يقول السائل: إنه وصي على يتيم وقد ورث عن أبيه مبلغًا كبيرًا من المال فهل تجب الزكاة في مال هذا اليتيم، أفيدونا؟
الجواب: الزكاة حق من حقوق المال، فتجب في كل مال تحققت فيه شروط الوجوب، بغض النظر عن مالك المال، فلا ينظر فيها إلى المالك فتجب الزكاة في مال البالغ وغير البالغ، وتجب في مال العاقل وغير العاقل على الراجح من أقوال أهل العلم، ويدل على ذلك عموم قوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا (سورة التوبة الآية ١٠٣، ويدل على ذلك أيضًا ما ورد في الحديث
[ ٤٤ ]
عن ابن عباس ﵄ (أن النبي ﷺ بعث معاذًا ﵁ إلى اليمن فقال: ادعهم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله قد افترض عليهم خمس صلوات في كل يوم وليلة، فإن هم أطاعوا لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة في أموالهم تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم) رواه البخاري ومسلم، وصح عن أبي بكر ﵁ أنه قال (والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال) رواه البخاري ومسلم.
والقول بوجوب الزكاة في مال الصبي يتيمًا كان أو غير يتيم، قال به جمهور الفقهاء، وحكى ابن المنذر وجوبها في مال الصبي عن عمر ابن الخطاب وعلي وابن عمر وجابر والحسن بن علي وعائشة وطاووس وعطاء وجابر بن زيد ومجاهد وابن سيرين وربيعة ومالك والثوري والحسن بن صالح وابن عيينة وعبيد الله بن الحسن وأحمد واسحق وأبي عبيد وأبي ثور وسليمان بن حرب ﵃، انظر المجموع ٥/ ٣٣١.
وقال الإمام النووي [الزكاة عندنا واجبة في مال الصبي والمجنون بلا خلاف، ويجب على الولي إخراجها من مالهما كما يخرج من مالهما غرامة المتلفات، ونفقة الأقارب وغير ذلك من الحقوق المتوجهة إليهما، فإن لم يخرج الولي الزكاة، وجب على الصبي والمجنون بعد البلوغ والإفاقة إخراج زكاة ما مضى، لأن الحق
[ ٤٥ ]
توجه إلى مالهما، لكن الولي عصى بالتأخير فلا يسقط ما توجه إليهما] المجموع ٥/ ٣٣٠.
ومما يدل على وجوب الزكاة في مال اليتيم ما روي في الحديث عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي ﷺ خطب الناس فقال: (ألا من ولي يتيمًا له مال فليتجر فيه ولا يتركه حتى تأكله الصدقة) رواه الترمذي وقال: إنما روي هذا الحديث من هذا الوجه وفي إسناده مقال لأن المثنى بن الصباح يضعف في الحديث، وروى بعضهم هذا الحديث عن عمرو بن شعيب أن عمر بن الخطاب فذكر هذا الحديث، وقد اختلف أهل العلم في هذا الباب فرأى غير واحد من أصحاب النبي ﷺ في مال اليتيم زكاة، منهم عمر وعلي وعائشة وابن عمر وبه يقول مالك والشافعي وأحمد وإسحق ] سنن الترمذي ٣/ ٣٢ - ٣٣. ويؤيده ما رواه الشافعي بسنده عن يوسف بن ماهك أن رسول الله ﷺ قال: (ابتغوا في مال اليتيم أو أموال اليتامى لا تذهبها ولا تستهلكها الصدقة) رواه الشافعي في الأم، والبيهقي في السنن الكبرى، وقال البيهقي: وهذا مرسل إلا أن الشافعي ﵀ أكده بالاستدلال بالخبر الأول وبما روي عن الصحابة ﵃. سنن البيهقي ٤/ ١٠٧.
وقال الإمام النووي [وقد أكد الشافعي ﵀ هذا المرسل بعموم الحديث الصحيح في إيجاب الزكاة مطلقًا، وبما رواه عن الصحابة في ذلك ورواه البيهقى عن عمر بن الخطاب ﵁ موقوفًا
[ ٤٦ ]
عليه وقال إسناده صحيح ورواه أيضًا عن علي بن مطرف وروى إيجاب الزكاة في مال اليتيم عن ابن عمر والحسن بن علي وجابر بن عبد الله ﵃] المجموع ٥/ ٣٢٩.
ويؤيد ذلك أيضًا ما رواه البيهقي بسنده عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة). وقال البيهقي هذا إسناد صحيح وله شواهد عن عمر ﵁. وقال مالك في الموطأ أنه بلغه عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: (اتجروا في أموال اليتامى لا تأكلها الصدقة). وما رواه البيهقي بسنده أن عمر بن الخطاب قال لرجل إن عندنا مال يتيم قد أسرعت فيه الزكاة فدفعه إليه ليتجر فيه له.
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [وروى البيهقي من حديث سعيد بن المسيب، عن عمر موقوفًا عليه مثله، وقال: إسناده صحيح. وروى الشافعي عن ابن عيينة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا أيضًا. وروى البيهقي من طريق شعبة، عن حميد بن هلال: سمعت أبا محجن أو ابن محجن وكان خادمًا لعثمان بن أبي العاص، قال: قدم عثمان بن أبي العاص على عمر ﵁، فقال له عمر: " كيف متجر أرضك؟ فإن عندي مال يتيم قد كادت الزكاة أن تفنيه ". قال: فدفعه إليه. وروى أحمد بن حنبل من طريق معاوية بن قرة، عن الحكم بن أبي العاص، عن عمر نحوه، ورواه الشافعي عن ابن عيينة، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا أيضًا. وروى مالك في الموطأ، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، قال: " كانت
[ ٤٧ ]
عائشة ﵂ تليني وأخًا لي يتيمًا في حجرها، وكانت تخرج من أموالنا الزكاة ". وروى الدارقطني والبيهقي وابن عبد البر ذلك، من طرق عن علي بن أبي طالب ﵁ وهو مشهور عنه] التلخيص الحبير ٢/ ١٥٨ - ١٥٩.
والقول بوجوب الزكاة في مال اليتيم هو المعروف عن الصحابة رضوان الله عليهم، قال العلامة المباركفوري: [لم يثبت عن أحدٍ من الصحابة ﵃ بسند صحيح عدم القول بوجوب الزكاة في مال الصبي] تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي٣/ ٢٣٩.
وخلاصة الأمر أن الزكاة تجب في مال اليتيم إذا تحققت فيه شروط الوجوب وأن الأحاديث الخاصة الواردة في ذلك، وإن كانت متكلمًا فيها فإن عموم أدلة وجوب الزكاة تؤيدها، ويؤيدها أيضًا ما ورد عن الصحابة رضوان الله عليهم كما سبق، وبناءً عليه فيجب على ولي اليتيم إخراج الزكاة عن مال اليتيم، ويعتبر الحول في أمواله من حين وفاة والده، لأنها بموت والده دخلت في ملك اليتيم.
«(
[ ٤٨ ]