه القرآن أيضًا، لأن الله أخبر عنهم أنهم لم يريدوا إلا التقرب بهم إلى الله وشفاعتهم عنده كما قال تعالى حاكيا عنهم: ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلاَّ لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُهُمْ وَلا يَضُرُّهُمْ﴾ الآية.
وأخبر تعالى عن شركهم في غير آية من كتابه كقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ
[ ١٤٠ ]
زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ الآيتين أي لا يرفعونه بالكلية ولا يحولونه من حال إلى حال ثم قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ قال طائفة من السلف كان أقوام يدعون المسيح والعزير والملائكة فيبن الله لهم أن هؤلاء عبادي يرجون رحمتي ويخافون عذابي. وأخبر انهم لا يملكون كشف الضر عن الداعين ولا تحويله وهذا هو الإغاثة، والمشركين يزعمون ان آلهتهم تشفع لهم بالسؤال لله، والطلب منه، فيقضي الله لهم تلك الحاجات. فأبطل الله هذه الشفاعة التي يظنها المشركون، وبين أنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه فقال: ﴿وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ الآية. ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ فمن جعل الانبياء والملائكة وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين يكونون بين الملك ورعيته بحيث يزعم أنهم يرفعون الحوائج إلى الله فمن اعتقد هذا فهو كافر مشرك.
إذا تقرر هذا فنقول: قول القائل إن إطلاق الكفر بدعاء غير الله غير مسلم لوجوه: الوجه الأول: عدم النص الصريح على ذلك النصوصه- كلام باطل بل النصوص صريحة في كفر من دعا غير الله وجعل الله ندا من خلقه يدعوه كما يدعو الله ويرجوه كما يرجو الله ويتوكل عليه في أموره قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ فمن أحب مخلوقًا كما يحب الله أو رجاه كما يرجو الله فقد جعله ندًا لله، وصار من الخالدين في النار، وفي صحيح البخاري عن ابن مسعود ﵁ قال قال رسول الله ﷺ: "من مات وهو يدعو لله ندًا دخل النار" وفي الصحيحين أنه ﷺ سئل أي الذنب أعظم؟ قال: "أن تجعل لله ندًا وهو خلقك".
والند المثل قال الله تعالى: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقال تعالى عن أهل النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ومعلوم أنهم ما سووهم به في الخلق والرزق والاحياء والأمانة، وإنما سووهم به في الدعاء والخوف والرجاء والمحبة والتعظيم والإجلال، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْأِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ﴾ فصرح بكفره وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ فبين أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابا كفر.
وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقال فيما حكاه عن المسيح: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ وقال تعالى: ﴿َالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ فدلت الآية الكريمة على أن أعظم شركهم إنما
[ ١٤١ ]
هو دعاء غير الله فانه أخبر أنهم لا يملكون من قمطير، وهو القشر الذي يكون على ظهر النواة أي ليس لهم الامر شيء وان قل، ثم أخبر أنهم لا يسمعون دعاءهم وأنهم لو سمعوا ما استجابوا لهم، وهذا صريح في دعاء المسألة، ثم أخبر أن هذا شرك يكفرون به يوم القيمة فقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ كقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ .
والله سبحانه قد أرسل رسله وأنزل كتبه ليعبده وحده ويكون الدين كله له ونهى أن يشرك به أحد من خلقه وأخبر أن الرسالة عمت كل أمة وأن دين الرسل واحد هو الأمر بعبادته وحده لا شريك له وأن لا يشرك به أحد سواه كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال تعالى ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاَّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ وأخبر أنه لا يغفر أن يشرك به، وأن من أشرك به فقد حبط عمله، وصار من الخالدين في النار. كما قال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ ..
فيقاتل لمن أنكر أن يكون دعاء الموتى والاستغاثة بهم في الشدائد شركًا أكبر أخبرنا عن هذا الشرك الذي عظمه الله وأخبر أنه لا يغفره؟ أتظن أن الله يحرمه هذا التحريم ولا يبينه لنا؟ ومعلوم أن الله سبحانه أنزل كتابه تبيانًا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين، وقد أخبر في كتابه أنه أكمل لنا الدين وأتم علينا النعمة ورضي لنا الإسلام دينًا فكيف يجوز أن يترك بيان الشرك الذي هو أعظم ذنب عصى الله به سبحانه فإذا أصغى الإنسان إلى كتاب الله وتدبره وجد فيه الهدى والشفاء ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ ﴿مَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ .
ويقال أيضًا قد أمرنا الله سبحانه بدعائه وسؤاله، واخبر أنه يجيب دعوة الداع إذا دعاه وأمرنا ان ندعوه خوفًا وطمعًا، فإذا سمع الإنسان قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ وقوله ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ وأطاع الله ودعاه وأنزل به حاجته وسأله تضرعًا وخفية فمعلوم أن هذا عباده فيقال: فإن دعا في تلك الحاجة نبيًا أو ملكًا أو عبدًا صالحًا هل أشرك في هذه العبادة فلا بد أن يقر بذلك إلا أن يكابر ويعاند.
وقال أيضًا: إذا قال الله ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وأطعت الله ونحرت له هل هذا عبادة فلا بد أن يقول: نعم: فيقال له: فإذا ذبحت لمخلوق نبي أو ملك أو غيرهما هل أشركت في هذه العبادة؟ فلا بد أن يقول: نعم إلا أن يكابر ويعاند، وكذلك السجود عبادة فلو سجد لغير الله لكان شركًا ومعلوم أن الله ﷾ ذكر في كتابه النهي عن دعاء غيره وتكاثرت نصوص القرآن على النهي ذلك أعظم مما ورد في النهي عن السجود لغير الله والذبح لغير الله فإذا كان من سجد لغير نبي أو ملك وعبد صالح لا يشك أحد في كفره، وكذلك لو ذبح له القربان لم يشك أحد في كفره لأنه أشرك
[ ١٤٢ ]
في عبادة الله غيره فيقال: السجود عبادة وذبح القربان عبادة والدعاء عبادة فما الفارق بين السجود والذبح والدعاء إذا الكل عبادة والدعاء عبادة؟ وما الدليل على أن السجود لغير الله والذبح لغير الله شرك أكبر والدعاء بما لا يقدر عليه إلا الله شرك أصغر.
ويقال أيضًا: قد ذكر أهل العلم من أهل كل مذهب باب حكم المرتد وذكروا أنواعًا كثيرة كل نوع منها يكفر به الرجل ويحل دمه وماله ولم يرد في واحد منها ما ورد في الدعاء بل لا نعلم نوعًا من أنواع الكفر والردة ورد فيه من النصوص مثل ما ورد في دعاء غير إله بالنهي والتحذير من فعله والوعيد عليه ولا يشتبه هذا إلا على من لم يعرف حقيقة ما بعث الله به محمدًا ﷺ من التوحيد ولم يعرف حقيقة شرك المشركين الذين كفرهم النبي ﷺ، وأحل دماءهم وأموالهم وأمره الله أن يقاتلهم (حتى لا تكون فتنة) أي لا يكون شرك (ولا يكون الدين كله لله)
فمن أصغى إلى كتاب الله علم علمًا ضروريًا أن دعاء الأموات من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، فكيف يسوغ لمن عرف التوحيد الذي بعثه الله به محمدًا ﷺ أن يجعل ذلك من الشرك الأصغر، ويقول قد عدم النص الصريح على كفر فاعله، فان الأدلة القرآنية والنصوص النبوية قد دلت على ذلك دلالة ظاهرة ليست خفيه، ومن أعمى الله بصيرته فلا حيلة فيه ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ﴾ وأيضًا فان كيثرا من المسائل التي ذكرها العلماء في مسائل الكفر والردة وانعقد عليها الإجماع لم يرد فيها نصوص صريحة بتسميتها كفرًا وإنما يستنبطها العلماء من عموم النصوص كما إذا ذبح المسلم نسكًا متقربًا به إلى غير الله فان هذا كفر بالإجماع كما نص على ذلك النووي وغيره وكذلك لو سجد لغير الله.
فاذا قيل هذا شرك لأن الذبح عبادة والسجود عبادة فلا يجوز لغير الله كما دل عل ذلك قوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ فهذا صريح في الأمر بهما وأنه لا يجوز صرفهما لغير الله؟ فينبغي أن يقال فاين الدليل المصرح بان هذا كفر بعينه؟ ولازم هذه المجادلة الإنكار على العلماء في كل مسألة من مسائل الكفر والردة التي لم يرد فيها نص بعينها، مع ان هذه المسألة المسئول عنها قد وجدت فيها النصوص الصريحة من كلام الله وكلام رسوله وأوردنا من ذلك ما فيه الهدى لمن هداه الله.
وأما كلام العلماء فنشير إلى قليل من كثير ونذكر كلام من حكى الإجماع على ذلك قال في الإقناع وشرحه من جعل بينه وبين الله وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم ويسألهم كفر اجماعًا لأن هذا كفعل عابدي الأصنام قائلين ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ انتهى، وقال الشيخ تقي الدين ﵀: وقد سئل عن رجلين تناظرا فقال أحدهما: لا بد لنا من واسطة بيننا وبين الله فانا لا نقدر أن نصل إليه إلا بذلك فأجاب بقوله: ان أراد بذلك أنه لا بد من واسطة تبلغنا أمر الله فهذا حق، فان الخلق لا يعلمون ما يحبه الله ويرضاه وما أمر به وما نهى عنه إلا بالرسل الذين أرسلهم الله إلى عباده وهذا
[ ١٤٣ ]
مما أجمع عليه أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى، فانهم يثبتون الوسائط بين الله وبين عباده وهم الرسل الذين بلغوا عن الله أوامره ونواهيه قال الله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ ومن أنكر هذه الوسائط فهو كافر باجماع أهل الملل.
وان أراد بالواسطة انه لابد من واسطة يتخذها العباد بينهم وبين الله في جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يكون واسطة في رزق العباد ونصرهم وهداهم، يسألونه ذلك ويرجعون إليه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء يجتلبون بهم المنافع، ويدفعون بهم المضار، ولكن الشفاعة لمن يأذن الله له فيها قال تعالى: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ﴾ وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِير. وَلا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلاَّ لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ .
وقال تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلا تَحْوِيلًا﴾ قال طائفة من السلف: كان أقوام من الكفار يدعون عيس والعزير والملائكة والأنبياء. فيبن الله لهم أن الملائكة والأنبياء لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويلا. وأنهم يتقربون إليه ويرجون رحمته ويخافون عذابه وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ فبين الله ﷾ أن إتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، فمن جعل الملائكة والأنبياء وسائط يدعوهم ويتوكل عليهم، ويسألهم جلب المنافع ودفع المضار مثل أن يسألهم غفران الذنوب، وهداية القلوب، وتفريج الكربات وسد الفاقات فهو كافر بإجماع المسلمين وقد قال تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَلا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ.. يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ﴾ وقال تعالى: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلا الْمَلائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ﴾ الآية. ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلاَّ مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾ وقال: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ﴾ الآية وقال تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ .
فمن أثبت وسائط بين الله وبين خلقه كالحجاب الذين بين الملك ورعيته بحيث يكونون هم يرفعون إلى الله حوائج خلقه. وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم، وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم –وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملوك حوائج الناس بقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، أو لأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك لكونهم
[ ١٤٤ ]
أقرب إلى الملك من الطلب أقرب إلى الملك من الطلب، فمن أثبتهم وسائط على هذا الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبهون شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا الله أندادًا وفي القرآن من الرد على هؤلاء مالا تتسع له هذه الفتوى.
فإن هذا دين المشركين عباد الأوثان كانوا يقولون إنها تماثيل الأنبياء والصالحين، وأنها وسائل يتقربون بها إلى الله تعالى وهو من الشرك الذي أنكره الله على النصارى حيث قال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ أي فليستجيبوا لي إذا دعوتهم بالأمر، والنهي ويؤمنوا بي أني أجيب دعاءهم لي بالمسألة، والتضرع وقال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ (الشرح:٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ .
وقد بين الله هذا التوحيد في كتابه وحسم مواد الاشراك به حيث لا يخاف أحد غير الله، ولا يرجو سواه، ولا يتوكل إلا عليه قال تعالى: ﴿فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ وقال: ﴿وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ فبين أن الطاعة لله والرسول وأما الخشية والتقوى فلله وحده وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ﴾ فبين أن الاتياء لله والرسول وأما الحسب فهو لله وحده كما قالوا حسبنا الله ولم يقولوا حسبنا الله ورسوله ونظيره قوله تعالى ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ .
وقد كان النبي ﷺ يحقق هذا التوحيد لأمته ويحسم عنهم مواد الشرك وهذا تحقيق قولنا لا إله إلا الله فان إلا له هو الذي تؤلهه القلوب بالمحبة والتعظيم والإجلال والإكرام والخوف حتى قال لهم: "لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد" وقال له رجل: ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله ندًا بل ما شاء الله وحده" وقال لابن عباس: "إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله"وقال: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فانما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله"وقال: " لا تتخذوا قبري عيدًا وصلوا علي حيث ما كنتم فان صلاتكم تبلغني" وقال في مرضه "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما فعلوا" قالت عائشة ﵂: ولولا ذلك لابرز قبره ولكن خشى أن يتخذ مسجدا، وهذا باب واسع انتهى ما لخصته من كلام الشيخ في مسألة الوسائط.
وقال ﵀ في موضع آخر: والله ﷾ لم يجعل أحدًا من الأنبياء والمؤمنين واسطة في شيء من الربوبية، والالهية مثل، ما ينفرد به من الخلق والرزق وأجابة الدعاء، والنصر على الأعداء وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، بل غاية ما يكون العبد سببًا مثل أن يدعو ويشفع والله تعالى قال: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ وقال تعالى: ﴿وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ .
[ ١٤٥ ]
فيبن سبحانه أن اتخاذ الملائكة والنبيين أربابًا كفر، ولهذا كانوا في الشفاعة على ثلاثة أقسام: فالمشركون أثبتوا الشفاعة التي هي شرك كشفاعة المخلوق عند المخلوق، كما يشفع عند الملوك خواصهم لحاجة الملوك إلى ذلك، فيسألونهم بغير أذنهم، ويجيب الملوك سؤالهم لحاجتهم إليهم فالذين أثبتوا مثل هذه الشفاعة عند الله مشركون كفار، لأن الله تعالى لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه ولا يحتاج إلى أحد من خلقه بل من رحمته واحسانه اجابة دعاء الشافعين، ولهذا قال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ﴾ وقال: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ شُفَعَاءَ قُلْ أَوَلَوْ كَانُوا لا يَمْلِكُونَ شَيْئًا وَلا يَعْقِلُونَ (الزمر:٤٣) قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾ وقال عن صاحب يسن: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلا يُنْقِذُونِ﴾ وأما الخوارج والمعتزلة فأنهم أنكروا شفاعة نبينًا ﷺ في أهل الكبائر من أمته، وهؤلاء مبتدعة ضلال مخالفون للسنة المستفيضة عن النبي ﷺ ولإجماع خير القرون.
القسم الثالث: أهل السنة والجماعة وهم سلف الأمة وأئمتها ومن تبعهم بإحسان أثبتوا ما أثبته الله في كتابه وسنة رسوله ونفوا ما نفاه فالشفاعة التي أثبتوها هي التي جاءت بها الأحاديث، وأما الشفاعة التي نفاها القرآن كما عليه المشركون والنصارى ومن ضاهاهم من الأمة فينفيها أهل العلم والإيمان. مثل أنهم يطلبون من الأنبياء والصالحين الغائبين قضاء حوائجهم، ويقولون انهم إذا أرادوا ذلك قضوها، ويقولون أنهم عند الله كخوص الملوك عند الملوك يشفعون بغير أذن الملوك، ولهم على الملوك ادلال يقضون حوائجهم فيجعلونهم لله بمنزلة شركاء الملك، والله سبحانه قد نزه نفسه عن ذلك انتهى.
وقال ابن القيم رحمه الله تعالى: وأما الشرك نوعان: أصغر وأكبر. فالأكبر الذي يغفره الله إلا التوبة منه وهو أن يتخذ من دون الله ندًا يحبه كما يحب الله وهو الشرك الذي يتضمن تسوية آلهة المشركين برب العالمين، ولهذا قالوا لآلهتهم في النار: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ * إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ مع اقرارهم بأن الله هو الخالق وحده خالق كل شيء ومليكه وان آلهتهم لا تخلق ولا ترزق ولا تحيي ولا تميت وانما كانت هذه التسوية في المحبة والتعظيم والعبادة كما هو حال أكثر شرك العالم يحبون معبوداتهم، ويعظمونها ويوالونها من دون الله.
وكثير منهم بل أكثرهم يحبون آلهتهم أعظم من محبة الله، ويستبشرون بذكرهم أعظم من استبشارهم إذا ذكر الله وحده، ويغضبون إذا انتقص معبودهم وآلهتهم من المشائخ أعظم مما يغضبون إذا انتقص أحد رب العالمين، وإذا انتقصت حرمة من حرمات آلهتهم ومعبوديهم غضبوا غضب اليث إذا حرب، وإذا انتهكت حرمات الله لم يغضبوا لها، بل إذا قام المنتهك لها باطعامهم شيئًا رضوا عنه ولم تنكره قلوبهم، وقد شاهدنا هذا منهم نحن وغيرنا ونرى أحدهم قد اتخذ ذكر الهه ومعبودة من دون الله على لسانه أن قام وان قعد، وان عثر وان مرض، فذكر الهه ومعبودة من دون الله
[ ١٤٦ ]
هو الغالب على لسانه وهو لا ينكر ذلك.. ويزعم أنه باب حاجته إلى الله وشفيعه عنده، ووسيلته إليه، وهكذا كان عباد الأصنام سواء.
وهذا القدر هو الذي قام بقلوبهم يتوارثه المشركون بحسب اختلاف آلهتهم فأولئك كانت آلهتهم من الحجر وغيرهم اتخذوها من البشر قال تعالى حاكيًا عن أسلاف هؤلاء المشركين: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ﴾ فهذا حال من اتخذا من دون الله وليًا يزعم أنه يقربه إلى الله، وما أعز من يتخلص من هذا؟ بل ما أعز من لا يعادي من أنكره؟ والذي قام في قلوب هؤلاء المشركين وسلفهم ان آلهتهم تشفع لهم عند الله، وهذا عين الشرك وقد أنكر الله عليهم في كتابه وأبطله، وأخبر أن الشفاعة كلها له وأنه لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن رضي قوله وعمله، وهم أهل التوحيد الذين لم يتخذوا من دون الله شفعاء ثم ساق كلامًا طوبلًا وقرره أحسن تقرير.
فتأمل كلامه هذا حيث قرر أن الذي يفعله مشركو زمانه هو عين الشرك الذي فعله المشركون الأولون، ثم قال: وما أعز من يتخلص من هذا بل ما أعز من لا يعادي من أنكره؟ ففي هذا شاهد لصحة الحديث الوارد عن رسول الله ﷺ أنه قال: "بدأ الإسلام غريبًا وسيعود غريبًا كما بدًا" وقوله فيما صح عنه ﷺ: "لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلتموه" قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال"فمن؟ " أخرجاه في الصحيحين.
وقال الشيخ أبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالته التسعينية لما تكلم على حديث الخوارج، فإذا كان في زمن النبي ﷺ وخلفائه ممن انتسب إلى الإسلام من قد مرق منه مع عبادته العظيمة فليعلم أن المنتسب إلى الإسلام في هذا الزمان قد يمرق أيضًا وذلك بأمور: منها الغلو الذي ذمه الله كالغلو في المشائخ كالشيخ عدي، بل الغلو في علي بن أبي طالب، بل الغلو في المسيح فكل من غلا في نبي أو في رجل صالح، وجعل فيه نوعًا من الالهية مثل: أن يدعوه من دون الله بان يقول يا سيدي فلان أغثني وأنا في حسبك فكل هذا شرك وضلال يستتاب صاحبه فان تاب وإلا قتل، فان الله أرسل الرسل وأنزل الكتب ليعبد وحده، ولا يجعل معه الها آخر والذين يجعلون مع الله آلهة أخرى مثل الملائكة والمسيح وعزير والصالحين. أو قبورهم لم يكونوا يعتقدون أنها تخلق وترزق، وإنما كانوا يدعونهم يقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله فبعث الله الرسل تنهي أن يدعي أحد من دونه لادعاء عبادة ولا دعاء استغاثة انتهى.
وقال أبو الوفاء ابن عقيل ﵀: لما صعبت التكاليف على الجهال والطعام عدلوا عن أوضاع الشرع إلى أوضاع وضعوها لأنفسهم فسهلت عليهم، إذ لم يدخلوا بها تحت أمر غيرهم قال: وهم عندي كفار بهذه الأوضاع، مثل تعظيم القبور وإكرامها بما نهى عنه الشرع من ايقاد السرج، وتقبيلها، وتخليقها، وخطاب الموتى بالحوائج، وكتب الرقاع فيها يا مولاي أفعل بي كذا وكذا وأخذ تربتها تبركًا، وافاضة الطيب على
[ ١٤٧ ]
القبور وشد الرحال إليها، وإلقاء الخرق على الشجر اقتداء بمن عبد اللات والعزى والويل عندهم لمن لم يقبل مشهد الكهف، ولم يتمسح بالآجر يوم الأربعاء، ولم يقل لحمالون على جنازته أبو بكر الصديق أو محمد أو علي أو لم يعقد على قبر أبيه أزجا بالجص والآجر، ولم يخرق ثيابه. ولم يرق ماء الورد على القبر انتهى كلامه.
فتأمل رحمك الله ما ذكره هذا الإمام وما كشفه من الأمور التي يفعلها الخواص من الأنام فضلًا عن النساء، والغوغاء والعوام، مع كونه في سادس القرون والناس لما ذكره يفعلون وجهابذة العلماء والنقدة لذلك مشاهدون، وحظهم من النهي مرتبته الثانية فهم بها قائمون يتضح لك فساد ما زخرفه المبطلون وموه به المتعصبون والملحدون.
[ ١٤٨ ]