إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونسترشده ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فهو المهتدي ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﵌، أما بعد:
فيسرني أن أقدم لطلاب العلم خصوصا وللمسلمين عموما الطبعة الثانية من كتاب (نيل الأماني من فتاوى القاضي العلامة/ محمد بن إسماعيل العمراني) رحمه الله تعالى ورفع مقامه مع النبيين والصديقين في جنات النعيم، ونفع الله بعلمه الإسلام والمسلمين، وتتميز هذه الطبعة عن الطبعة الأولى بميزتين مفيدتين هما:
الأولى: إضافة عدد من الفتاوى الجديدة التي لم تتضمنها الطبعة الأولى، وقد أضيفت في معظم كتب وأبواب الكتاب، وقد تبلغ نسبة الفتاوى الجديدة المضافة ٢٠% من مجموع الفتاوي التي اشتمل عليها الكتاب، وقد حصلت على الفتاوى المضافة من الأخ المرحوم العزي (محمد الجومري) الذي كان طالب علم متميز عند فضيلة صاحب الفتاوى، ومن تميزه أنه كان يحرص على تصوير معظم أوراق الفتاوى التي كان يجيب عليها فضيلة صاحب الفتاوى لمدة خمسة عشر سنة أو أكثر، وقبل وفاته بمدة سلَّم لي صور أوراق الفتاوى التي كان محتفطًا بها لفرزها وحذف المكرر منها وإدخال مالم يكن قد دخل منها في كتاب (نيل الأماني - الطبعة الأولى) ليستفيد منها طلاب العلم وعامة المسلمين فرحمه الله تعالى وأجزل ثوابه وجعل ما احتفظ به علمًا يُنتفع به يلحقه ثوابه بعد موته.
الثانية: إعادة ترتيب المسائل في كثير من كتب وأبواب الكتاب حيث تم ترتيب الأسئلة بوضع السؤال والجواب تحت العنوان المناسب له، ووضع الأسئلة المتحدة في المعنى عقيب بعضها ما أمكن ذلك، وبهاتين الميزتين ولا سيما إضافة الفتاوى الجديدة تكون الطبعة الثانية أكثر فائدة وأكثر علمًا من الطبعة الأولى لطلاب العلم ولكل من يطلع عليها من الذكور والأناث، وقد تمت مراجعته لغويًا لتقليل الأخطاء اللغوية، وقد تم حذف أرقام الأحاديث من التخريج لعدم مطابقة الأرقام لبعض نسخ الأحاديث في كتب الحديث التسعة، وتمت مراجعة الأدلة وتم استبدال نصوص الأحاديث غير المشكلة بالنصوص المشكلة في معظم الأحاديث.
فهذا كتاب (نيل الأماني) في طبعته الثانية لاشتماله على كثير من الفتاوى الجديدة التي لم تكن في طبعته الأولى ولكون مسائله معتمدة على نصوص القرآن الكريم وأصح الأدلة من الأحاديث النبوية ومعظمها مما في (صحيح البخاري وصحيح مسلم) ولتحرر مسائله من التقيد بأيِّ مذهب من المذاهب الفقهية فهو صالح لأن يكون منهجًا لتعلم فقه (العبادات والمعاملات) المستنبطة من نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية الصحيحة فهو بحق وحقيقة يصدق عليه مسمى (فقه السنة) وهو صالح لأن يكون منهجًا ومرجعًا لتعلم وتعليم الفقه الإسلامي المستقل عن التمذهب في مساجد اليمن ومراكزه العلمية خاصة ومساجد ومراكز العالم الإسلامي عامة لصلاحيته أن يكون بديلًا عن الفقه المذهبي الشيعي والسني لأنه فقه يوحد الأمة ويسهِّل تحقق اعتصامها (بحبل الله المتين) المتمثل في نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة الصحيحة الذي أمر الله جميع المسلمين
[ ١ / ٣ ]
بالتمسك به في قوله تعالى ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ (^١) وقوله تعالى ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ (^٢) في الآيتين دلالة على وجوب التمسك بنصوص الوحي الإلهي قرآنًا وسنةً في مسائل (الاعتقاد والعبادات والمعاملات والأخلاق والعلاقات) وغيرها من أمور الدين، ودلالة على وجوب تقديم نصوص الوحي الإلهي على نصوص متون وشروح المذاهب الفقهية في التعلم والتعليم والعمل ولاسيما الأراء الفقهية التي تخالف نصوص القرآن والسنة مخالفة واضحة صريحة لأن هذه الآراء المخالفة هي من الباطل الذي لُبِّس بالحق، وتعلمها وتعليمها والعمل بها حرام للنهي عنها في قوله تعالى ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ (^٣) وقد توعدالله كل من يقدم آراء واجتهادات أئمة المذاهب الفقهية أو الطوائف المنتسبة للإسلام على هدي الله المتمثل في نصوص الوحي الإلهي بسلب الولاية والنصرة منه كما في قوله تعالى ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (^٤) والإجتهادات المخالفة لنصوص الوحي الإلهي ومقاصدها في كتب متون وشروح المذاهب الفقهية وكتب الطوائف المنتسبة للإسلام هي من (أهواء الذين لايعلمون) التي حرم الله اتباعها في التعلم والتعليم والعمل في قوله تعالى ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨) إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ﴾ (^٥)، بينما من المعلوم لدى كل الناس أن الفقه المذهبي فرَّق الأمة ومزقها شر ممزق وولَّد بين أبنائها العداوة والبغضاء التي هي أعظم غاية للشيطان الرجيم المبينة في قوله تعالى ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ (^٦) وتعلُّم الفقه وتعليمه من كتب متون وشروح نصوص المتون في المذاهب الفقهية الشيعية والسنية التي قد لا يعرف المعلم ولا المتعلم أن ما يعلِّمه أويتعلَّمه هو مراد الله وهديه في أيِّ مسألة من المسائل الفقهية التي اشتملت عليها كتب المتون والشروح لجهل المعلم والمتعلم بمعظم أدلتها من نصوص القرآن والسنة، ولأن بعضها يوافق الأدلة من نصوص القرآن والسنة وبعضها يخالف نصوص القرآن ونصوص السنة الصحيحة، فهذا المنهج في تعلم وتعليم الفقه من كتب متون وشروح المذاهب الفقهية الشيعية والسنية هو تحقيق لطاعة الشيطان في أهم مقصد من مقاصده في إغواء البشر وإضلالهم عن إتباع هدى الله عزوجل وهو القول على الله بغير علم، وقد حذر الله العباد من طاعة الشيطان في القول على الله في الدين بغير علم في قوله تعالى ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٧) وتعلم مسائل الفقه من متون وشروح المذاهب الفقهية التي لاتنص ولا تذكر أدلة المسأئل التي اشتملت عليها بأدلتها من نصوص القرآن والسنة هو من القول على الله بغير علم وهو أعظم طاعة وعون للشيطان الرجيم في صرف العباد عن صراط الله المستقيم الذي أمرهم باتباعه في قوله تعالى ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا
_________________
(١) - آل عمران: آية (١٠٣)
(٢) - الزخرف: آية (٤٣)
(٣) - البقرة: آية (٤٢)
(٤) - البقرة: آية (١٢٠)
(٥) - الجاثية: آية (١٩، ١٨)
(٦) - المائدة: آية (٩١)
(٧) - البقرة: آية (١٦٩).
[ ١ / ٤ ]
السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (^١) كما أنه أعظم وسيلة لتضليل العباد عن هدى الله وإبعادهم عنه، وسيحمل المعلمون أوزارهم ومعها أوزار من يعلمونهم ويضللونهم بغير علم وقد حذرهم الله من هذه العاقبة والعقوبة في قوله تعالى ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً … يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ﴾ (^٢) وقوله تعالى ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ (^٣)، وقد بين الله عزوجل أن القول على الله بغير علم من أكبر كبائر الإثم التي تساوي ذنب الإشراك بالله ﷿ وتزيد عليه في الإثم والعقاب في قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ (^٤) الآية رتبت الذنوب من الأخف إلى الأغلظ ومن الأدنى إلى الأعلى وجعلت القول على الله بغير علم أغلظ وأشد وأعلى من الإشراك بالله تعالى، وذنب الإشراك بالله تعالى كبير عند الله بل من أكبر الكبائر وهو ذنب لايغفر الله لفاعله ويحرمه من دخول الجنة ويستوجب له الخلود في نار جهنم وهذه العقوبة واضحة في قوله تعالى ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ (^٥) وهويستوجب إحباط حسنات فاعله من أيِّ عمل صالح كان يفعله لقوله تعالى ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (^٦) وهو يستوجب لفاعله وصف الضلال البعيد عن هدى الله المتمثل في نصوص القرآن والسنة الصحيحة لقوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ (^٧)، وذنب القول على الله بغيرعلم هو أشد من ذنب الإشراك بالله تعالى وهو يستوجب لفاعله غضب الله ومقته وسخطه، وعقابه أكبر من عقاب ذنب الإشراك بالله تعالى لترتيبه بعد الإشراك بالله تعالى في قوله تعالى ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وهذا كتاب (نيل الأماني) معظم مسائله مدعمة بنصوص القرآن والسنةالصحيحة وبهذه الميزة يطمئن المعلِّم والمتعلِّم لمسائله لأنه يعلم ويتعلم مراد الله عزوجل المبين في نصوص الوحي الإلهي من نصوص القرآن الكريم ونصوص السنة النبوية الصحيحة، ولعلمي بحاجة الأمة إليه في كل مكان وفي كل زمان للتفقه في أمور دينها فقد أذنت إذنًا مطلقًا لكل من يريد طبعه ونشره لعموم المسلمين مجانًا سواءًا وزارات الأوقاف في الدول الإسلامية أو أيِّ جهة رسمية أو أهلية أو أي فاعل خير يريد طبعه وتوزيعه مجانًا على المساجد والمراكز العلمية أو على أئمة المساجد والخطباء والعلماء وطلاب العلم والدعاة وغيرهم أو لجميع الجهات الرسمية والأهلية، ولايحتاج إلى مؤاذنتي في الطبع أو النشر لا خطيًا ولا شفهيًا، كما أنني قد أذنت إذنًا مطلقًا لكل من يريد ترجمته إلى أيِّ لغة غير اللغة العربية موصيًا من يترجمه بالتحري الشديد وتوخي الدقة والأمانة في نقل المعاني التي تضمنتها الألفاظ العربية بدون زيادة ولانقصان، ولايحتاج إلى مؤاذنتي لا في الترجمة ولا في النشر ولا في التوزيع، هذا وإني لأحتفظ بحقوق الطبع التجاري فلا يحق لأحد يريد طبعه لبيعه
_________________
(١) - الأنعام: آية (١٥٣)
(٢) - النحل: آية (٢٥).
(٣) - العنكبوت: آية (١٣).
(٤) - الأعراف: آية (٣٣).
(٥) - المائدة: آية (٧٢).
(٦) - الزمر: آية (٦٥)
(٧) - النساء: آية (١١٦).
[ ١ / ٥ ]
بالثمن إلا بإذن مني، أسأل الله عزوجل أن ينفع بهذه الطبعة كما نفع بالطبعة الأولى إنه ولي ذلك والقادر عليه، وسبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم، حرر في يوم الجمعة الثامن والعشرين من شهر شعبان من عام ألف وأربعمائة وأربعين من هجرة الرسول ﷺ، وتم الفراغ من مراجعته وتجهيزه للطبع والنشر يوم الإثنين الحادي عشر من شهر ربيع الثاني من عام ألف وأربعمائة وثلاثة وأربعين من هجرة الرسول ﷺ، الموافق السادس عشر من شهر نوفمبر من عام (٢٠٢١) م …
جامع الفتاوى
الشيخ/ عبد الله بن قاسم بن هادي ذيبان
[ ١ / ٦ ]