[السُّؤَالُ]
ـ[هل يحمل ماء زمزم أي قيمة؟ وهل هناك أي حديث يدل على أن له أثر فعال في الشفاء أو أن شرابه يجب أن تسبقه نيّة؟ جزاكم الله خيرا.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
زمزم اسم للبئر المشهورة في المسجد الحرام، بينها وبين الكعبة المشرفة ثمان وثلاثون ذراعًا.
وهي بئر إسماعيل بن إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، التي سقاه الله تعالى منها حين ظمي وهو رضيع، فالتمست له أمه الماء فلم تجده، فقامت إلى الصفا تدعوا الله تعالى وتستغيثه لإسماعيل، ثم أتت المروة ففعلت مثل ذلك، وبعث الله جبريل فهمز بعقبه في الأرض فظهر الماء.
الشرب من ماء زمزم:
اتفق أهل العلم ﵏ إلى أنه يستحب للحاج والمعتمر خصوصًا وللمسلم في جميع الأحوال عمومًا أن يشرب من ماء زمزم، لما جاء في الحديث الصحيح أن النبي ﷺ: " شرب من ماء زمزم " رواه البخاري ٣/٤٩٢. وفي حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال في ماء زمزم: " إنها مباركة إنها طعام طعم " رواه مسلم ٤/١٩٢٢ زاد الطيالسي ٦١ في رواية له: " وشفاء سقم ". أي شرب مائها يغني عن الطعام ويشفي من السّقام لكن مع الصدق كما ثبت عن أبي ذر الغفاري ﵁ أنه أقام شهرًا بمكة لا قوت له إلا ماء زمزم.
وقال العباس بن عبد المطلب ﵁: تنافس الناس في زمزم في زمن الجاهلية حتى كان أهل العيال يفِدون بعيالهم فيشربون فيكون صبوحًا لهم (شرب أول النهار)، وقد كنا نعدّها عونًا على العيال، قال العباس: وكانت تسمى زمزم في الجاهلية (شباعة) .
قال العلامة الأبّي ﵀:
هو لما شرب له، جعله الله تعالى لإسماعيل وأمه هاجر طعامًا وشرابًا،
ودخل ابن المبارك زمزم فقال: اللهم إن ابن المؤمّل حدثني عن أبي الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: " ماء زمزم لما شرب له " فاللهم إني أشربه لعطش يوم القيامة.
وقد غسل الملكان قلب النبي ﷺ في صغره بعدما استخرجاه ثمّ ردّاه، قال الحافظ العراقي ﵀: حكمة غسل صدر النبي ﷺ بماء زمزم ليقوى به ﷺ على رؤية ملكوت السموات والأرض والجنة والنار؛ لأنّ من خواص ماء زمزم أنه يقوّي القلب ويسكّن الرّوع. وخبر غسل صدر النبي ﷺ بماء زمزم ثبت من حديث أبي ذر ﵁ أن النبي ﷺ قال: فرج سقفي وأنا بمكة، فنزل جبريل ﵇ ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغها في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي فعرج بي إلى السماء الدنيا " رواه البخاري ٣/٤٢٩.
ويسنّ للشارب أن يتضلّع من ماء زمزم، والتضلّع: الإكثار من شربه حتى يمتلئ، ويرتوي منه يشبع ريًّا.
وقد ذكر الفقهاء آدابًا تستحب لشرب ماء زمزم، منها استقبال الكعبة، والتسمية، والتنفس ثلاثًا، والتضلع منها، وحمد الله بعد الفراغ، والجلوس عند شربه كغيره وأما حديث ابن عباس ﵄ أنه قال: " سقيت النبي ﷺ من زمزم وهو قائم " رواه البخاري ٣/٤٩٢. فمحمول على أنه لبيان الجواز، وأن النهي عن الشرب قائمًا للكراهة، واستحبوا أيضًا لمن يشرب من زمزم نضحه الماء على رأسه ووجهه وصدره، والإكثار من الدعاء عند شربه، وشربه لمطلوبه من أمر الدنيا والآخرة لما جاء في الحديث عنه ﷺ: " ماء زمزم لما شرب له " رواه ابن ماجه ٢/١٠١٨ وانظر المقاصد الحسنة للسخاوي ص ٣٥٩.
وروي عن ابن عباس: أنه إذا شرب من ماء زمزم قال: اللهم إني أسألك علمًا نافعًا، ورزقًا واسعًا وشفاء من كل داء.
وحكى الدينوري عن الحميدي قال: كنا عند سفيان بن عيينة فحدثنا بحديث ماء زمزم لما شُرب له، فقام رجل من المجلس ثم عاد فقال: يا أبا محمد: أليس الحديث الذي حدثتنا في ماء زمزم صحيحًا؟ قال: نعم. قال الرجل: فإني شربت الآن دلوًا من زمزم على أنك تحدثني بمائة حديث، فقال سفيان: اقعد فقعد، فحدّثه بمائة حديث.
واستحب بعض الفقهاء التزود من ماء زمزم وحمله إلى البلاد لأنه شفاء لمن استشفى، وجاء في حديث عائشة ﵂ أنها حملت من ماء زمزم في القوارير، وقالت: حمل رسول الله ﷺ منها، وكان يصبّ على المرضى ويسقيهم " رواه الترمذي ٤/٣٧.
واتفق الفقهاء على أن التطهير بماء زمزم صحيح، لكن نصوا على عدم استعماله في مواضع الامتهان كإزالة النجاسة ونحو ذلك. قال العلامة البهوتي ﵀ في كتابه كشاف القناع: (و) كذا يكره (استعمال ماء زمزم في إزالة النجس فقط) تشريفًا له، ولا يكره استعماله في طهارة الحدث، لقول علي: «ثم أفاضَ رسول الله ﷺ فدعا بسجلٍ من ماءِ زمزم فشربَ منهُ وتوضَّأ» رواه عبد الله بن أحمد بإسناد صحيح. انتهى ويُنظر نيل الأوطار: كتاب الطهارة: باب طهورية ماء البحر
قال الحافظ السخاوي ﵀ في المقاصد الحسنة:
يذكر على بعض الألسنة أن فضيلته ما دام في محله فإذا نقل يتغيّر وهو شيء لا أصل له، فقد كتب ﷺ إلى سهيل بن عمرو: " إن وصل كتابي ليلًا فلا تصبحن أو نهارًا فلا تمسين حتى تبعث إليّ بماء زمزم، وفيه أنه بعث بمزادتين وكان حينئذ بالمدينة قبل أن يفتح مكة، وهو حديث حسن لشواهده، وكذا كانت عائشة ﵂ تحمل وتخبر أنه ﷺ كان يفعله وأنه كان يحمله في الأداوي والقرب فيصب منه على المرضى ويسقيهم، وكان ابن عباس إذا نزل به ضيف أتحفه بماء زمزم، وسئل عطاء عن حمله فقال: قد حمله النبي ﷺ والحسن والحسين أ. هـ.
والله تعالى أعلم
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
[ ٩ / ٨٥ ]