لقد تضافرت النصوص الشرعيَّة التي تأمر المسلم وتحثُّه على تناول الطيِّب من المطعوم والمشروب، واجتناب الخبيث منه؛ ومن ذلك: قول الله ﷿: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ [البقرة: ١٧٢]. وقوله جلَّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾ [المؤمنون: ٥١]. وقوله تقدَّست أسماؤه: ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].
_________________
(١) انظر: المسالك في شرح موطأ مالك للقاضي ابن العربي (٧/ ٣٧٣)، تفسير السعدي (ص ٨٠).
[ ١ / ٢٥ ]
وعن أبي هريرة -﵁- قال: قال رسول الله -ﷺ-: (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلاَّ طَيِّبًا، وَإِنَّ الله أَمَرَ الْمؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمرْسَلِينَ؛ فَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ﴾، وَقَالَ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) (^١).
ذلك لأنَّ طِيب المَطْعَم والمَشْرب له أثرٌ عظيمٌ في تزكية النَّفس وإشراقها، وصَفاء القَلْب واستنارته وقوَّة بصيرته، فَضْلًا عن قبول العبادة والدُّعاء، وعكسه صحيحٌ؛ فإنَّ خُبْث المَطْعَم والمَشْرَب يمنع ذلك كُلَّه؛ يقول ابن كثير ﵀: «والأَكلُ من الحلال سَببٌ لتَقَبُّلِ الدُّعاءِ والعبادَةِ، كما أنَّ الأَكلَ من الحرامِ يَمْنعُ قَبولَ الدُّعاء والعِبادَةِ؛ كما جاء في الحديث: ( أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ الله طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيَّبًا )» (^٢).
ويقول ابن رَجَبٍ ﵀تعليقًا على حديث (إِنَّ الله تَعَالَى طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيَّبًا) -: «وفي هذا الحديث إشارةٌ إلى أنَّه لا يقبل العملُ ولا يزكو إلاَّ بأكل الحلال، وأنَّ أَكْل الحرام يُفْسِد العملَ، ويمنع قَبولَه؛ فإنَّه قال بعد تقريره (إنَّ الله لا يقبلُ إلاَّ طيِّبًا): إنَّ الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾. والمراد بهذا: أنَّ الرسل وأُممهم مأمورون بالأَكْل من الطيِّبات التي هي الحلال، وبالعمل الصالح، فما دام الأَكْل حلالًا، فالعملُ صالحٌ مقبولٌ، فإذا كان الأَكْلُ غير حلالٍ، فكيف يكون العمل مقبولًا؟ وما ذكره بعد ذلك من الدُّعاء، وأنَّه كيف يُتقبَّل مع
_________________
(١) سبق تخريجه (ص ٥).
(٢) تفسير ابن كثير (١/ ٤٨٠ - ٤٨١).
[ ١ / ٢٦ ]
الحرام، فهو مثالٌ لاستبعاد قَبولِ الأعمال مع التغذية بالحرام» (^١).
وأيضًا؛ فإنَّ سلوكَ الإنسان وأخلاقَه يتأثَّران بسلوك مَأْكولِه -كما ثبت ذلك- وبعض الحيوانات أو الطيور طبيعتُها البَغْيُ والعُدوانُ والافْتِراسُ؛ كذوات الأنياب أو المخالب، وبعضها طبيعتُه البَلَادَةُ وقلَّةُ الغَيْرة؛ كالخنزير، والتشبُّه بسلوك هذه أو تلك ممَّا لا ترضاه الشريعة لأهلها والمنتسبين إليها؛ ولذا كانت حِكْمتُها ظاهرةً في النَّهي عن تناول مثل هذه الحيوانات؛ يقول ابن تيمية ﵀: «فأحَلَّ النَّبيُّ -ﷺ- الطَّيِّبات وحَرَّم الخبائِثَ مِثلَ كُلِّ ذي نابٍ من السِّباع وَكُلِّ ذي مِخْلَبٍ من الطَّير؛ فإنَّها عاديَةٌ باغِيةٌ فإذا أَكَلَها النَّاسُ -والغاذِي شَبيهٌ بِالمُغْتذِي- صار في أخلاقهم شَوْبٌ من أخلاق هذه البَهائِم وهو البَغْيُ والعُدْوانُ» (^٢).
بل إنَّ ما يحلُّ من هذه الحيوانات والطيور اعتنى الإسلام عنايةً كبيرةً بكيفيَّة ذَبْحِها وتَذْكِيَتها؛ حتَّى تكون حلالًا؛ فاشترط لذلك شروطًا، وسنَّ لها سُنَنًا وآدابًا؛ ومن ذلك: اشتراطه أَهْليَّة المذكِّي؛ بأن يكون مسلمًا أو كتابيًّا؛ قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ [المائدة: ٥]. ومنها: اشتراطه التسمية على الذبيحة؛ فقال جلَّ ثناؤه: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ﴾ [الأنعام: ١١٨]. ومنها: اشتراطه إنهار الدم؛ وذلك بقطع الحلقوم، والمريء، والودجين، بالآلة القاطعة؛ قال النبي -ﷺ-: (مَا أَنْهَرَ الدَّمَ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوا لَيْسَ السِّنَّ، وَالظُّفُرَ، وَسَأُحَدِّثُكُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَمَّا السِّنُّ: فَعَظْمٌ، وَأَمَّا الظُّفُرُ: فَمُدَى الحَبَشَةِ) (^٣). ومنها: الإحسان إلى الذبيحة وإراحتها عند الذبح؛ فعن شدَّاد بن أَوْسٍ
_________________
(١) جامع العلوم والحكم (ص ١٠٠).
(٢) مجموع الفتاوى (١٧/ ١٧٩).
(٣) رواه البخاري (ح ٢٥٠٧)، ومسلم (ح ١٩٦٨).
[ ١ / ٢٧ ]
-﵁- قال: (ثِنْتَانِ حَفِظْتُهُمَا عَنْ رَسُولِ الله -ﷺ- قَالَ: إِنَّ اللهَ كَتَبَ الإِحْسَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ، فَإِذَا قَتَلْتُمْ فَأَحْسِنُوا القِتْلَةَ، وَإِذَا ذَبَحْتُمْ فَأَحْسِنُوا الذَّبْحَ، وَلْيُحِدَّ أَحَدُكُمْ شَفْرَتَهُ، فَلْيُرِحْ ذَبِيحَتَهُ) (^١).
وغير ذلك من الأمور التي جاءت مفصَّلة في هذا الموسوعة المباركة.