(فصل)
وأما قول القائل واتخاذها أعيادا في الغالب فلكل شيخ يوم معروف في شهر معلوم يؤتى إليه من النواحي، وقد يحضر بعض العلماء ولا ينكر- فنقول – هذه
[ ١٧٥ ]
المسألة يظهر جوابها مما تقدم، فان الله قد أتم نعمته على خلقه برسالة محمد ﷺ، وأنزل عليه الكتاب ليخرج الناس من الظلمات إلى النور، وافترض على الخلق طاعته، وأخبر أن من أطاعه فقد أطاع الله فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وهو ﷺ أنصح الخلق للأمة كما أخبر الله عنه في قوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ﴾ فدل أمته على كل خير يعلمه لهم، وحذر أمته عن شر ما يعلمه لهمن فكل عمل لم يشرعه فليس من الدين.
والعبادات مبناها على الأمر الاتباع لا على الهوى والابتداع، وكل عمل ليس عليه أمره فهو رد كما في الصحيح عنه ﷺ أنه قال: "من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد" وقال ﷺ: "كل أمتي يدخلون الجنة إلا من أبى" فيقال لمن أجاز القبور أعيادًا: هل هذا مما شرعه رسول الله ﷺ ورغب فيه أم هو مما نهى عنه وحذر من ﷺ وهل فعل ذلك خلفاؤه الراشدون، والذين أمرنا النبي ﷺ بلزوم سنتهم كما في حديث العرباض "عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ واياكم ومحدثات الامور فان كل بدعة ضلالة" ومعلوم أن قبره ﷺ أشرف قبر على وجه الأرض فلو كان فضيلة لما أهملوه ومن له معرفة بالسنن والآثار يعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن ذلك وحذر أمته وأن الصحابة لم يفعلوه وكذلك أتباعهم الذين اتبعوهم بإحسان لم يفعلوه بل نهوا عن ذلك وأنكروا على ما فعله.
ونحن نذكر بعض ما ورد في ذلك عن النبي ﷺ من النهي عن اتخاذ قبره عيدًا وهو سيد القبور فقبر غيره من باب الأولى والأحرى، قال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح قال: قرأت على عبد الله بن نافع أخبرني ابن أبي ذئب عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "لا تجعلوا بيوتكم قبورًا ولا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني حديث ما كنتم" وهذا اسناد جيد رواته كلهم ثقاة مشاهير، وقال أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة حدثنا زيد بن الحباب حدثنا جعفر بن ابراهيم من ولد ذي الجناحين حدثنا علي بن الحسين انه رأى رجلًا يجيء إلى فرجة كانت عند قبر النبي ﷺ فيدخل فيها فيدعو فنهاه فقال: الا أحدثكم بحديث سمعته من أبي عن جدي عن رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي فان تسليمكم يبلغني أينما كنتم" رواه أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد المقدسي في مختاراته التي اختارها من الاحاديث الجياد الزائدة على الصحيحين، وقال سعيد بن منصور في السنن: حدثنا حبان بن علي حدثني محمد بن عجلان عن أبي سعيد مولى المهري قال: قال رسول الله ﷺ
[ ١٧٦ ]
"لا تتخذوا بيتي عيدًا ولا بيوتكم قبورًا وصلوا علي حيث ما كنتم فان صلاتكم تبلغني" وقال سعيد: حدثنا عبد العزيز بن محمد أخبرني سهيل بن أبي سهيل قال: رآني الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب عند القبر فناداني وهو في بيت فاطمة يتعشى فقال: هلم إلى العشاء فقلت: لا أريده فقال: ما لي رأيتك عند القبر فقلت سلمت على النبي ﷺ فقال: اذا دخلت المسجد فسلم ثم قال: ان رسول الله ﷺ قال: "لا تتخذوا قبري عيدًا ولا تتخذوا بيوتكم مقابر لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني حيث كنتم ما أنتم ومن بالاندلس الا سواء " فهذان المسلان من هذين الوجهين المختلفين يدلان على ثبوت الحديث لا سيما، وقد احتج به من أرسله وذلك يقتضي ثبوته عنده هذا لو لم يكن روى مسندا من وجوه غير هذا فكيف وقد تقدم مسندا.
ووجه الدلالة منه ان قبر رسول الله ﷺ أفضل قبر على وجه الارض وقد نهى عن اتخاذه عيدًا فقبر غيره أولى بالنهى كائنًا من كان ثم أنه قرن ذلك بقوله: "ولا تتخذوا من بيوتكم قبورًا" أي لا تعطلوها من الصلاة فيها، والدعاء والقرآن فتكون بمنزلة القبور، فأمر بتحري النافلة في البيوت، ونهى عن تحري العبادة عند القبور، وهذا ضد ما عليه المشركون، ثم انه عقب النهى عن اتخاذه عيدًا بقوله: "وصلوا علي فان صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم" يشير بذلك إلى ما ينالني منكم من الصلاة والسلام يحصل مع قربكم من قبري وبعدكم فلا حاجة إلى اتخاذه عيدًا.
وقد حرف هذه الاحاديث بعض من أخذ شبها من النصارى بالشرك وشبها من اليهود بالتحريف فقال هذا أمر بملازمة قبره، والعكوف عنده واعتياد قصده، وانتيابه ونهى أن يجعل كالعيد الذي انما يكون من الحول إلى الحول، بل أقصدوه كل ساعة وكل وقت، وهذا مراغمة ومحادة ومناقضة لما قصده الرسول ﷺ وقلب للحقائق، ونسبة الرسول ﷺ إلى التدليس، والتلبيس والتناقض. فقاتل الله أهل الباطل أنى يؤفكون، ولا ريب أن ارتكاب كل كبيرة بعد الشرك أسهل اثمًا وأخف عقوبة من تعاطي مثل ذلك في دنيه وسنته، وهكذا غيرت أديان الرسل ولولا أن الله أقام لدنيه أنصارًا وأعوانًا يذبون عنه لجرى عليه ما جرى على الاديان قبله.
ولو أراد رسول الله ﷺ ما قاله هؤلاء الضلال لم ينه عن اتخاذ قبور الانبياء مساجد أو يلعن فاعل ذلك، فانه إذا لعن من اتخذها مساجد يعبد الله فيها فكيف يأمر بملازمتها، والعكوف عندها، وأن يعتاد قصدها وانتيابها، ولا تجعل كالعيد الذي يجيء من الحول إلى الحول، وكيف يسأل ربه ألا يجعل قبره وثنًا يعبد وكيف يقول أعلم الخلق بذلك؟ ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن خشى أن يتخذ مسجدا وكيف يقول: "لا تجعلوا قبري عيدًا وصلوا علي حيثما كنتم" وكيف لم يفهم أصحابه وأهل بيته من ذلك مافهمه هؤلاء الضلال الذين جمعوا بين الشرك والتحريف.
وهذا أفضل التابعين من أهل بيته على بن الحسين ﵁ نهي ذلك
[ ١٧٧ ]
الرجل ان يتحرى الدعاء عند قبره ﷺ واستدل عليه بالحديث وهو الذي رواه وسمعه من أبيه الحسين عن جده علي وهو أعلم بمعناه من هؤلاء الضلال، وكذلك عن الحسن بن الحسن شيخ أهل بيته كره أن يقصد الرجل القبر اذا لم يكن يريد المسجد، ورأى ان ذلك من اتخاذه عيدًا، فانظر إلى هذه السنة كيف مخرجها من أهل المدنية، وأهل البيت الذين لهم من رسول الله ﷺ قرب نسبى وقرب الدار لأنهم إلى ذلك أحوج من غيرهم وكانوا له أضبط، والعيد اذا جعل اسما للمكان فهو المكان الذي يقصد الاجتماع فيه، وانتيابه للعبادة عنده أو لغير العبادة كما ان المسجد الحرام ومزدلفة، وعرفة جعلها الله عيدًا مثابة للناس يجتمعون فيها وينتابونها للدعاء والذكر والنسك، وكان المشركون لهم أمكنة ينتابونها للاجماع عندها فلما جاء الاسلام محا الله ذلك كله.
[ ١٧٨ ]