فهو أن ما ذكرتم من أنَّ القرآن (العظيم) (^٦) فَرَّقَ بين المشركين وبين أهل الكتاب، واستشهدتم لذلك بآية المائدة: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى ﴾ الآية [المائدة، الآية (٨٢)]، فهو كما ذكرتم؛ لأن العطف يقتضي بظاهره الفرق بين
_________________
(١) في (أ): (جماعة).
(٢) في (أ): (لدى)، والصواب الأصل، المراقي مع النثر (ص ٥٦٧).
(٣) البيت عبارة عن تعريف الاستقراء غير التام، وهو أن يكون ثبوت الحكم في الكليات بواسطة إثباته بالتتبع في بعض الجزئيات الخالية عن صورة النزاع، ولكن يشترط فيه أن يكون ثبوت الحكم للبعض يفيد ظن عموم الحكم، ولو كان البعض المستقرأ أقل على التحقيق، ومثاله: ما ذكره الشافعي وغيره من أن سن الحيض تسع سنين، وأن أقله يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر ونحو ذلك فقد صرح علماء الشافعية بأن مستند الشافعي في جميع ذلك هو الاستقراء، ومعلوم أن الشافعي لم يستقرئ من حال نساء العالم إلا النزر القليل بالنسبة لما لم يستقرئ، وقوله: يسمى لحوق الفرد: يعني أن الاستقراء الناقص (غير التام) يسميه الفقهاء إلحاق الفرد بالأغلب. انظر: نثر الورود للشيخ ﵀ (ص ٥٦٧).
(٤) ما بين المعقوفين، من قوله -﵀-: "وادعاء بعض متأخريهم "، إلى قوله: " كما ترى" = ساقط من (أ).
(٥) مراجع هذه المسألة البحر المحيط للزركشي (١/ ٨٨ - ٩٠)، إحكام الفصول في أحكام الأصول (١/ ١٧١) الحدود في الأصول (ص ١٠١) كلاهما للباجي، التحبير شرح التحرير في أصول الفقه للمرداوي (١/ ٢٦٢)، شرح مختصر الروضة للطوفي (٢/ ١٥٩)، العدة في أصول الفقه لأبي يعلى (١/ ٨٩ - ٩٠)، التمهيد لأبي الخطاب (١/ ٤٨)، شرح الكوكب المنير (ص ٢٤ - ٢٦)، ذم الهوى (ص ٥)، الأذكياء (ص ١٠، ١١) كلاهما لابن الجوزي، أدب الدنيا والدين للماوردي (ص ٦)، تهذيب الأسماء واللغات للنووي (٣/ ٣٤)، الأشباه والنظائر لابن السبكي (٢/ ١٨)، شرح اللمع للشيرازي (١/ ١٥١)، المسودة لآل تيمية (٢/ ٩٧٧)، ومجموع الفتاوى لابن تيمية (٩/ ٣٠٣)، التبيان في أقسام القرآن لابن القيم (ص ٤٠٤ - ٤٠٥)، عمدة القاري للعيني (٣/ ٢٧٠)، أضواء البيان (٥/ ٧١٥)، العذب النمير (١/ ١٤٧ - ١٤٨)، المعجم الفلسفي (٢/ ٨٤ - ٨٨)، العقل مجالاته وآثاره في ضوء الإسلام (ص ٣٧)، عقلك مم يتركب وكيف يعمل لـ مصطفى هيكل (ص ١٢)، قصة الفلسفة لـ ويل ديورانت (ص ٧٧٣).
(٦) ساقطة من (أ).
[ ٦ ]
المعطوف والمعطوف عليه، وقد تكرر في القرآن عطف بعضهم على بعض، كالآية التي تفضلتم بذكرها، وكقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ ﴾ الآية [البينة، الآية (١)]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ ﴾ الآية [البينة، الآية (٦)]، وقوله تعالى: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ ﴾ الآية [البقرة، الآية (١٠٥)]، وقوله تعالى: ﴿وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا ﴾ الآية [آل عمران، الآية (١٨٦)]، إلى غير ذلك من الآيات.
وظاهر العطف يقتضي المغايرة بين المتعاطفين؛ لأن عطف الشيء على نفسه يحتاج إلى دليل خاص يجب الرجوع إليه مع بيان المسوغ لذلك كما هو معلوم في محله، وما تفضلتم بذكره من أن عمر بن عبد العزيز -﵁- (أنه) (^١) أمر بإلحاق أهل الكتاب بالمشركين في عدم دخول المسجد الحرام (^٢)، فمستنده المسوغ له أن الله -جل وعلا- صَرَّحَ في سورة التوبة أن أهل الكتاب من يهود ونصارى من جملة المشركين، (وإذ) (^٣) جاء التصريح في القرآن العظيم بأنهم من المشركين، فدخولهم في عموم (آية) (^٤): ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ الآية [التوبة، الآية (٢٨)]، لا إشكال فيه، وآية التوبة التي بَيَّنَ الله فيها أنهم من جملة المشركين، هي قوله (جل وعلا) (^٥): ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا
_________________
(١) هكذا بالأصل، وساقطة من (أ)، والأَوْلَى حذفها.
(٢) أخرجه ابن أبي شيبة في مصنفه (٦/ ٥١٢ - ٥١٣)، والبيهقي في سننه (١٠٣٨٠)، وابن جرير في التفسير (١١/ ٣٩٨)، وعزاه السيوطي في الدر المنثور (٨/ ٣٠٨) لأبي الشيخ، وفيه: كتب عمر بن عبد العزيز أن امنعوا اليهود والنصارى من دخول مساجد المسلمين، وأتبع نهيه قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ ﴾ الآية [التوبة: ٢٨]، وراجع: حلية الأولياء (٥/ ٣٢٥، ٣٢٦)، المصنف (٢/ ٥٢٧)، (١٠/ ٢٣).
(٣) في (أ): (وإذا).
(٤) في (أ): (قوله تعالى).
(٥) في (أ): (تعالى).
[ ٧ ]