لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة، الآية (٣٠، ٣١)]، فتأمل قوله في اليهود والنصارى: ﴿سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ يظهر لك صدق اسم الشرك عليهم، فيتضح إدخالهم في عموم: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾.
ووجه الفرق بينهم بعطف بعضهم على بعض، هو أنهم جميعًا مشركون، والمغايرة التي سَوَّغَتْ عطف بعض المشركين على بعض، هي اختلافهم في نوع الشرك، فشرك المشركين غير أهل الكتاب كان شركًا في العبادة؛ لأنهم يعبدون الأوثان، وأهل الكتاب لا يعبدون الأوثان، فلا يشركون هذا النوع من الشرك، ولكنهم يشركون شرك (ربوبيةٍ) (^١)، كما أشار له تعالى بقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ﴾ الآية [التوبة، الآية (٣١)]، ومن اتخذ أربابًا مِن دون الله فهو مشرك به في ربوبيته، وادعاء أن عزيرًا ابنُ الله، والمسيحَ ابنُ الله مِنَ الشرك في الربوبية، ولما كان الشرك في الربوبية يستلزم الشرك في العبادة، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [التوبة، الآية (٣١)] (^٢)، وما ذكرتم من أن عطاء -﵀- جعل المسجد يشمل الحل (^٣)، وأن المسلمين درجوا على ذلك إلى الآن (^٤)، فهي مسألة: هل يجوز دخول الكفار لمسجد من مساجد المسلمين غير المسجد الحرام المنصوص على منع دخولهم له بعد عام تسع من الهجرة في قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ الآية [التوبة، الآية (٢٨)]، والعلماء مختلفون هل يجوز دخول الكفار مسجدًا غير المسجد الحرام أو لا، فذهب مالك وأصحابه (^٥) ومَنْ وافقهم (^٦) إلى أنه لا يجوز أن يدخل الكافر مسجدًا من مساجد المسلمين مطلقًا،
(واستدلوا) (^٧) لذلك بأدلة منها: آية التوبة (^٨)، وإن كانت خاصة بالمسجد الحرام، فَعِلَّةُ حكمها (تقتضي) (^٩) تعميمه في جميع المساجد، وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعمم معلولها تارة، وقد تخصصه تارة، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود، بقوله في الكلام على العلة (_) (^١٠):
وقد تُخَصِّصُ وقد تُعَمِّمُ لأصلها لكنها لا تَخْرِمُ (^١١)
وإذا علمت أن العلة تعمم معلولها الذي لفظه خاص، فاعلم أن مسلك العلة المعروف بـ مسلك الإيماء والتنبيه (^١٢)، دل على أن علة منع قربان المشركين المسجد الحرام بعد عام تسع أنهم نجس، وذلك واضح من ترتيب الحكم بالنهي عن (قربانها) (^١٣) بـ "الفاء"، على كونهم نجسًا في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ الآية، ثم رتب على ذلك بـ "الفاء" قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ﴾ الآية، ومعلوم أنَّ جميعَ المساجد تجب صيانتُها عن دخول النَّجسِ فيها، فكونهم نجسًا يقتضي تعميم الحكم في كل المساجد.
واستدل مالك ومَنْ وافقه أيضًا على منع دخول الكفار المساجد مطلقًا بآية البقرة على بعض التفسيرات التي فُسِّرَتْ بها، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ﴾ الآية [البقرة، الآية (١١٤)]، فقد فُسِّرَ قولُهُ تعالى: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا ﴾ أي: ليس لهم دخول المساجد إلا مُسَارَقَةً خائفين من المسلمين أن يَطَّلِعُوا عليهم فيخرجوهم منها وينكلوا بهم (^١٤).
وفي تفسير الآية أقوال غير هذا (^١٥)، وسواء قلنا: إن تخريب المساجد حسي، كما فعلت الرومُ وبُخْتَنَصَّر بالمسجد الأقصى (^١٦) المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾ [الإسراء، الآية (٧)]، أو قلنا: إن تخريب المساجد المذكور في الآية تخريب معنوي، وهو منع المسلمين من التعبد فيها، كما فعل المشركون بالنبي -ﷺ- وأصحابه عام الحديبية، كما قال تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ الآية [الفتح، الآية (٢٥)]،
_________________
(١) في (أ): (الربوبية)، بإثبات الألف واللام.
(٢) راجع: المغني (١٣/ ٢٤٥)، تفسير القرطبي (٨/ ٧٢)، المحلى (٤/ ٢٤٤)، أحكام أهل الذمة لابن القيم (١/ ٣٩٩)، العذب النمير (٥/ ٢١٣٠، ٢٢٣٨ - ٢٢٤٢)، السلسلة الصحيحة للعلامة الألباني -رحم الله الجميع- (٣/ ١٢٥).
(٣) هكذا بالأصل، وفي (أ): (الكل)، وهي مذكورة في نص سؤال الشيخ محمد الأمين بن محمد الخضر ﵀: "الحل"، ويوهم رسمها كذلك: "الكل". ولعل الشيخ -﵀- يريد (الحرم) بدليل أن الذي ورد عن عطاء حول هذا المعنى أخرجه عبد الرزاق (٩٩٨٠، ٩٩٨١، ١٩٣٥٦)، وابن جرير في تفسيره (١١/ ٣٩٨)، وابن أبي حاتم (٦/ ١٧٧٦)، والنحاس في ناسخه (ص ٤٩٧)، من طريق ابن جريج، وفيه أنه قال: "الحرم كله قبلة ومسجد، قال: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ لم يعن المسجد وحده، إنما عنى مكة الحرم"، وقال عطاء في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ "الحرم كله" كما في المصنف لعبد الرزاق (٥/ ١٥١)، وبنحو هذا جاء عن عمرو بن دينار؛ أخرجه عبد الرزاق (٦/ ٥٢)، والنحاس في ناسخه (ص ٤٩٧)، وورد أيضًا عن ابن عباس، ومجاهد وغيرهما، راجع: أخبار مكة للأزرقي (٢/ ١٠٦، ١٣٨، ١٣٩)، والفاكهي (٣/ ٣٦٥)، والدر المنثور (٤/ ٦٣١) -رحم الله الجميع-.
(٤) ادعى ابن حزم في المحلى (٧/ ١٤٨) الإجماع على أن المراد بالمسجد الحرام في قوله تعالى ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ الحرم كله، وسيأتي بيانه.
(٥) راجع: الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي (١/ ١٣٩)، جواهر الإكليل (١/ ٢٣، ٢٦٧)، مواهب الجليل (٣/ ٢٨١)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٣ - ١٠٧).
(٦) وهو مروي عن الإمام أحمد -﵀-، راجع المغني (٨/ ٥٣٢)، الآداب الشرعية لابن مفلح (٣/ ٤٠٦، ٤٠٧)، الإنصاف (٤/ ٣٣٩)، إعلام الساجد للزركشي (٣١٨ - ٣٢٠)، تفسير القرطبي (٢/ ٧٨).
(٧) في (أ): (واستدل)، بحذف ولو الجماعة.
(٨) يريد -﵀- قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ الآية [التوبة: ٢٨].
(٩) في (أ): (يقتضي)، بالياء.
(١٠) زاد في (أ): (بقوله).
(١١) معنى البيت: أي أن العلة يجوز أن تخصص أصلها الذي استنبطت منه، وتعممه على الظاهر من مذهب مالك، انظر: نثر الورود (ص ٤٧٣).
(١٢) الإيماء هو: اقتران الوصفِ (أو نظيرِه) بالحكم (أو نظيره على وجه)، انظر: نثر الورود (ص ٤٨٠).
(١٣) في (أ): (قربان المسجد).
(١٤) هذا التفسير مروي بنحو هذا اللفظ عن قتادة -﵀-، أنه قال: هم النصارى، فلا يدخلون إلا مسارقة، إن قدر عليهم عوقبوا، أخرجه عبد الرزاق (١/ ٥٦)، وابن أبي حاتم (١/ ٢١١)، والطبري (٢/ ٤٤٦، ٤٤٧)، وإسناده صحيح.
(١٥) في (أ): (هذه)، ولمعرفة الأقوال الأخرى راجع: تفسير الطبري (٢/ ٤٤٢ - ٤٤٧)، وأضواء البيان (١/ ٧٢، ٧٣).
(١٦) راجع: تفسير الطبري (٢/ ٤٤٦، ٤٤٧).
[ ٨ ]
وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ ﴾ الآية [الحج، الآية (٢٥)]، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا ﴾ الآية [المائدة، الآية (٢)]، وقال تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ ﴾ الآية [البقرة، الآية (٢١٧)]، ومن الآيات التي تشير إلى أن عمارة المساجد هي طاعة الله فيها، قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ ﴾ الآية [التوبة، الآية (١٨)].
وأما من قال من أهل العلم بجواز دخول الكفار جميع مساجد المسلمين غير المسجد الحرام (^١)، فقد احتجوا بأن الله إنما نهى عن ذلك في خصوص المسجد الحرام، في قوله: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا ﴾ الآية، وقالوا: ويفهم من تخصيص المسجد الحرام بالذِّكْرِ أنَّ غيرَهُ مِنَ المساجد ليس كذلك، واحتجوا لذلك بأن النبي -ﷺ- ربط ثُمَامة بن أَثَال سيد أهل اليمامة لما جيئ به أسيرًا في سارية من سواري المسجد وهو مشرك قبل إسلامه (^٢)، قالوا: وقد أنزل -ﷺ- وفد (_) (^٣) نجران بالمسجد في المدينة وهم نصارى (^٤)، (وقدوم وفد نجران متأخر) (^٥)؛ لأنهم أعطوا الجزية لَمَّا خافوا من المباهلة، والجزية إنما أنزلت في سورة براءة (^٦)، ونزولها كان في رجوعه -ﷺ- من غزوة تبوك، وغزوة تبوك (_) (^٧) سنة تسع بلا خلاف (^٨).
ومن قال من أهل العلم بأنه لا يجوز دخول الكافر مسجدًا من مساجد المسلمين إلا بأمان من مسلم (^٩)، فقد احتج لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ ﴾، قالوا: قوله: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ يدل على أن مَنْ دخلها بأمانِ مسلمٍ فقد دخلها خائفًا، بحيث لا يتمكن من دخولها إلا بأمان مسلم لخوفه لو دخلها بغير أمان (^١٠)، وأما مَنْ قال من أهل العلم: إن قوله تعالى: ﴿فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ﴾ الآية، يشمل الحرم كله، ولا يختص بالمسجد الحرام المنصوص عليه في الآية (^١١)، فَحُجَّتُهُ هي ما علم من إطلاق المسجد الحرام وإرادة الحرم كله، كقوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ الآية [التوبة، الآية (٧)]، ومعلوم أن المعاهدة كانت في غير المسجد الحرام، بل كانت في طرف الحديبية (^١٢) الذي هو داخل في الحرم، كما قال غيرُ واحد (^١٣).
وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ﴾ الآية [الإسراء، الآية (١)]، وكان الإسراء به من بيت أم هانئ (^١٤)، لا من نفس المسجد الحرام على القول بذلك (^١٥).
وكقوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ ﴾ الآية [المائدة، الآية (٩٥)]، والهدي ينحر في الحرم كله (^١٦)، وأكبر منحر مِنْهُ مِنَى.
وقوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ ﴾ الآية [البقرة، الآية (٢١٧)]، وهم مُخْرَجُوْنَ مِن مكةَ لا مِن نفسِ المسجدِ، ونحو ذلك من الآيات، والعلم عند الله تعالى.
_________________
(١) وهو قول الظاهرية، قال ابن حزم: "ودخول المشركين في جميع المساجد جائز، حاشا حرم مكة كله، المسجد وغيره، فلا يحل البتة أن يدخله كافر"، المحلى (٤/ ٢٤٣)، وهو مذهب عبد الرزاق الصنعاني (المصنف ١/ ٤١٤ باب المشرك يدخل المسجد)، والبخاري (الصحيح - كتاب الصلاة- باب دخول المشرك المسجد)، والبيهقي (السنن الكبرى ٢/ ٤٤٤ باب المشرك يدخل المسجد غير المسجد الحرام) كما يفهم من تبويبهم، أما الأحناف فإنهم لا يفرقون بين المسجد الحرام وغيره، وفي رواية عندهم: منعُ عَبَدِ الأوثان من دخول المسجد الحرام دون بقية المساجد، بخلاف الذمي فإنه لا يمنع، وهو المنقول عن الإمام أبي حنيفة، راجع رد المحتار (٦/ ٣٣٧)، شرح السير الكبير (١/ ٣٦٦)، أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٧٩)، بدائع الصنائع (٦/ ٥٧)، البحر الرائق (٥/ ١٩٤)، الأشباه والنظائر لابن نجيم (ص ٣٦٩)، لباب المناسك وعباب المسالك (ص ٢٩٠)، المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (٨/ ١٥٦).
(٢) الحديث أخرجه البخاري، وأطرافه (٤٦٢، ٤٦٩، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣، ٤٣٧٢)، ومسلم (١٧٦٤).
(٣) زاد في (أ): (نصارى).
(٤) أخرجه ابن إسحاق كما في السيرة لابن هشام (١/ ٥٧٤)، ومن طريقه: ابن جرير في تفسيره (٦/ ١٥٢) قال: حدثني محمد بن جعفر بن الزبير قال: "لما قدموا-أي وفد نجران- على رسول الله -ﷺ- المدينة، فدخلوا عليه مسجده حين صلى العصر " الحديث، قال الشيخ الألباني في تعليقه على فقه السيرة (ص ٤٥٩): "وهذا مرسل أو معضل"، والحديث ليس فيه أن النبي -ﷺ- أنزلهم المسجد، ولكن أنزل النبي -ﷺ- وفدَ ثقيف في المسجد، والحديث أخرجه أحمد في مسنده (١٧٩١٣)، وأبو داود في سننه (٣٠٢٦)، من طريق حماد بن سلمة، عن حميد، عن الحسن، عن عثمان بن أبي العاص، ورجاله ثقات، لكن الحسن البصري مع جلالته -﵀- مدلس، وقد عنعن، وقد تكلم في سماعه من عثمان، وأخرجه عبد الرزاق في مصنفه (١/ ٤١٤) وغيره عن الحسن البصري مرسلا، وأخرجه ابن هشام في السيرة (٢/ ٥٤٠) عن ابن إسحاق معضلًا.
(٥) في (أ): (وكان قدوم وفد نصارى نجران متأخرًا).
(٦) أخرج ابن أبي حاتم في تفسيره (٦/ ١٧٧٩) والطبراني في مسند الشاميين (٣٠٦٧) وغيرهما عن أبي هريرة -﵁-: " فأنزل الله: وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء، فأحلَّ في الآية الأخرى التي تتبعها الجزية، ولم تكن تؤخذ قبل ذلك، فجعلها عوضًا مما منعهم من موافاة المشركين بتجاراتهم ".
(٧) زاد في (أ): (كانت).
(٨) راجع: تفسير الطبري (١١/ ٤٠٧)، الدر المنثور (٧/ ٢٣٣، ٣١١ - ٣١٢)، العذب النمير (٥/ ٢١٠٧).
(٩) قال به بعض المالكية، راجع: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (١/ ١٣٩)، جواهر الإكليل (١/ ٢٣)، مواهب الجليل (٣/ ٢٨١)، شرح الخرشي على مختصر خليل (٢/ ١٤٤)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٣)، وبه قال الشافعية، راجع المجموع تكملة المطيعي (١٨/ ٢٧٩)، مغني المحتاج (٤/ ٢٤٢)، والحنابلة في رواية، راجع: المغني (٨/ ٥٣١)، الإنصاف (٤/ ٢٤٢)، الفروع (٦/ ٢٧٦).
(١٠) راجع المغني (٨/ ٥٣٢)، المحلى (٤/ ٢٤٣)، مجموع الفتاوى (١١/ ٤٧٥)، أحكام أهل الذمة (١/ ١٧٧)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (١٩٥)، وللماوردي (١٦٧)، تحفة الراكع والساجد للجراعي (١١٢)، تفسير القرطبي (٨/ ١٠٤)، أحكام القرآن لابن العربي (١/ ٣٣).
(١١) تقدم أن هذا قول عطاء، وهو قول الإمام أحمد وإسحاق، كما في المسائل للكوسج (٩/ ٤٦٩٢) (٣٣٥٠)، وراجع: الروايتين لأبي يعلى (٢/ ٣٨٦)، الإنصاف (١٠/ ٤٦٦)، الفروع (٦/ ٢٧٦)، المغني (٨/ ٥٢٩ - ٥٣١)، أحكام أهل الملل للخلال (١/ ١٢٧)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى (١٩٥)، الأحكام السلطانية للماوردي (١٦٧)، أحكام أهل الذمة (١/ ١٧٧)، زاد المعاد (٣/ ٤٣٤) كلاهما لابن القيم، أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٨٠)، أحكام القرآن لابن العربي (٣/ ١٢٧٤)، تحفة الراكع والساجد للجراعي (١١٢)، القرطبي (٨/ ١٠٤)، الزرقاني (٣/ ١٤٢)، بدائع الصنائع (٢/ ٣٠١)، الحاوي الكبير (١٤/ ٣٣٥)، المجموع (٣/ ١٩٠)، وقد ادعى ابن حزم الإجماع على ذلك، المحلى (٧/ ١٤٨)، وكذلك ادعى الخطيب الشربيني في مغني المحتاج (٦/ ٦٧) إجماع المفسرين، وهو منقوض بما روي عن سعيد بن المسيب أن المراد المسجد نفسه، كما في المراسيل لأبي داود (ص ١٢٤)، وانظر تفسير الطبري (٦/ ٣٤٥).
(١٢) وقال ياقوت في معجم البلدان (٢/ ٢٢٩): " وبعض الحديبية في الحل، وبعضها في الحرم وعند مالك بن أنس أنها جميعًا في الحرم "، وهو قول الشافعي، كما في الأم (٢/ ٣٤١)، واستنبط ذلك من قوله تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾، قال: "والحرم كله محله"، وراجع أحكام القرآن للجصاص (٤/ ٢٨٠)، (٥/ ٦٢)، شفاء الغرام بأخبار المسجد الحرام (١/ ١١٤، ٥٠٣).
(١٣) العذب النمير (٥/ ٢٢٣٨).
(١٤) جاء في الحاوي الكبير (٤/ ٦٣) أن الإسراء من بيت خديجة -﵂-، وهو مخالف للصواب.
(١٥) لم يأت التصريح بأن النبي ﷺ أُسري به من بيت أم هانئ إلا في حديثها الذي أخرجه الطبري في تفسيره (١٥/ ٣) بسنده من طريق ابن إسحاق، قال حدثني محمد بن السائب عن أبي صالح باذام عن أم هانئ به، وفيه محمد بن السائب وهو الكلبي متهم بالكذب، ورمي بالرفض، وباذام ضعيف يرسل، وأخرجه ابن سعد في طبقاته (١/ ٢١٥)، وفي سنده الواقدي، وهو متروك مع سعة علمه، وأخرجه الطبراني في الكبير (٢٤/ ٤٣٢) من طريق آخر فيه عبد الأعلى بن أبي المساور، قال الهيثمي في المجمع (١/ ٧٦): "رواه الطبراني في الكبير، وفيه عبد الأعلى بن أبي المساور متروك كذاب"، والمشهور أن النبي -ﷺ- أسري به من الحجر عند البيت، أخرجه البخاري (٣٨٨٧) من حديث مالك بن صعصعة، أن النبي حدثهم من ليلة أسري به، قال: بينما أنا نائم في الحطيم، وربما قال في الحجر، وأخرجه البخاري (٣٢٠٧)، ومسلم (١٦٤) بلفظ: "بينما أنا عند البيت"، وراجع الفتح (٧/ ٤٠٤)، ولكن جاء في حديث أبي ذر "فرج سقف بيتي وأنا بمكة" أخرجه البخاري (٣٤٩)، (١٦٣٦)، (٣٣٤٢)، ومسلم (١٦٣)، وعلى فرض صحة حديث أم هانئ، فيقال كما قال الحافظ في الفتح (٧/ ٤٠٤): "إنه [-ﷺ-] نام في بيت أم هانئ، وبيتها عند شعب أبي طالب، ففرج سقف بيته، فنزل منه الملك إلى باب المسجد فأركبه البراق" فيكون قد أسري به من المسجد لا من غيره. وانظر إلى دقة الشيخ -طيب الله ثراه- في قوله: "على القول بذلك".
(١٦) راجع: بداية المجتهد (٢/ ٣٢٣).
[ ٩ ]
فَتَحَصَّلَ أَن محل العقل القلب، وأنه لا مانع من اتصال طرف نوره الروحاني بالدماغ، وعليه لا تخالف بين القولين، و(أن) (^١) هذا إن قام عليه دليل فلا مانع من (قبوله) (^٢)، ونحن لا نعلم عليه دليلًا مقنعًا، وأنَّ عمرَ بن عبد العزيز ألحقَ أهلَ الكتاب بالمشركين؛ لآية التوبة التي ذكرنا، وأنَّ جَعْلَ حكم جميع الحرم المكي كحكم المسجد (_) (^٣) دليلُه استقراءُ الآيات التي جاءت بنحو ذلك، وقد رأيتَ حُجَجَ مَنْ منعهم دخولَ المساجد غير المسجد الحرام ومَنْ أجازَ ذلك ومَنْ فَرَّقَ (^٤).
ولا يخفى أنَّ الذين يجزمون بأن محل العقل الدماغ، ولا صلة له بالقلب أصلًا أنهم في جهلهم، كما قالت الراجزةُ (في زوجها) (^٥):
شِنْظِيْرَةٌ (^٦) زَوَّجَنِيْهِ أَهْلِي مِنْ جَهْلِهِ يَحْسَبُ رَأْسِي رِجْلِي (^٧)
أ. هـ (_) (^٨).
_________________
(١) ساقطة من (أ).
(٢) في (أ): (القول به).
(٣) زاد في (أ): (الحرام).
(٤) ولفضيلة الشيخ الدكتور/ عبد الله -حفظه الله- ابن المؤلف -﵀- رسالة بعنوان "حكم دخول غير المسلمين للمساجد، في ضوء الآيات التي تحدثت عن ذلك" ط. مكتبة العلوم والحكم- المدينة النبوية، رجح فيها قول المالكية ومَن وافقهم بالمنع من دخول المشركين المساجد كلها.
(٥) في (أ): (لزوجها).
(٦) الشنظير: السخيف العقل، وهو الشنظيرة أيضًا، والشنظير الفاحش الغلق من الرجال والإبل السيء الخلق، ورجل شنغير وشنظيرة بذيء فاحش، انظر لسان العرب لابن منظور (٧/ ٢١٢).
(٧) هذا البيت نسبه ابن سيده في المحكم (٨/ ١٤٣) وابن منظور في لسان العرب (٧/ ٢١٢) لابن الأعرابي، وقال ابن منظور: أنشد ابنُ الأعرابيّ لامرأةٍ مِن العرب: شنظيرة زوجنيه أهلي من حُمْقه يحسب رأسي رجلي كأنَّه لم يرَ أنثى قبلي.
(٨) زاد في (أ): (والحمد لله).
[ ١٠ ]