يقول السائل: ما هو الأساس الذي يبنى عليه تقدير قيمة صدقة الفطر؟
الجواب: صدقة الفطر واجبة كما هو معلوم فقد ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: (فرض رسول الله ﷺ زكاة الفطر صاعًا من تمر أو صاعًا من شعير على الذكر والأنثى والحر والعبد والكبير والصغير من المسلمين) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: [كنا نخرج زكاة الفطر صاعًا من طعام أو صاعًا من شعير أو صاعًا من تمر أو صاعًا من إقط أو من زبيب] رواه البخاري ومسلم. وقد نقل ابن المنذر إجماع العلماء على وجوب صدقة الفطر.
وقد أجاز جماعة من أهل العلم إخراج القيمة في صدقة الفطر وقد نقل هذا القول عن جماعة من الصحابة والتابعين منهم الحسن البصري وعمر بن عبد العزيز وهو مذهب الثوري وأبي حنيفة وأبي يوسف وبه العمل وعليه الفتوى عند الحنفية وهو أرجح أقوال أهل العلم في المسألة كما سبق وأن بينت ذلك مفصلًا في الجزء الأول.
وتقدير القيمة يكون بناء على قيمة الأصناف المذكورة في الحديث ولكن ينبغي أن يعلم أن هذه الأصناف التي ذكرت في الحديث ليست على سبيل التعيين وإنما لأنها كانت غالب قوت الناس في المدينة على عهد النبي ﷺ.
[ ١٦٩ ]
ويدل على ذلك ما ثبت في صحيح البخاري من حديث أبي سعيد الخدري ﵁: (كنا نخرجها في عهد رسول الله ﷺ صاعًا من طعام وكان طعامنا يومئذ التمر والزبيب والشعير). [فقوله من طعام فيه إشارة إلى العلة وهي أنها طعام يؤكل ويطعم ويرجح هذا ويقويه قول النبي ﷺ: (أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم) وهذا الحديث وإن كان ضعيفًا لكن يقويه حديث ابن عباس ﵁: (فرضها -أي زكاة الفطر- طهرة للصائم من اللغو والرفث وطعمة للمساكين) وعلى هذا فإن لم تكن هذه الأشياء من القوت كما كانت في عهد الرسول ﷺ فإنها لا تجزئ]. الشرح الممتع على زاد المستقنع ٦/ ١٨٠ - ١٨١.
لذلك ينبغي أن يكون تقدير القيمة على حسب غالب قوت البلد من الطعام وإن لم يكن مذكورًا في الحديث فمن المعلوم أن بعض البلاد يقتاتون غالبًا على الأرز فتخرج صدقة الفطر من الأرز أو قيمة الأرز.
قال الحطاب المالكي: [فذكر أنها تؤدى من أغلب القوت يعني أغلب قوت البلد الذي يكون فيه المخرج لها إذا كان ذلك الأغلب من المعشرات - ما تجب فيه الزكاة - أو من الإقط فإن اقتات أهل بلد غير المعشرات أخرجت زكاة الفطر مما يقتاتونه وأنها تؤدى من أغلب القوت من هذه الأصناف التسعة التي هي: القمح والشعير والسلت والتمر والزبيب والإقط والدخن والذرة والأرز فإن كان
[ ١٧٠ ]
غالب القوت في بلد خلاف هذه الأصناف التسعة من علس أو قطنية أو غير ذلك وشيء من هذه الأصناف موجود لم تخرج إلا من الأصناف التسعة فإن كان أهل بلد ليس عندهم شيء من الأصناف التسعة وإنما يقتاتون في غيره فيجوز أن تؤدى حينئذ من عيشهم ولو كان من غير الأصناف التسعة، قال في المدونة: قال مالك: وتؤدى زكاة الفطر من القمح والشعير والسلت والذرة والدخن والأرز والتمر والزبيب والإقط صاع من كل صنف منها ويخرج ذلك أهل كل بلد من جل عيشهم من ذلك والتمر عيش أهل المدينة ولا يخرج أهل مصر إلا القمح لأنه جل عيشهم إلا أن يغلو سعرهم فيكون عيشهم الشعير فيجزئهم] مواهب الجليل لشرح مختصر خليل ٣/ ٢٦٠ - ٢٦١.
وقال القرافي: [يخرج أهل كل بلد من غالب عيشهم ذلك الوقت وفي الجواهر قال أشهب: من عيشه هو وعيش عياله إذا لم يشح على نفسه وعليهم لنا: قوله ﵇: (أغنوهم عن سؤال هذا اليوم) والمطلوب لهم غالب عيش البلد وقياسًا على الغنم المأخوذ في الإبل قال سند: إن عدل عن غالب عيش البلد أو عيشه إلى ما هو أعلى أجزأ وإلى الأدنى لا يجزئ عند مالك وقال ابن حبيب: إن كان يأكل من أفضل القمح والشعير والسلت فأخرج الأدنى أجزأ وكان ابن عمر ﵁ يخرج التمر والشعير والسلت ويأكل البر واحتجوا بأن الخبر ورد بصيغة التخيير فيخير. جوابهم: أن أو فيه ليست للتخيير بل للتنويع ومعناه إن كان غالب العيش كذا فأخرجوه
[ ١٧١ ]
أو كذا فأخرجوه فهو تنويع للحال كما قال فيه حرًا أو عبدًا ذكرًا أو أنثى ويؤكد ذلك قوله ﷺ: (أغنوهم عن الطلب في هذا اليوم)] الذخيرة ٣/ ١٦٩.
وقال الخطيب الشربيني: [ويجب الصاع من غالب قوت بلده إن كان بلديًا وفي غيره من غالب قوت محله لأن ذلك يختلف باختلاف النواحي وقيل من غالب قوته على الخصوص وقيل يتخير بين جميع الأقوات فأو فى الخبرين السابقين على الأولين للتنويع وعلى الثالث للتخيير والمعتبر في غالب القوت غالب قوت السنة كما في المجموع لا غالب قوت وقت الوجوب خلافًا للغزالي في وسيطه] مغني المحتاج ٢/ ١١٧ - ١١٨.
وبناء على ما تقدم يظهر لنا أن الأصناف المذكورة في أحاديث صدقة الفطر ليست على التعيين وإنما هي من باب التمثيل لأنها كانت غالب قوت أهل المدينة على عهد النبي ﷺ فإن تقدير قيمة صدقة الفطر يكون على هذا الأساس وعليه فإن تقدير القيمة في بلادنا يكون على أساس القمح والطحين والأرز والخبز لأن هذه الأصناف هي غالب قوت أهل بلدنا فيؤخذ متوسط أسعار هذه المواد فيكون هو مقدار قيمة صدقة الفطر وقد جربت ذلك بنفسي اليوم فوجدت أن قيمة صدقة الفطر ستة شواكل تقريبًا أو دينار أردني إذا تقرر هذا فإنه لا يصح الادعاء بأن تقدير صدقة الفطر بالمبلغ المذكور سابقًا (ستة شواكل) غير صحيح وأن الصواب
[ ١٧٢ ]
أنه ثلاثة أضعافه لأن قائل هذا القول زعم أنه لا بد من الأخذ بعين الاعتبار ثمن صاع التمر وصاع الإقط عند تقدير قيمة صدقة الفطر.
فهذا الكلام مردود لأن التمر والإقط لا يعتبران قوتًا غالبًا في بلادنا فلذلك لا يدخلان في تقدير قيمة صدقة الفطر وتقديرها بستة شواكل هو الصحيح وهذا هو الحد الأدنى لصدقة الفطر فإن رغب أحد في أن يدفع أكثر من ذلك فلا حرج عليه بل هو زيادة في الخيرات. كما قال الله ﷾: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ (سورة البقرة الآية ١٨٤. ويدل على ذلك أيضًا ما ورد في الحديث عن أبي بن كعب ﵁ قال: (بعثني النبي ﷺ مصدقًا - أي لجمع الزكاة - فمررت برجل فلما جمع لي ماله لم أجد عليه فيه إلا ابنة مخاض فقلت له أدّ ابنة مخاض فإنها صدقتك فقال ذاك ما لا لبن فيه ولا ظهر ولكن هذه ناقة فتية عظيمة سمينة فخذها فقلت له ما أنا بآخذ ما لم أؤمر به وهذا رسول الله ﷺ منك قريب فإن أحببت أن تأتيه فتعرض عليه ما عرضت عليَّ فافعل فإن قبله منك قبلته وإن رده عليك رددته قال فإني فاعل فخرج معي وخرج بالناقة التي عرض عليَّ حتى قدمنا على رسول الله ﷺ فقال له: يا نبي الله أتاني رسولك ليأخذ مني صدقة مالي وأيم الله ما قام في مالي رسول الله ﷺ ولا رسوله قط قبله فجمعت له مالي فزعم أن ما عليَّ فيه ابنة مخاض وذلك ما لبن فيه ولا ظهر وقد عرضت عليه ناقة فتية عظيمة ليأخذها فأبى عليَّ
[ ١٧٣ ]
وها هي ذه قد جئتك بها يا رسول الله خذها فقال له رسول الله ﷺ: ذاك الذي عليك فإن تطوعت بخير آجرك الله فيه وقبلناه منك. قال: فها هي ذه يا رسول الله قد جئتك بها فخذها قال: فأمر رسول الله ﷺ بقبضها ودعا له في ماله بالبركة) رواه أبو داود وقال الشيخ الألباني حديث حسن انظر صحيح سنن أبي داود ١/ ٢٩٨.