لم يعد يخفى على كثير من الناس الجماعات الإسلامية على ساحة العمل الإسلامي وما نتج عنها فهي تنخر في جسم الأمة على ما أصابها من أمراض الفرقة والتشرذم فزادتها وهنًا على وهنها، وجرَّأت عليها أعداءها فهي الآن بهذه الأمراض مجتمعة لقمة سائغة لأعدائها، وجندت بعض الجماعات أفرادها للنيل من الجماعات الأخرى لتوسيع الهوة بينها فاحتار العامة في أمرها ولم يعد الحق يتبين مع أيٍّ منها، وغصت المكتبات بالكتب والرسائل والبحوث الداعية إلى هذه الجماعات ففرح الأعداء والمغرضون فأصبحوا يذكون روح الخلاف والشقاق بينها.
وأصبح الكل ينادي بالاعتصام بالكتاب والسنة ولكن لا فائدة مرجوة من هذه الجماعات التي تذكي هذه الروح بين المسلمين، والعلماء قد بينوا الحق ولكن الآذان صماء والقلوب غلف والأعين عمياء ويقف القاضي (محمد بن إسماعيل العمراني) موقف العالم الناصح والمرشد المشفق على جميع من في الساحة ممن ينتسبون إلى الإسلام فينادي بأعلى صوته (ألا إن من أوجب الواجبات في هذا العصر وحدة الصف والجماعة، وإن التفرقة من أقبح البدع وأشنعها).
ولا يكاد يمر درس من دروسه إلا ويبدي النصح والإرشاد والتوجيه للجماعات والإنكار على كل من يسعى للتفرقة والتحزب والدعوة إلى غير هدي المؤمنين.
وكم كرر النصح وطرق على المقولة المشهورة (فلنجتمع على ما اتفقنا عليه من المسائل وليعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا عليه من المسائل الفرعية الجزئية)، وطالما بيَّن لطلابه أن المسائل التي يختلف عليها أهل المساجد في زماننا هذا إنما هي مسائل ظنية وليست من المسائل القطعية، وهذا من أخطر المحضورات الشرعية، ويتسم موقفه بوضوح في الحياء التام من الجماعات وعدم مهاجمة أيًا منها وهوما أكسبه حرص كل الجماعات أن يكون منتسبا فيها، فكثيرًا ما يدعى إلى ندوة أو مؤتمر تعقده الجماعة الفلانية فيذهب والحرج باد عليه.