[السُّؤَالُ]
ـ[ما هي العتيرة؟ وما حكمها؟.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
العتيرة هي ذبيحة كان يذبحها أهل الجاهلية في شهر رجب، وجعلوا ذلك سنة فيما بينهم كذبح الأضحية في عيد الأضحى.
وأما حكمها، فقد اختلف العلماء في حكمها، وسبب اختلافهم: اختلاف الأحاديث الواردة فيها، فمنها ما أمر بها ورخص فيها، ومنها ما نهى عنها.
والصحيح من أقوالهم - كما سيأتي – أن أحاديث الأمر بها والترخيص في فعلها كانت في أول الأمر، ثم نهى عنها النبي ﷺ.
وقد اختلف العلماء في حكمها على عدة أقوال:
القول الأول: أنها سنة مستحبة، وهذا قول الإمام الشافعي ﵀، واستدل على ذلك بعدة أدلة، منها:
١- ما رواه الإمام أحمد (٦٦٧٤) والنسائي (٤٢٢٥) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ سئل عن َالْعَتِيرَةُ فقَالَ: (الْعَتِيرَةُ حَقٌّ) حسنه الألباني في صحيح الجامع (٤١٢٢) .
٢- ما رواه الإمام أحمد وأبو داود (٢٧٨٨) والترمذي (١٥١٨) عن مِخْنَفِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ: كُنَّا وُقُوفًا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ بِعَرَفَاتٍ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ عَلَى كُلِّ أَهْلِ بَيْتٍ فِي كُلِّ عَامٍ أُضْحِيَّةٌ وَعَتِيرَةٌ. هَلْ تَدْرُونَ مَا الْعَتِيرَةُ؟ هِيَ الَّتِي تُسَمُّونَهَا الرَّجَبِيَّةَ) حسنه الألباني في صحيح أبي داود.
٣- ما رواه النسائي (٤٢٢٦) عن الْحَارِثَ بْنَ عَمْرٍو أَنَّ رَجُلًا مِنْ النَّاسِ قال: يَا رَسُولَ اللَّهِ، الْعَتَائِرُ؟ قَالَ: (مَنْ شَاءَ عَتَرَ، وَمَنْ شَاءَ لَمْ يَعْتِرْ) ضعفه الألباني في ضعيف النسائي.
انظر: "المجموع" (٨/٤٤٦،٤٤٥) .
القول الثاني:
أنها لا تستحب ولا تكره، وقال بهذا القول بعض الشافعية، كما حكاه النووى عنهم في "المجموع" (٨/٤٤٥) .
القول الثالث:
أنها مكروهة، لنهي النبي ﷺ عنها، وقال بعضهم: هي حرام باطلة.
وقالوا: أحاديث الترخيص فيها والأمر بها كانت في أول الأمر، ثم نسخت بنهي النبي ﷺ عنها.
نقل النووي في "شرح مسلم" (١٣/١٣٧) عن القاضي عياض قوله: " إن الأمر بالعتيرة منسوخ عند جماهير العلماء ".
واستدلوا على تحرمها بـ:
١- ما واه البخاري (٥٤٧٤) ومسلم (١٩٧٦) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (لا فَرَعَ وَلا عَتِيرَةَ) .
والفرع هو أول ولدٍ للناقة كانوا يذبحونه لأصنامهم.
٢- أن العتيرة من شأن أهل الجاهلية، ولا يجوز التشبه بهم في عباداتهم لقول النبي ﷺ: (من تشبه بقوم فهو منهم) رواه أبو داود (٤٠٣١) وصححه الألباني في "إرواء الغليل" (١٢٦٩) .
وقال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر بعض الأحاديث الدالة على مشروعية العتيرة:
" وَقَالَ اِبْن الْمُنْذِر – بعد أن ذكر بعض الأحاديث في العتيرة – قال: وَقَدْ كَانَتْ الْعَرَب تَفْعَل ذَلِكَ فِي الْجَاهِلِيَّة، وَفَعَلَهُ بَعْض أَهْل الإِسْلام، فَأَمَرَ النَّبِيّ ﷺ بِهِمَا ثُمَّ نَهَى عَنْهُمَا رَسُول اللَّه ﷺ، فَقَالَ: (لا فَرَع وَلا عَتِيرَة) فَانْتَهَى النَّاس عَنْهُمَا لِنَهْيِهِ إِيَّاهُمْ عَنْهُمَا، وَمَعْلُوم أَنَّ النَّهْي لا يَكُون إِلا عَنْ شَيْء قَدْ كَانَ يُفْعَل، وَلا نَعْلَم أَنَّ أَحَدًا مِنْ أَهْل الْعِلْم يَقُول: إِنَّ النَّبِيّ ﷺ كَانَ نَهَاهُمْ عَنْهُمَا ثُمَّ أَذِنَ فِيهِمَا، وَالدَّلِيل عَلَى أَنَّ الْفِعْل كَانَ قَبْل النَّهْي قَوْله فِي حَدِيث نُبَيْشَة: (إِنَّا كُنَّا نَعْتِر عَتِيرَة فِي الْجَاهِلِيَّة، وَإِنَّا كُنَّا نُفْرِع فَرَعًا فِي الْجَاهِلِيَّة) وَفِي إِجْمَاع عَوَامّ عُلَمَاء الأَمْصَار عَلَى عَدَم اِسْتِعْمَالهمْ ذَلِكَ وُقُوف عَنْ الأَمْر بِهِمَا، مَعَ ثُبُوت النَّهْي عَنْ ذَلِكَ بَيَان لِمَا قُلْنَا " انتهى.
وجزم الشيخ محمد ابن إبراهيم ﵀ في "فتاويه" (٦/١٦٥) بتحريم العتيرة، وقال:
" قوله ﷺ: (لا فرع ولا عتيرة) فيما أفهم الآن أنه أقرب إلى التحريم.
والنفي يفيد البطلان كقوله ﷺ: (لا عدوى ولا طيرة)، أفلا يكون: (لا فرع ولا عتيرة) إبطال لذلك؟!
هذا مع دلالة: (من تشبه بقوم فهو منهم) فمنع من مشابهة الجاهلية.
ثم هذا من باب العبادات، والعبادات توقيفية، فلو لم ينفها ﷺ كانت منتفية، فإن أمور الجاهلية كلها منتفية لا يحتاج إلى أن ينصص على كل واحد منها.
وقد صرح بعض العلماء بالكراهة. والذي نفهم أنه حرام. وهذا بالنسبة إلى تخصيصهم ذبح أول ولد تلده الناقة، والذبح في العشر الأول من رجب. أما إن كان ما يفعله الجاهلية لآلهتهم فهو شرك " انتهى بتصرف.
وقال الشيخ ابن عثيمين في "الشرح الممتع" (٧/٣٢٥):
" قول الرسول عليه الصلاة واللام: (لا فَرَعَ ولا عتيرة)، وفي رواية: (لا فَرَعَ ولا عتيرة في الإسلام)، تخصيص ذلك في الإسلام يوحي بأنها من خصال الجاهلية، ولهذا كره بعض العلماء العتيرة، بخلاف الفرعة لورود السنة بها، وأما العتيرة فجديرة بأن تكون مكروهة - يعني الذبيحة في أول رجب - لاسيما وأنه إذا ذبحت في أول رجب، وقيل للناس إن هذا لا بأس به، فإن النفوس ميالة إلى مثل هذه الأفعال، فربما يكون شهر رجب كشهر الأضحية، ذي الحجة، ويتكاثر الناس على ذلك، ويبقى مظهرًا ومشعرًا من مشاعر المناسك، وهذا لا شك أنه محظور.
فالذي يترجح عندي: أن الفرعة لا بأس بها، لورود السنة بها، وأما العتيرة فإن أقل أحوالها الكراهية " انتهى.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
[ ٥ / ٨٠٤٤ ]