يقول السائل: إذا قامت لجنة الزكاة بجمع الزكاة فهل المطلوب منها أن توزع الزكاة على جميع المستحقين للزكاة من الأصناف المذكورين في آية مصارف الزكاة؟
الجواب: بين الله ﷾ مصارف الزكاة وحصرها في ثمانية مصارف، فقال تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاِبْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (سورة التوبة الآية ٦٠.
وقد اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز صرف الزكاة إلا لهذه الأصناف التي ذكرت في الآية الكريمة ولكنهم اختلفوا بعد ذلك هل يجب استيعاب هذه المصارف؟ أم أنه يجوز الصرف لبعض هذه المصارف دون بعض. والذي عليه أكثر أهل العلم أنه لا يجب صرف الزكاة لجميع الأصناف المذكورين في الآية ويجوز صرفها إلى صنف واحد وهذا قول الحنفية والمالكية والحنابلة ومنقول عن جماعة كثيرة من الصحابة والتابعين.
قال الشيخ ابن قدامة المقدسي شارحًا قول الخرقي: [وإن أعطاها كلها في صنف واحد أجزأه]، قال: [وجملته أنه يجوز أن يقتصر على صنف واحد من الأصناف الثمانية ويجوز أن يعطيها شخصًا واحدًا. وهو قول عمر وحذيفة وابن عباس وبه قال سعيد بن جبير والحسن
[ ١١٢ ]
والنخعي وعطاء وإليه ذهب الثوري وأبو عبيد وأصحاب الرأي] المغني ٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩.
وقال الإمام النووي: [وقال الحسن البصري وعطاء وسعيد بن جبير والضحاك والشعبي والثوري ومالك وأبو حنيفة وأحمد وأبو عبيد له صرفها إلى صنف واحد قال ابن المنذر وغيره وروي هذا عن حذيفة وابن عباس قال أبو حنيفة وله صرفها إلى شخص واحد من أحد الأصناف قال مالك ويصرفها إلى أمسهم حاجة وقال إبراهيم النخعي إن كانت قليلة جاز صرفها إلى صنف وإلا وجب استيعاب الأصناف] المجموع ٦/ ١٨٦.
وقال أبو عبيد القاسم بن سلام: باب تفريق الصدقة في الأصناف الثمانية وإعطائها بعضهم دون بعض، ثم روى بإسناده عن حذيفة ﵁ قال: [إذا وضعت الزكاة في صنف واحد من الأصناف الثمانية أجزأك. قال أبو معاوية: قال حجاج وسألت عطاء عن ذلك فقال لا بأس به، قال: حدثنا عن سعيد بن جبير وعن عطاء قالا إذا وضعتها في صنف واحد أجزأك وعن ابن عباس أنه قال: إذا وضعتها في صنف واحد من هذه الأصناف فحسبك إنما قال الله ﵎: (إِنَّمَا الصَّدَقاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ (وكذا وكذا لئلا يجعلها في غير هذه الأصناف وعن الحسن قال: إنما الزكاة علم حيث وضعت أجزأت عنك. وقال عكرمة: فرقها في الأصناف.
[ ١١٣ ]
وعن إبراهيم قال: إذا كان المال ذا مز - أي كثيرًا - ففرقه في الأصناف وإذا كان قليلًا فأعطه صنفًا واحدًا] الأموال ص ٦٨٨ - ٦٨٩. وروى البيهقي نحو ذلك عن سعيد بن جبير وعطاء وابراهيم النخعي والحسن البصري. انظر سنن البيهقي ٧/ ٨.
وقال الطحاوي والحافظ ابن عبد البر: [لا نعلم لابن عباس وحذيفة في ذلك مخالفًا من الصحابة.
وقال أبو بكر الرازي - الجصاص - روي ذلك عن عمر وحذيفة وابن عباس ولا يروى عن أحد من الصحابة خلافه] الجوهر النقي ٧/ ٧.
وقال الكمال ابن الهمام: [إن ذلك قد ورد عن سعيد بن جبير وعطاء بن أبي رباح وإبراهيم النخعي وأبي العالية وميمون بن مهران بأسانيد حسنة] شرح فتح القدير ٢/ ٢٠٦.
ونقل شيخ الإسلام ابن تيمية قول الإمام أبي جعفر الطبري [عامة أهل العلم يقولون: للمتولي قسمتها ووضعها في أي الأصناف الثمانية شاء وإنما سمَّى الله الأصناف الثمانية إعلامًا منه أن الصدقة لا تخرج من هذه الأصناف إلى غيرها لا إيجابًا لقسمتها بين الأصناف الثمانية وروى بإسناده عن حذيفة وعن ابن عباس أنهما قالا: إن شئت جعلته في صنف أو صنفين أو ثلاثة. قال وروى عن عمر أنه قال: أيما صنف أعطيته أجزأك وروى عنه أنه كان عمر يأخذ الفرض في الصدقة فيجعله في الصنف الواحد وهو قول أبي العالية
[ ١١٤ ]
وميمون بن مهران وإبراهيم النخعي] مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية ٢٥/ ٤٠.
ويدل لما ذهب إليه جمهور أهل العلم من جواز إعطاء صنف واحد من أصناف الزكاة وأنه لا يجب تعميمها على الأصناف الثمانية ما قاله القرطبي: [وتمسك علماؤنا بقوله تعالى: (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ (سورة البقرة الآية ٢٧١. والصدقة متى أطلقت في القرآن فهي صدقة الفرض] تفسير القرطبي ٨/ ١٦٨. ومراد القرطبي أن الآية لم تذكر إلا صنفًا واحدًا - الفقراء - من الأصناف الثمانية.
واحتج الشيخ ابن قدامة المقدسي لقول الجمهور بحديث معاذ ﵁ لما بعثه النبي ﷺ إلى اليمن فقال: [(أعلمهم أن عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم) فأخبر أنه مأمور برد جملتها في الفقراء وهم صنف واحد ولم يذكر سواهم ثم أتاه بعد ذلك مال فجعله في صنف ثان سوى الفقراء وهم المؤلفة: الأقرع بن حابس وعينية بن حصن وعلقمة ابن علاثة وزيد الخيل قسّم فيهم الذهبية التي بعث بها إليه علي من اليمن وإنما يؤخذ من أهل اليمن الصدقة ثم أتاه مال آخر: فجعله في صنف آخر لقوله لقبيصة بن المخارق حين تحمل حمالة فأتى النبي ﷺ يسأله فقال: (أقم يا قبيصة حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) وفي حديث سلمة بن صخر البياضي: أنه أمر له بصدقة قومه ولو
[ ١١٥ ]
وجب صرفها إلى جميع الأصناف لم يجز دفعها إلى واحد] المغني ٢/ ٤٩٩.
وحديث معاذ الذي ذكره ابن قدامة رواه البخاري ومسلم، وأما حديث الذهبية فهو ما رواه مسلم عن أبي سعيد الخدري قال: (بعث علي ﵁ وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله ﷺ فقسمها رسول الله ﷺ بين أربعة نفر الأقرع بن حابس الحنظلي وعينية بن بدر الفزاري وعلقمة بن علاثة العامري ثم أحد بني كلاب وزيد الخير الطائي ثم أحد بني نبهان فغضبت قريش فقالوا: أيعطي صناديد نجد ويدعنا فقال رسول الله ﷺ: إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم ) الحديث، فالنبي ﷺ أعطى هؤلاء المؤلفة قلوبهم فقط ولو كان استيعاب الأصناف واجبًا لاستوعبها.
وأما حديث قبيصة فهو ما رواه مسلم بإسناده عن قبيصة بن مخارق الهلالي قال: (تحملت حمالة فأتيت رسول الله أسأله فيها فقال: أقم حتى تأتينا الصدقة فنأمر لك بها) قال: ثم قال: يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو قال سدادًا من عيش ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه لقد أصابت فلانًا فاقة فحلت له المسألة حتى يصيب قوامًا من عيش أو قال سدادًا
[ ١١٦ ]
من عيش فما سواهن من المسألة يا قبيصة سحتًا يأكلها صاحبها سحتًا) صحيح مسلم مع شرح النووي ٣/ ١١٠.
والشاهد في هذا الحديث أن النبي ﷺ دفع الزكاة إلى صنف واحد، بل إلى شخص واحد من مصرف واحد وهو مصرف الغارمين، وأما حديث سلمة بن صخر البياضي فقد جاء فيه أنه قد ظاهر من زوجته ثم واقعها ثم ذهب إلى رسول الله ﷺ يطلب عونه في الكفارة فقال له رسول الله: (انطلق إلى صاحب صدقة بني زريق فليدفعها إليك) رواه أبو داود والترمذي وقال الترمذي حديث حسن. والشاهد في هذا الحديث كسابقه أن النبي ﷺ أمر بدفع الزكاة لصنف واحد بل لشخص واحد.
قال العلامة صديق حسن خان: [والحاصل أن الله سبحانه جعل الصدقة مختصة بالأصناف الثمانية غير سائغة لغيرهم واختصاصها بهم لا يستلزم أن تكون موزعة بينهم على السوية ولا أن يقسط كل ما حصل من قليل أو كثير عليهم بل المعنى أن جنس الصدقات لجنس هذه الأصناف من وجب عليه شيء من جنس الصدقة ووضعه في جنس الأصناف فقد فعل ما أمره الله به وسقط عنه ما أوجبه الله عليه] الروضة الندية ١/ ٥٣٤.
وخلاصة الأمر في هذه المسألة أنه يجب أخذ الأمور الآتية بالاعتبار عند توزيع الزكاة من قبل لجان الزكاة أو من الأفراد: أولًا: إذا كان مال الزكاة كثيرًا فينبغي تعميم المال على المصارف الثمانية إذا وجدت. قال الشيخ ابن قدامة: [فإن المستحب صرفها إلى جميع
[ ١١٧ ]
الأصناف أو إلى من أمكن منهم لأنه يخرج بذلك عن الخلاف ويحصل الإجزاء يقينًا] المغني ٢/ ٤٩٩. وهذا ما رجحه الدكتور يوسف القرضاوي إذا كانت الزكاة توزع من قبل إمام المسلمين.
ثانيًا: إذا كان المال قليلًا فيعجبني ما ذهب إليه إبراهيم النخعي حيث قال: [إذا كان المال ذا مز -أي ذا فضل وكثرة- ففرقه في الأصناف وإذا كان قليلًا فأعطه صنفًا واحدًا] الأموال ص ٦٨٩.
فإذا كان لدى شخص ألف دينار فزكاتها خمسة وعشرون دينارًا فأرى له أن يعطيها فقيرًا واحدًا أو مسكينًا واحدًا ولا أرى له أن يفرقها لقلة النفع بها حينئذ.
ثالثًا: إذا كان في أحد الأصناف الثمانية حاجة ماسة وظاهرة فينبغي العناية بالصرف إليه وهذا ما ذهب إليه الإمام مالك حيث إنه يرى أنه إن وجدت الأصناف كلها فينبغي إيثار أهل الحاجة. الذخيرة ٣/ ١٤٩.
رابعًا: قال الدكتور يوسف القرضاوي: [ينبغي أن يكون الفقراء والمساكين هم أول الأصناف الذين تصرف لهم الزكاة، فإن كفايتهم وإغنائهم هو الهدف الأول للزكاة حتى إن الرسول ﷺ لم يذكر في حديث معاذ وغيره إلا هذا المصرف: (تؤخذ من أغنيائهم فترد على فقرائهم) وذلك لما لهذا المصرف من أهمية خاصة] فقه الزكاة ٢/ ٦٩٣.
«(
[ ١١٨ ]