(فصل)
وأما قول القائل: وأما التوسل فقد أخرج الحاكم في مستدركه وصححه أن آدم توسل بالنبي ﷺ وورد اللهم بحق نبيك والأنبياء قبلي ولا أدري من خرجه، فأم التوسل بالنبي ﷺ خاصة فقد رأيت لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب قدس الله سره، ونور رمسه نقلًا في جواز ذلك عن ابن عبد السلام، فبقي الكلام في النداء وفي غيره من الأنبياء، وفي معاني الأحاديث الأخرى وما حكمها، وما الحجة المقابلة لما يقولون المخصص لما يعممون، وأم التوسل بغير الأنبياء فيوردون أن عمر توسل بالعباس في الاستسقاء فسقوا وطفق الخ لا أدري من قالها فما تقولون في معناها، وقد رأيت لبعض المحققين أن التوسل بالأولياء غير التوسل إليهم فالأول: جائز والثاني: شرك: وفي عدة الحصن الحصين للحرزي والتوسل إلى الله بأنبيائه ورسله والصالحين إلى آخره.
فالجواب أن يقال العبادات مبناها على الأمر والإتباع لا على الهوى: والابتداع، والتوسل الذي جاءت به السنة، وتواتر في الأحاديث هو التوسل، والتوجه إى الله بالأسماء والصفات، وبالأعمال الصالحة كالأدعية الواردة في السنة كقوله: "اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت المنان بديع السموات والأرض يا ذا الجلال والإكرام يا حي يا قيوم" وفي الحديث الآخر: "اللهم إني أسألك بأني أشهد أن لا إله إلا الله أنت الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد" وكقوله في الحديث الآخر: "أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك أو أنزلته في كتابك أو علمته أحدًا من خلقك أو استأثرت به في علم الغيب عندك" وكما حكى الله سبحانه عن عباده
[ ١٥٨ ]
المؤمنين انهم توسلوا إليه بصالح أعمالكم فقال حاكيًا عنهم: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ وكما ثبت في الصحيحين من قصة الثلاثة الذين أووا إلى الغار فانطبقت عليهم الصخرة، فتوسلوا إلى الله بصالح أعمالهم، وكالتوسل بدعاء الأنبياء والصالحين، وشفاعتهم في حياتهم، كما ذكرنا من توسل الصحابة بالنبي ﷺ في الاستسقاء، وتوسلهم بالعباس وبيزيد بن الاسود، وتوسل الأعمى بدعاء النبي ﷺ وشفاعته له: فهذا مما لا نزاع فيه، بل هو من الأمور المشروعة وهو من الوسيلة التي أمر الله بها في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ .
وأما التوسل بالذات: فيقال: ما الدليل على جواز سؤال الله بذوات المخلوقين ومن قال هذا من الصحابة والتابعين، فالذي فعله الصحابة ﵃ هو التوسل إلى الله بالأسماء والصفات، والتوحيد، والتوسل بما أمر الله به من الإيمان بالرسول ومحبته وطاعته ونحو ذلك، وكذلك توسلوا بدعاء النبي ﷺ وشفاعته في حياته وتوسلوا بدعاء العباس وبيزيد.
وأما التوسل بالذات بعد الممات فلا دليل عليه ولا قاله أحد من السلف: بل المنقول عنهم يناقض ذلك، وقد نص غير واحد من العلماء على أن هذا لا يجوز ونقل عن بعضهم جوازه وهذه المسألة وغيرها من المسائل إذا وقع فيها النزاع بين العلماء فالواجب رد ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ ومعلوم ان هذا لم يكن منقولًا عن النبي ﷺ ولا مشهورًا بين السلف، وأكثر النهي عنه لا ريب أن الأنبياء والصالحين لهم الجاه عند الله لكن الذين لهم عند الله من الجاه والمنازل والدرجات أمر يعود نفعه إليهم، ونحن ننقفع من ذلك باتباعنا لهم ومحبتنا فاذا توسلنا إلى الله بايماننا بنبيه ﷺ ومحبته وطاعته واتباع سنته كان هذا من أعظم الوسائل.
وأما التوسل بنفس ذاته مع عدم التوسل بالإيمان به وطاعته، فلا يكون وسيلة فالمتوسل بالمخلوق إذا لم يتوسل بما مر من التوسل به من الدعاء للمتوسل وبمحبته واتباعه فبأي شيء يتوسل به الإنسان إذا توسل إلى غيره بوسيلة، فأما أن يطلب من الوسيلة الشفاعة له عند ذلك مثل أن يقول لأبي الرجل أو صديقه أومن يكرم عليه: اشفع لنا عند فلان وهذا جائز وأما أن يقسم عليه فلا يجوز الاقسام بمخلوق كما أنه لا يجوز أن يقسم على الله بالمخلوقين، فالتوسل إلى الله بذات خلقه بدعة مكروهة لم يفعلها السلف من الصحابة ولا التابعين لهم باحسان.
قال ابن القيم رحمه الله تعالى: في كتاب اغاثة اللهفان في مكائد الشيطان، وهذه الأمور المبتدعة عند القبور أنواع أبعدها عن الشرع أن يسأل الميت حاجته كما يفعله كثير من هؤلاء من جنس عباد الأصنام، ولهذا قد يتمثل لهم الشيطان في صورة الميت كما يتمثل لعباد الأصنام، وكذلك السجود للقبر وتقبيله والتمسح به.
[ ١٥٩ ]
النوع الثاني: أن يسأل الله به وهذا يفعله كثير من المتأخرين وهو بدعة إجماعا.
النوع الثالث: أن يظن أن الدعاء عنده مستجاب أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد فيقصد القبر لذلك فهذا أيضًا من المنكرات إجماعًا، وما علمت فيه نزاعًا بين أئمة الدين، وان كان كثير من المتأخرين يفعله، وبالجملة فأهل الأرض مفتونون بعبادة الأصنام، ولم يتخلص منه إلا الحنفاء اتباع ملة ابراهيم وعبادتها في الأرض من قبل نوح وهياكلها، ووقوفها وسدنتها وحجابها، والكتب المصنفة في عبادتها طبق الأرض، قال إمام الحنفاء ﵊: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ * رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾
وكفى في معرفة انهم أكثر أهل الأرض ما صح عن النبي ﷺ "ان بعث النار من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون وقد قال تعالى: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ وقال: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ولو لم تكن الفتنة بعبادة الأصنام عظيمة لما أقدم عبادهم على بذل نفوسهم، وأموالهم وأبنائهم دونها، وهم يشاهدون مصارع اخوانهم، وما حل بهم ولا يزيدهم ذلك إلا حبالهم وتعظيمًا، ويوصي بعضهم بعضًا بالصبر عليها انتهى كلامه رحمة الله عليه، والمقصود: أنه حكى الإجماع على أن التوسل إلى الله بصاحب القبر بدعة إجماعًا.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في رده على ابن البكري وما زلت أبحث وأكشف ما أمكنني من كلام السلف، والأئمة والعلماء، هل جوز أحد منهم التوسل بالصالحين في الدعاء أو فعل ذلك أحد منهم فما صلى الله عليه وسلمم وقعت على فتيا للفقيه أبي محمد ابن عبد السلام أفتى بأنه لا يجوز التوسل بغير النبي ﷺ، وأما بالنبي ﷺ فجوز التوسل به أنه صح الحديث في ذلك، وذكر القدروي في شرح الكرخي عن أبي حنيفة وأبي يوسف أنه لا يجوز أن يسأل الله إلا بنبينا انتهى كلامه.
وذكر ابن القيم رحمه الله تعالى عن أبي الحسين القدوري نحو ذلك فقال رحمه الله تعالى: قال القدروي قال بشر بن الوليد: سمعت أبا يوسف قال: قال أبو حنيفة: لا ينبغي لأحد أن يدعو الله إلا به وأكره أن يقول بمعقد العز من عرشك، أو يقول بحق خلقك وقال أبو يوسف: بمعقد العز من عرشك هو الله فلا أكره ذلك وأكره بحق فلان أو بحق أنبيائك ورسلك وبحق البيت والمشعر الحرام قال القدروي المسألة بخلقه لا تجوز لأنه لا حق لمخلوق على الخالق فلا تجوز يعني وفاقًا، وقال البلدجي في شرح المختارة، ويكره أن يدعو الله إلا به فلا يقول: أسألك بفلان أو بملائكتك، أو أنبيائك أو نحو ذلك، لأنه لا حق لمخلوق على الخالق انتهى.
وقال أبو العباس تقي الدين أحمد بن تيمية قدس الله نفسه ونور رمسه: في كتاب اقتضاء الصراط المستقيم لفظ التوسل بالشخص والتوجه به، والتوسل به، فيه اجمال واشتراك غلط يسببه من لم يفهم مقصود الصحابة يراد به التسبب به لكونه داعيًا وشافعًا مثلًا، أو يكون الداعي مجيبًا له مطيعًا لأمره مقتديا به فيكون التسبب
[ ١٦٠ ]
أما بمحبته السائل واتباعه له، وأما بدعاء الوسيلة وشفاعته، ويراد به الاقسام والتوسل بذاته فهذا هو الذي كرهوه ونهو عنه، وكذلك لفظ السؤال بشيء قد يراد به المعنى الأول وهو التسبب به لكونه سببًا في حصول المطلوب، وقد يراد به الاقسام.
ومن الأول حديث الثلاثة الذين أووا إلى غار وهو حديث مشهور في الصحيحين وغيرهما فإن الصخرة انطبقت عليهم فقالوا: ليدعو كل رجل منكم بأفضل عمله فدعوا الله بصالح أعمالهم، لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله، ويتوجه به إليه ويسأل به، وهؤلاء دعوه بعبادته، وفعل ما أمروا به من العمل الصالح وسؤاله التضرع.
ومن هذا ما يذكر عن فضيل بن عياض أنه أصابه عسر البول فقال: بحبي إياك إلا فرجت عني ففرج عنه، وكذلك دعاء المرأة المهاجرة التي أحيا الله ابنها قالت: اللهم إني آمنت بك وبرسولك وهاجرت في سبيلك وسألت الله أن يحيي ولدها وأمثال ذلك، وهذا كما قال المؤمنون: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الآيات فسؤال الله والتوسل إليه، بامتثال أوامره واجتناب نواهيه.)
وأما قوله في حديث أبي سعيد: "أسألك بحق السائلين عليك وبحق ممشاي هذا" فهذا الحديث رواه عطية العوفي وفيه ضعف، لكن بتقدير ثبوته هو من هذا الباب فإن حق السائلين عليه أن يجيبهم، وحق المطيعين له أن يثبتهم، فالسؤال له والطاعة سبب لحصول إجابته، وإثباته فهو التوسل به والتوجه به والتسبب به، ولو قدر أنه قسم لكان قسمًا بما هو من صفاته فإن إجابته وإثابته من أفعاله وأقواله فصار هذا كقوله في الحديث الصحيح: "أعوذ برضاك من سخطك وبمعافاتك من عقوبتك وأعوذ بك منك لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" والاستعاذة لا تصح بمخلوق كما نص عليه الإمام أحمد وغيره من الأئمة. فاستعاذ ﷺ بعفوه، ومعافاته من عقوبته مع أنه لا يستعاذ بمخلوق كسؤال الله بإجابته وإثابته، وإن كان يسأل بمخلوق ومن قال من العلماء لا يسأل إلا به لا ينافي السؤال بصفاته كما أن الحلف لا يشرع إلا بالله. ومن حلف بغير الله فقد أشرك ومع هذا فالحلف بعزة الله ولعمر اله ونحو ذلك مما قد ثبت عن النبي ﷺ الحلف به لم يدخل في الحلف بغير الله.
وأما قول بعض الناس: أسألك بالله وبالرحم وقراءة من قرأ: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ ..
فهو من باب التسبب بها، فإن الرحم توجب الصلة، وتقتضي أن يصل الإنسان قرابته فسؤال السائل بالرحم لغيره يتوسل إليه بما يوجب صلته من القرابة التي بينهما، ليس هو من باب الاقسام، ولا من باب التوسل بما لا يقتضي المطلوب، بل هو توسل بما يقتضي المطلوب كالتوسل بدعاء الأنبياء وبطاعتهم.
[ ١٦١ ]
ومن هذا الباب ما يروى أن عبد الله بن جعفر قال: كنت إذا سألت عليًا شيئًا فلم بعطنيه قلت له: بحق جعفر إلا ما أعطيتنيه أو كما قال، فإن بعض الناس ظن أن هذا من باب الاقسام عليه بجعفر أو من قولهم: أسألك بحق أنبيائك ونحو ذلك، وليس كذلك، بل جعفر هو أخو علي، وعبد الله ابنه وله عليه حق الصلة فصلة عبد الله صلة لأبيه جعفر، كما في الحديث "إن من أبر البر أن يصل الرجل ود أبيه بعد أن يولي" ولو كان هذا من هذا الباب الذي ظنوه لكان سؤاله لعلي بحق النبي ﷺ وإبراهيم ونحوهما أولى من سؤاله بحق جعفر، ولكان علي إلى تعظيم رسول الله ﷺ ومحبته وجابته السائل أسرع منه إلى إجابة السائل بغيره انتهى ملخصًا.
وأما قول القائل: فقد أخرج الحاكم في المستدرك وصححه أن آدم توسل بالنبي ﷺ.
فهو من رواية عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال أحمد بن حنبل: ضعيف وقال ابن معين: ليس حديثه بشيء وضعفه ابن المديني جدًا، وقال أبو داود: أولا د زيد بن أسلم كلهم ضعيف وقال النسائي: ضعيف، وقال ابن عبد الحكم: سمعت الشافعي يقول: ذكر رجل لمالك حديثًا فقال: من حدثك فذكر إسنادًا له منقطعًا فقال: اذهب إلى عبد الرحمن بن زيد يحدثك عن أبيه عن نوح ﵇، وقال أبو زرعة ضعيف، وقال أبو حاتم ليس بقوي في الحديث كان في نفسه صالحًا، وفي الحديث واهيًا، وقال ابن حبان: كتن يقلب الأخبار وهو لا يعلم حتى كثر ذلك في روايته من رفع المراسيل، وإسناد المتروك فاستحق الترك، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث ضعيفًا جدًا، وقال ابن خزيمة: ليس هو ممن يحتج أهل العلم بحديثه. وقال الحاكم وأبو نعيم: روى عن أبيه أحاديث موضوعة، وقال ابن الجوزي: أجمعوا على ضعفه فهذا الحديث الذي استدل به تفرد به عبد الرحمن بن زيد وهو كما تسمع.
وقال الشيخ تقي الدين ابن تيمية قدس اله روحه ونور ضريحه: في رده على ابن البكري وأما قول القائل: قد توسل به الأنبياء آدم وإدريس ونوح وأيوب كما هو مذكور في كتب التفسير وغيرها فيقال: مثل هذه القصص لا يجوز الاحتجاج بها بإجماع المسلمين
فإن الناس لهم في شرع من قبلنا قولان: أحدهما: أنه ليس بحجة، الثاني أنه حجة ما لم يأت شرعنا بخلافه بشرط أن يثبت ذلك بنقل معلوم كأخبار النبي ﷺ، فأما الاعتماد على نقل أهل الكتاب، أو نقل من نقل عنهم فهذا لا يجوز باتفاق المسلمين، لأن في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا حدثكم أهل الكتاب فلا تصدقوهم ولا تكذبوهم".
وهذه القصص التي فيها ذكر توسل الأنبياء بذاته ليست في شيء من كتب الحديث المعتمدة، ولا لها إسناد معروف عن أحد من الصحابة، وإنما تذكر مرسلة كما تذكر الاسرائيليات التي تروى عمن لا يعرف، وقد بسطنا الكلام في غير هذا الموضع على ما نقل في ذلك عن النبي ﷺ، وتكلمنا عليه وبينا بطلانه، ولو نقل
[ ١٦٢ ]
ذلك عن كعب ووهب ومالك بن دينار ونحوه ممن ينقل عن أهل الكتاب لم يجز أن يحتج به، لأن الواحد من هؤلاء، وإن كان ثقة فغاية ما عنده أن ينقل من كتاب من كتب أهل الكتاب، أو يسمعه من بعضهم فإنه بينه وبين الأنبياء دهر طويل، والمرسل عن المجهول من أهل الكتاب الذي لا يعرف علمه وصدقه لا يقبل باتفاق المسلمين، ومراسيل أهل زماننا عن نبينا ﷺ لا تقبل عند العلماء مع كون ديننا محفوظًا محروسًا فكيف بما يرسل عن آدم وإدريس ونوح وأيوب عليهم ﷺ والقرآن قد أخبرنا بأدعية الأنبياء وتوباتهم واستغفارهم وليس فيها شيء من هذا، وقد نقل أبو نعيم في الحلية أن داود ﵇ قال: يا رب أسألك بحق آبائي عليك إبراهيم وإسحاق ويعقوب فقال: يا داود وأي حق لآبائك علي، فإن كانت الاسرائيليات حجة فهذا يدل على أنه لا يسأل بحق الأنبياء وإن لم تكن حجة لم يجز الاحتجاج بتلك الاسرائيليات انتهى كلامه، فبين رحمه الله تعالى أنه لم يصح في ذلك شيء عن النبي ﷺ وأن جميع ما روي في ذلك باطل لا أصل له.
وأما قوله: وأما التوسل بالنبي ﷺ خاصة فقد رأيت لشيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب نقلًا في جواز ذلك عن ابن عبد السلام.
فنقول قد تقدم أن التوسل المشروع هو التوسل إلى الله بالأسماء والصفات، والتوحيد، وكذلك التوسل بمحبة النبي ﷺ، والإيمان به وطاعته، وكذلك التوسل بدعائه وشفاعته وكل هذا مشروع بلا ريب، وأما التوسل بنفس الذات فقد قدمنا أن كثيرًا من العلماء نهوا عن ذلك وجعلوه من البدع المكروهة المحدثة، وبعضهم رخص في ذلك وهو قول: ضعيف مرود، وعز الدين بن عبد السلام أنكر التوسل إلى الله بغير النبي ﷺ وأم التوسل بالنبي ﷺ فعلق القول بجوازه على صحة حديث الأعمى لأنه فهم من الحديث أن الأعمى توسل بذات النبي ﷺ.
وأم الجمهور فقد حملوا حديث الأعمى على انه توسل بدعاء النبي ﷺ كما كان الصحابة يتوسلون به في الاستسقاء كما في حديث أنس الذي رواه البخاري في صحيحه وقد تقدم وشيخنا ﵀ نقل كلام العز بن عبد السلام، ليبين أن مسألة التوسل بغير النبي ﷺ بدعة مكروهة، وأما التوسل بالنبي ﷺ فأجاوزه بعض العلماء كالعز بن عبد السلام، والسائل فهم من نقل الشيخ أنه اختاره، وليس الأمر كذلك، بل الذي اختاره رحمه الله تعالى هو الذي ذهب إليه الجمهور أن ذلك بدعة محدثة لم يفعلها الصحابة، ولا التابعون، فإنه لم بنقل عن أحدهم أنه توسل بالنبي ﷺ بعد موته كما قدمناه.
وأما قوله: وأما التوسل بغير الأنبياء فيوردون أن عمر توسل بالعباس في الاستسقاء.
وقد نقلنا بيانه بما فيه الكفاية وبينا أن التوسل بدعاء الصالحين في الاستسقاء وغيره مشروع كما فعله الصحابة لما توسلوا بالعباس ويزيد بن الأسود، وليس كلامنا
[ ١٦٣ ]
في هذا وإنما الكلام في التوسل بنفس الذات وأما قولهم: في حديث العباس فطفق الناس يتمسحون به فلم نقف لها على أصل ولا رأيناها في شيء من الكتب وعلى تقدير ثبوتها فليس فيها حجة على التوسل بالأموات.
[ ١٦٤ ]