س: ما قول العلماء جميعًا والقاضي (محمد العمراني) خصوصًا في رجل بنى مسجدًا جوار مسكنه ويؤم الناس في بعض الأوقات قبل دخول الوقت فلما نصحه البعض بأن يتأخر حتى يدخل الوقت ويصلي جماعة كبرى وخصوصًا أن بيته بجوار المسجد فأجاب بكلام طويل وبذي، سب فيه أم المؤمنين عائشة وأصحاب رسول الله ﵌ وسب العلماء الأعلام وأصبح يمنع العلماء من توعية الناس وإرشادهم إلى الكتاب والسنة، فهل يؤجر على عمارة هذا المسجد؟
جـ: جميع ما جاء في هذه الرسالة قد جاء فيه أحاديث صحيحة موجودة في جميع دواوين السنة النبوية على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام، أما الصلاة فقد حث النبي ﵌ على المواظبة عليها في أول وقتها لأحاديث في هذا الموضوع كثيرة لا يتسع الوقت لذكرها، منها حديث (سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا) (^٣)، وأما بخصوص ما قيل عن هذا الشخص بأنه سبَّ أم المؤمنين عائشة ﵂ أو أنَّه يسبَّها فإذا صح فهو آثم لأنها زوجة الرسول ﵌ وهو بأبي وأمي الطيب الطاهر وزوجاته من الطيبات الطاهرات لأن القرآن الكريم قد نص على أن الطيبات للطيبين والخبيثات للخبيثين كيف لا؟! وقد طهرها الله ﷾ من فوق سبع سماوات بالآيات التي نزلت في براءتها في سورة النور من قوله تعالى ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ﴾ (^٤)، إلى قوله تعالى ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ (^٥) وأما سبُّ الصحابة ﵃ ولا سيما المبشرين بالجنة وخصوصًا الخلفاء الراشدين فهو
_________________
(١) لنساء: آية (٧١)
(٢) لنساء: آية (١٠٢)
(٣) - سنن الترمذي: كتاب الصلاة: باب ماجاء في الوقت الأول من الفضل. حديث رقم (١٥٥) بلفظ (عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ غَنَّامٍ عَنْ عَمَّتِهِ أُمِّ فَرْوَةَ وَكَانَتْ مِمَّنْ بَايَعَتْ النَّبِيَّ ﷺ قَالَتْ: سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ؟ قَالَ: الصَّلَاةُ لِأَوَّلِ وَقْتِهَا) صححه الألباني في صحيح سنن الترمذي برقم (١٧٠) أخرجه أبوداود في الصلاة. لايوجد له مكررات.
(٤) - النور: آية (١١)
(٥) - النور: آية (٢٠)
[ ١ / ٥٤ ]
أيضًا من المحرمات لورود النهي عن ذلك في عدة أحاديث منها حديث (لَا تَسبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ) (^١) زيادة على ما ورد في القرآن الكريم من مدحهم والثناء عليهم ومن شك في ذلك فليراجع ما جاء في القرآن الكريم من الثناء عليهم في قوله تعالى ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (٨) وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (^٢) وما قاله علماء التفسير حول تفسير كل ما ورد فيهم على جهة العموم كقوله تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٣) وقوله تعالى ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ … مِنَ الْأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ … الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ﴾ (^٤) ومن أهل بيعة الرضوان على جهة الخصوص في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (^٥)، وهكذا ما جاء في الثناء عليهم في كتب الحديث الشريف كـ (الأمهات الست) وغيرها من كتب السنة النبوية المطهرة على صاحبها وعلى آله أفضل الصلاة والسلام وهم محل تقدير وتعظيم واحترام عند جميع الأئمة المجتهدين من أمة محمد ﵌ ومنهم أئمة أهل البيت الطاهرين المتقدمون منهم والمتأخرون، ومن لم يعرف ما قاله علماء أهل البيت وأئمتهم الأعلام في صحابة خاتم الأنبياء والمرسلين ولا سيما الخلفاء الراشدين فعليه مطالعة (الرسالة الوازعة للمعتدين بسب أصحاب سيد المرسلين) التي ألفها الإمام (يحيى بن حمزة) وهو من أكبر علماء أهل البيت الطاهرين ومن أعظم أئمة أهل المذهب الزيدي وقد ألفها قبل (ستمائة عام) وطبعت عدة مرات أو يطالع كتاب (إرشاد الغبي إلى مذهب الآل في صحب النبي) لشيخ الإسلام (الشوكاني) ﵀ ليعرف آراء علماء أهل البيت عن الخلفاء الراشدين فيرجع عن رأيه ويتوب إلى الله من اعتقاد السوء فيهم إن صح ماجاء في الاستفتاء ولا شك بأنه إذا طالع ما ورد في فضلهم عن النبي ﵌ وما ورد عن أئمة أهل البيت سيندم ويرجع إلى الله بالتوبة النصوح من هذه العقيدة، وهكذا لا ينبغي له أن يسب العلماء فهم ورثة الأنبياء وهم الواسطة فيما بين رسول الله ﵌ وبين عامة الناس من أمته عليه وعلى آله أفضل الصلاة والسلام وأنا أنصحه بأن يكفَّ لسانه عن سبِّ الناس جميعًا ولا سيما أصحاب الرسول العظيم والخلفاء الراشدين وجميع العلماء العاملين ومشائخنا في الدين زاد الله في إكرامهم وتعظيمهم وأعاد علينا من
_________________
(١) - صحيح البخاري: كتاب مناقب الصحابة: باب قوله لو كنت متخذا خليلًا. حديث رقم (٣٣٩٧) بلفظ (عَنْ أَبِي سعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ -ﷺ-: لَا تَسبُّوا أَصْحَابِي فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ). أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، والترمذي في المناقب عن رسول الله، وأبو داود في السنة، وأحمد في باقي مسند المكثرين. معاني الألفاظ: المد: مكيال يقدر بملء الكفين ويعادل ربع الصاع.
(٢) - الحشر: (٩، ٨).
(٣) - الفتح: آية (٢٩)
(٤) - الحجرات: (٧)
(٥) - الفتح: آية (١٨)
[ ١ / ٥٥ ]
بركاتهم وأن يلحقنا بهم صالحين، وهذا كله إن صح ما قيل عن هذا الشخص مما جاء في رسالة السائلين وغيرهما وأرجو أن لا يصح عنه هذا الاعتقاد كما أرجو إن صح عنه بأنه قد رجع عن آرائه هذه التي قد ذكرت الرد عليه في جوابي هذا، وأما كونه سيؤجر على عمارته للمسجد فالعلم عند الله ﷾ فهو العالم بكل شيء.