[السُّؤَالُ]
ـ[مطلوب مني بحث عن تاريخ المسجد الحرام، أرجو مساعدتي في ذلك.]ـ
[الْجَوَابُ]
الحمد لله
يقع المسجد الحرام في مكة وهي مدينة في جزيرة العرب ترتفع عن سطح البحر بنحو ٣٣٠مترًا ويرجع تاريخ عمارتها إلى عهد إبراهيم الخليل وابنه إسماعيل ﵉، وفيها ولد نبي الإسلام محمد ﷺ وفيها مهبط الوحي أول ما نزل، ومنها شع نور الإسلام وبها المسجد الحرام وهو أول مسجد وضع للناس في الأرض لقوله تعالى: ﴿إن أول بيت وضع للناس للذي ببكة مباركًا وهدى للعالمين﴾ (آل عمران: ٩٦) وثبت في صحيح مسلم عن أبي ذر قال: سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض قال: المسجد الحرام قلت: ثم أي قال: المسجد الأقصى قلت: كم بينهما قال: أربعون عامًا. وتقع الكعبة - وهي قبلة المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها - وسط المسجد الحرام تقريبًا ويبلغ ارتفاعها خمسة عشر مترًا وهي على شكل حجرة كبيرة مربعة البناء على وجه التقريب وقد بناها إبراهيم الخليل ﵇ بأمر من الله تعالى: قال ﷿: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦) سورة الحج، ومعنى بوأنا: أي أرشده إليه وسلّمه له وأذن له في بنائه: تفسير ابن كثير، وقال تعالى: ﴿وإذا يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾ البقرة:١٢٧.
وعن وهب بن منبه قال:.. بناها إبراهيم ﵇ ثم العمالقة ثم جرهم ثم قصي بن كلاب وأما بنيان قريش له فمشهور.. وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي تحملها قريش على رقابها فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا..، وكان بين بنيان الكعبة وبين ما أنزل عليه خمس سنين وبين مخرجه وبنائها خمس عشرة سنة ذكره عبد الرزاق عن معمر عن عبد الله بن عثمان عن أبي الطفيل وذكر عن معمر عن الزهري: حتى إذا بنوها وبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تريد رفعه؟ حتى شجر بينهم فقالوا تعالوا نحكّم أول من يطلع علينا من هذه السكة فاصطلحوا على ذلك فطلع عليهم رسول الله ﷺ وهو غلام عليه وشاح نمرة فحكّموه فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أمر سيد كل قبيلة فأعطاه ناحية من الثوب ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فكان هو يضعه ﷺ. تاريخ مكة للأزرقي (١/١٦١-١٦٤)
وروى مسلم (٢٣٧٤) عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ الْجَدْرِ أَمِنْ الْبَيْتِ هُوَ قَالَ نَعَمْ قُلْتُ فَلِمَ لَمْ يُدْخِلُوهُ فِي الْبَيْتِ قَالَ إِنَّ قَوْمَكِ قَصَّرَتْ بِهِمْ النَّفَقَةُ قُلْتُ فَمَا شَأْنُ بَابِهِ مُرْتَفِعًا قَالَ فَعَلَ ذَلِكِ قَوْمُكِ لِيُدْخِلُوا مَنْ شَاءُوا وَيَمْنَعُوا مَنْ شَاءُوا وَلَوْلا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ لَنَظَرْتُ أَنْ أُدْخِلَ الْجَدْرَ فِي الْبَيْتِ وَأَنْ أُلْزِقَ بَابَهُ بِالأَرْضِ.
وقد تعرضت الكعبة قبل الإسلام (في عام ولادة النبي ﷺ) للغزو من قبل أبرهة الحبشي وذلك عندما بنى القُليس وهي الكنيسة التي أراد أن يصرف إليها حج العرب فخرج بجيش ومعهم الفيل فلما وصلوا إلى مكة أرسل الله عليهم طيرًا أبابيل مع كل طائر منها ثلاثة أحجار يحملها، حجر في منقاره وحجرين في رجليه أمثال الحمص والعدس لا تصيب منهم أحدًا إلا هلك ففني الجيش وهلكوا بأمر الله ﷿.
وقد ذكر الله تعالى هذه الحادثة في كتابه فقال ﷿: ﴿ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل، ألم يجعل كيدهم في تضليل وأرسل عليهم طيرًا أبابيل ترميهم بحجارة من سجيل فجعلهم كعصف مأكول﴾ انظر السيرة النبوية لابن هشام (١/٤٤-٥٨) .
ولم يكن هناك سور يحيط بمسجد الكعبة حتى صارت الحاجة تدعو إلى ذلك، قال ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (٥/١٤٦) . ما يحيط بالكعبة كان أول من بناه عمر بن الخطاب ﵁ ولم يكن له في زمن النبي ﷺ وأبي بكر جدار يحيط به وذاك أن الناس ضيّقوا على الكعبة وألصقوا دورهم بها فقال عمر: إن الكعبة بيت الله ولا بد للبيت من فناء وإنكم دخلتم عليها ولم تدخل عليكم، فاشترى تلك الدور وهدمها وزادها فيه وهدم على قوم من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد، واتخذ للمسجد جدارًا دون القامة فكانت المصابيح توضع عليه، ثم كان عثمان فاشترى دورًا أُخَر وأغلى في ثمنها.. ويقال إن عثمان أول من اتخذ الأروقة حين وَسّع المسجد.. فلما كان ابن الزبير زاد في إتقانه لا في سعته وجعل فيه عَمَدًا من الرخام وزاد في أبوابه وحسنها فلما كان عبد الملك بن مروان زاد في ارتفاع حائط المسجد وحمل إليه السواري من مصر في البحر إلى جدة واحتملت من جدة على العجل إلى مكة وأمر الحجّاج بن يوسف فكساها ولما ولي الوليد بن عبد الملك زاد في حليتها وصرف في ميزابها وسقفها.. فلما ولي المنصور وابنه المهدي زاد أيضًا في إتقان المسجد وتحسين هيئته. وهكذا
وفي المسجد من الآثار الدينية مقام إبراهيم وهو الحَجَر الذي كان يقف عليه إبراهيم الخليل ﵇ أثناء بناء الكعبة. وكذلك بئر زمزم وهي نبع من الماء أخرجه الله تعالى لهاجر وولدها إسماعيل ﵇ لما عطش، ولا يُنسى أيضا الحجر الأسود والركن اليماني وهما ياقوتتان من يواقيت الجنة. كما روى الترمذي وأحمد عن عَبْد اللَّهِ بْن عَمْرٍو قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ الرُّكْنَ وَالْمَقَامَ يَاقُوتَتَانِ مِنْ يَاقُوتِ الْجَنَّةِ طَمَسَ اللَّهُ نُورَهُمَا وَلَوْ لَمْ يَطْمِسْ نُورَهُمَا لأَضَاءَتَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ " سنن الترمذي ٨٠٤
ويجاور المسجد الحرام جبلي الصفا والمروة، ومن خصائص المسجد الحرام أنّه المسجد الوحيد الذي يُحجّ إليه في الأرض، قال الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨) سورة البقرة، ومن خصائصه أنَ الله جعله آمنا والصلاة فيه بمائة ألف صلاة، قال الله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) سورة البقرة، وقال تعالى: (فِيهِ ءايَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ ءامِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧) سورة آل عمران. انظر "أخبار مكة" للأزرقي وأخبار مكة للفاكهي. والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
[الْمَصْدَرُ]
الإسلام سؤال وجواب
الشيخ محمد صالح المنجد
[ ٩ / ٩٧ ]