س: ما قول علمائنا الأجلاء فيمن يسب أو يشتم أصحاب رسول الله ﵌ وفي نفس الوقت ينكر كون عثمان ﵁ من أهل بدر وبيعة الرضوان؟
جـ: اعلم بأنه لا ينبغي لأيِّ مسلم أن يخوض في مسألة الصحابة الأجلاء ولا أن يشغل فكره حول هؤلاء الأعلام فضلًا عن أن يقدح في عدالتهم أو يشتمهم أو يسبهم ولا سيما السابقون الذين سبقوا غيرهم بالإيمان وخصوصًا الخلفاء الراشدين ﵃ الذين قد أخبرنا الله بأنه قد رضي عنهم في القرآن الكريم الذي أنزل على رسول الله ﵌ من فوق سبع سماوات حيث وهم ممن بايعوا رسول الله ﵌ تحت الشجرة، أما (أبو بكر وعمر وعلى) ﵃ فقد بايعوا النبي ﵌ بأنفسهم، وأما (عثمان بن عفان) ﵁ فقد بايع عنه رسول الله ﵌ بيده الشريفة المباركة وقال هذه عن (عثمان) لأنه كان مبعوث النبي ﵌ إلى قريش بل ما كانت البيعة هذه إلا بسبب ما كان أشيع عن (عثمان) ﵁ أن قريشًا قد حبسته في مكة، كما أنهم أيضًا من (أهل بدر) الذين قد أخبرنا النبي ﵌ بأنهم قد استحقوا المغفرة من الله تعالى حيث جاء في الحديث المرفوع إلى رسول الله ﵌ أنه قال: (لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) (^١) ولقد باشر الخلفاء الراشدون القتال في يوم بدر بأنفسهم إلا أمير المؤمنين (عثمان) ﵁ فقد كان له عذر ضروري كان سبب تأخره في المدينة هو البقاء عند زوجته (رقية) ﵂ في مرضها المخوف بأمر من رسول الله ﵌ حتى توفيت و(عثمان) عندها وجاء البشير بانتصار النبي وأصحابه على عصابة قريش إلى المدينة المنورة في الوقت الذي دفن الناس فيه السيدة (رقية) بنت رسول الله ﵌ في مثواها الأخير وقد عد النبي ﵌ (عثمان) من جملة أهل بدر وقسم له سهمًا مثل أصحابه أهل بدر حيث كان (عثمان) يعمل في حاجة رسول الله ﵌ بأمر رسول الله ﵌ وقد ذكر الإمام يحيى بن حمزة الحسيني ﵀ في رسالته المشهورة المسماة (الرسالة الوازعة للمعتدين عن سب أصحاب سيد
_________________
(١) صحيح البخاري: كتاب المغازي: باب فضل من شهد بدرا. حديث رقم (٣٨٩٥) بلفظ (عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قَالَ: بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَبَا مَرْثَدٍ الْغَنَوِيَّ وَالزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ وَكُلُّنَا فَارِسٌ قَالَ: انْطَلِقُوا حَتَّى تَأْتُوا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنَّ بِهَا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ مَعَهَا كِتَابٌ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إِلَى الْمُشْرِكِينَ فَأَدْرَكْنَاهَا تَسِيرُ عَلَى بَعِيرٍ لَهَا حَيْثُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، فقُلْنَا: الْكِتَابُ فَقَالَتْ: مَا مَعَنَا كِتَابٌ، فَأَنَخْنَاهَا فَالْتَمَسْنَا فَلَمْ نَرَ كِتَابًا، فَقُلْنَا: مَا كَذَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَتُخْرِجِنَّ الْكتاب َلَمَّا رَأَتْ الْجِدَّ أَهْوَتْ إِلَى حُجْزَتِهَا وَهِيَ مُحْتَجِزَةٌ بِكِسَاءٍ فَأَخْرَجَتْهُ، فَانْطَلَقْنَا بِهَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: مَا حَمَلَكَ عَلَى مَا صَنَعْتَ؟ قَالَ حَاطِبٌ: وَاللَّهِ مَا بِي أَنْ لَا أَكُونَ مُؤْمِنًا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ﷺ، أَرَدْتُ أَنْ يَكُونَ لِي عِنْدَ الْقَوْمِ يَدٌ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهَا عَنْ أَهْلِي وَمَالِي، وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِكَ إِلَّا لَهُ هُنَاكَ مِنْ عَشِيرَتِهِ مَنْ يَدْفَعُ اللَّهُ بِهِ عَنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: صَدَقَ وَلَا تَقُولُوا لَهُ إِلَّا خَيْرًا، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّهُ قَدْ خَانَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ فَدَعْنِي فَلِأَضْرِبَ عُنُقَهُ، فَقَالَ: أَلَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ؟ فَقَالَ: لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ، فَدَمَعَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ). أخرجه مسلم في فضائل الصحابة، والترمذي في تفسير القرآن، وأبو داود في الجهاد، وأحمد في مسند العشرة المبشرين بالجنة.
[ ١ / ٥٦ ]
المرسلين) كلامًا جيدًا حول هذا الموضوع، فأنا أنصح كل من ينال من أصحاب رسول الله ﵌ ومن خلفائه الراشدين ويزعم أن ذلك هو مذهب أهل بيت النبي أو أنه مذهب علماء الزيدية أو مذهب الإمام (زيد بن علي) فعليه أن يطلع على هذا الكتاب وسيعرف أن مذهب أهل البيت برئ من ذلك براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وأنصح من يريد أن يرشد الجاهل الذي يظن أن شتمه للسلف الصالح ولحلقة الوصل بين رسول الله ﵌ وبين أمته إلى التأمل لما جاء في كتاب الله تعالى من الثناء عليهم من الآيات القرآنية في سورة الفتح في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (^١) وقوله تعالى ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ … أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٢) وفي غيرها ولما جاء في السنة المطهرة من المدح العظيم لهم وإملاء ذلك كله على من في قلبه مرض عسى أن يهديه الله وينفع به وأحذره من الكلام الخشن والعبارات القاسية التي قد تضر ولا تنفع ومن أحسن ما يتلى على من يبقي في قلبه نوع من الاعتقاد السيئ في خلفاء رسول الله ﵌ هو باب مناقب الصحابة من كتاب (مجمع الزوائد) للحافظ (الهيثمي) أو كتاب (در السحابة في مناقب الصحابة) للحافظ (الشوكاني) رحمه الله تعالى.
س: ما هو حكم الإسلام فيمن يرتكب جريمة سبِّ الصحابة رضوان الله عنهم وخصوصًا الخلفاء الراشدين؟
جـ: أعلم بأنه ورد في الحديث (سبابُ المسلم فُسوقٌ وقِتالُهُ كفرٌ) (^٣) ولذلك فإن سبَّ المسلم حرام شرعًا ولا سيما من كان من أصحاب النبي الذين وصفهم الله في القرآن بأنهم أشداء على الكفار رحماء بينهم كما تشير إلى ذلك الآية الكريمة ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ … أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ (^٤) وخصوصًا من كان من السابقين الأولين إلى الدخول في الإسلام الذين بايعوا محمدا ﵌ عند أن كان الإسلام غريبًا وهم الذين قال الله فيهم ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ (^٥) أو كانوا ممن بايعوا النبي بيعة الرضوان حيث صرَّح القرآن الكريم بأن الله قد رضي عنهم في قوله تعالى ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (^٦) أو كانوا من أهل بدر الذين أخبر
_________________
(١) - الفتح: آية (١٨)
(٢) - الفتح: آية (٢٩)
(٣) - صحيح البخاري: كتاب الفتن: باب قول النبي سباب المسلم فسوق. حديث رقم (٦٩٢٢) بلفظ (قال عبدُ الله: قال النبيُّ -ﷺ-: سبابُ المسلم فُسوقٌ وقِتالُهُ كفرٌ).
(٤) - الفتح: (٢٩)
(٥) - التوبة: آية (١٠٠)
(٦) - الفتح: آية (١٨)
[ ١ / ٥٧ ]
النبي أنهم ممن غفر الله لهم حيث قال (لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) (^١) أو كانوا من العشرة المبشرين بالجنة وذلك مثل الخلفاء الراشدين حيث أنهم من السابقين الأولين، ومن أهل بيعة الرضوان، ومن أهل بدر، ومن العشره المبشرين بالجنة فمن سبَّهم أو سبَّ بعضهم فهو عاصٍ لله وعاصٍ لرسول الله ﵌ لأنه خالف ما جاء في القرآن من الثناء على الصحابة عمومًا وعلى السابقين الأولين على جهة الخصوص لا سيما من كان من أهل بيعة الرضوان أومن أهل بدر فإن السابَّ لهم أو لأحدهم يخالف النص القرآني المقدس والنص النبوي الشريف، فالقرآن يقول ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ (^٢) فالسابَّ لهم أو لبعضهم يشتم من ﵃ ويسبُّ من أثنى عليهم القرآن والسنة كما أنهم يسيئون الظن بمن أخبر النبي أنهم من أهل الجنة وبأن الله قد اطلع عليهم فقال (لَعَلَّ اللَّهَ اطَّلَعَ إِلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ وَجَبَتْ لَكُمْ الْجَنَّةُ، أَوْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ) (^٣) علمًا أن الخلفاء الراشدين جميعًا كانوا من السابقين الأولين ومن أهل بدر ومن أهل بيعة الرضوان وممن أخبر النبي أنهم من أهل الجنة، ولا يضر (عثمان) أنه لم يشهد بدرًا فقد تأخر بأمر النبي ليكون بجانب زوجته بنت النبي صلوات الله وسلامه عليه التي اشتد مرضها في يوم خروج النبي ﵌ لغزوة بدر وتوفيت في مرضها وجاء الخبر بانتصار المسلمين على المشركين عقيب دفنها.