بسم الله الرحمن الرحيم
من عبد الرحمن بن حسن إلى الأخ فايز بن علي وإخوانه من طلبة العلم -سلمهم الله تعالى-.
سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد:
وصل خطك -وصلك الله بما يرضيه-، والذي أوصيكم به جميعا ونفسي بتقوى الله تعالى، والإخلاص لوجهه الكريم في طلب العلم وغيره لتفوز بالأجر العظيم. وليحذر كل عاقل أن يطلب العلم للمباراة والمباهاة، فإن في ذلك خطرا عظيما، ومثل ذلك طلب العلم لغرض الدنيا أو لجاهها، والترؤس بين أهلها، وطلب المحمدة، وذلك هو الخسران المبين.
ولو لم يكن في الزجر عن ذلك إلا قول الله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لا يُبْخَسُونَ أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ
[ ٤٠٥ ]
إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ ١.
وفي حديث أنس مرفوعا:"من تعلم العلم ليباهي به العلماء، أو ليماري به السفهاء، أو ليصرف به وجوه الناس إليه، فهو في النار" ٢ وهذا القول كاف في النصيحة. وفقنا الله وإياكم لحسن القبول.
وقد بلغني أنكم اختلفتم في مسائل أدى إلى النّزاع والجدال، وليس هذا شأن طلاب الآخرة، فاتقوا الله، وتأدبوا بآداب العلم، واطلبوا الثواب من الله في تعلمه وتعليمه، وأتبعوا العلم العمل، فإنه ثمرته في حصوله، كما في الأثر:"من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم"، وكونوا متعاونين على البر والتقوى.
ومن علامة إخلاص طالب العلم أن يكون صموتا عما لا يعنيه، متذللا لربه، متواضعا لعباده، متورعا متأدبا، لا يبالي ظهر الحق على لسانه أو لسان غيره، ولا ينتصر لنفسه ولا يفتخر، ولا يحقد ولا يحسد، ولا يميل به الهوى، ولا يركن إلى زينة الدنيا.
[طواف القدوم والسعي من الحائض]
وأما المسألة الأولى وهي: هل يصح من الحائض إذا قدمت مكة أن تسعى قبل الطواف أم لا؟
الجواب: لا يصح السعي إلا بعد طواف صحيح لنسك من الأنساك، أما المفرد والقارن، فسعيهما بعد طواف القدوم مجزئ لحجتهما كما يجزئ للقارن لعمرته، وأما المتمتع فيسعى بعد طواف العمرة لها، ولا يجزئه للحج إلا أن يسعى بعد طواف الإفاضة.
قال بعضهم: يطوف للقدوم ويسعى بعده. والمختار أنه لا يطوف للقدوم، وليس إلا طواف الزيارة، وعليه أن يسعى بعده للحج، فإن سعى قبله لم يجزه.
قالوا: ويجب أن يكون السعي بعد، طواف واجب أو مستحب. هذا كلام الحنابلة، لا اختلاف بينهم في ذلك. وقال الشافعية: لو سعى ثم تيقن أنه ترك شيئا من الطواف لم يصح سعيه، فيلزمه أن يأتي ببقية الطواف. فإذا أتى ببقيته أعاد
_________________
(١) ١ سورة هود آية: ١٥. ٢ الترمذي: العلم ٢٦٥٤.
[ ٤٠٦ ]
السعي، نص عليه الشافعي، وبنحوه قال مالك وأبو حنيفة.
ومما يستدل لذلك حديث عائشة وفيه:"فلما كنا في بعض الطريق حضت، فدخل عليّ رسول الله ﷺ وأنا أبكي فقال: ما يبكيك؟ قلت: وددت أني لم أكن خرجت العام، فقال: ارفضي عمرتك، وانقضي رأسك وامتشطي، وأهلي بالحج" ١. ومعنى ارفضي العمرة رفض أعمالها، فلو صح سعي قبل الطواف لما منع منه حيضها كما لا يمنع من سائر المناسك. والله أعلم.
[إعادة المتيمم الصلاة عند وجود الماء]
وأما السؤال الثاني: عن قوله ﷺ في شأن الرجل الذي صلى بالتيمم، فلم يعد لما وجد الماء:"أصبت السنة وأجزأتك صلاتك" ٢، وقال للذي أعاد:"لك أجرك مرتين". فلا شك أن الذي لم يعد أصاب الحكم الشرعي بدليل قوله ﷺ:"أصبت السنة، وأجزأتك صلاتك" ٣. وأما الذي أعاد فهو مجتهد فيما فعل، فأثيب على الصلاة الأولى والثانية؛ لكونه صلى الثانية مجتهدا، فأثيب على اجتهاده للصلاة الثانية، كما أثيب على الصلاة الأولى.
ومن المعلوم أن الفريضة أفضل من التطوع من جنسه أو غير جنسه إلا في أربعة أشياء، ذكرها الجلال السيوطي ضمنها بيتين، والأخير لمحمد الخلوتي الحنبلي:
الفرض أفضل من تطوع عابد حتى ولو قد جاء منه بأكثر
إلا التوضؤ قبل وقت وابتدا ء بالسلام وإبراء للمعسر
وكذا ختان المرء قبل بلوغه تمم به نظم الإمام المكثر
[الجمع في الصلاة عند فقد الماء]
وأما السؤال الثالث: فيمن نوى جمع التأخير حيث يجوز الجمع، فدخل وقت الثانية قبل أن يصلوا إلى الماء، فالأفضل في حقهم أن يؤخروا الصلاة إلى أن يصلوا إلى الماء ما لم يدخل وقت الضرورة، فإن صلوا قبل وصولهم إليه أجزأتهم الصلاة بالتيمم، ولا إعادة عليهم.
وقول السائل: فهل يكون وقت الاختيار للثانية وقتا للأولى أم لا؟
الجواب: نعم يكون وقتا لها في حق من يجوز له الجمع إذا نواه، فتنبه! والله أعلم. وصلى الله على محمد وسلم.
_________________
(١) ١ البخاري: الحيض ٣١٧ والحج ١٥٥٦،١٧٨٣،١٧٨٦ والمغازي ٤٣٩٥، ومسلم: الحج ١٢١١، وأبو داود: المناسك ١٧٧٨، وابن ماجه: المناسك ٣٠٠٠، وأحمد ٦/١٦٣،٦/١٧٧، ومالك: الحج ٩٤٠. ٢ النسائي: الغسل والتيمم ٤٣٣، وأبو داود: الطهارة ٣٣٨، والدارمي: الطهارة ٧٤٤. ٣ النسائي: الغسل والتيمم ٤٣٣، وأبو داود: الطهارة ٣٣٨، والدارمي: الطهارة ٧٤٤.
[ ٤٠٧ ]