كتب د. تيسير التميمي في جريدة القدس بتاريخ ٩/ ٢/١٩٩٨ تعليقًا على فتوى شيخ الأزهر المتعلقة بالبنوك، وأشار إلى المكانة التي يتبوؤها شيخ الأزهر، وطرح موضوع الفتوى للمناقشة لمن يهمه الأمر.
وقد كان يجول في خاطري منذ زمن أن أعلق على فتوى شيخ الأزهر، حول فوائد البنوك، إذ أنه قد طرح رأيه هذا منذ سنين مضت، ولكن كنت أحجم عن ذلك لأن عددًا من كبار العلماء قد ردوا على فتوى شيخ الأزهر ووضعوا في ذلك مؤلفات، مثل د. يوسف القَرضَاوي، ود. علي السالوس وغيرهما.
ولكن لما أعيد طرح هذه الفتوى مرة أخرى في الصحافة المحلية، أحببت أن أدلي بدلوي في هذا الموضوع، فأقول وبالله التوفيق:
ينبغي أن يعلم أن الحق لا يعرف بالرجال، وإنما الرجال هم الذين يعرفون بالحق، فصدور الفتوى من أي مرجع مهما كانت مكانة هذا المرجع، لا يعطيها صفة الحق والصواب، وإنما هذه الصفة تُستَمَد من الأدلة والمستندات التي تعتمد عليها تلك الفتوى، وقد قال الإمام مالك يرحمه الله: [كلٌ يؤخذ منه ويترك إلا الرسول ﷺ].
وإن كان صدور الفتوى من مرجع مرموق يتولى منصبًا رفيعًا، له أثر كبير على عامة الناس، ولكن ذلك لا يعني شيئًا كثيرًا عند أهل العلم، هذا من جهة، وأما من الجهة الأخرى، فإن الرد العلمي على فتوى شيخ الأزهر، لا يتسع له هذا المقام، حيث إنه يحتاج إلى صفحات وصفحات، وقد كفانا المؤونة العلماء الذين أشرت لهم، ولكن لا بأس بذكر بعض الأمور التي تلقي الضوء على إبطال الفتوى، فأبدأ أولًا بذكر ما صدر عن شيخ الأزهر الحالي صاحب هذه الفتوى
[ ٥٩ ]
عندما كان مفتيًا للديار المصرية، حيث إنه أصدر فتوى في تحريم فوائد البنوك، وأذكر هنا نص السؤال المقدم إليه، وجوابه عليه:
[سؤال ورد إلى دار الإفتاء من المواطن، يوسف فهمي حسين، وقيد برقم ٥١٥/ لسنة ١٩٨٩، يقول فيه: إنه قد أحيل على المعاش، وصرفت له الشركة التي كان يعمل فيها مبلغًا - أربعين ألف جنيه -، والمعاش الذي يتقاضاه لا يفي بحاجته الأسرية، ولأجل أن يغطي حاجيات الأسرة، وضع المبلغ في بنك مصر، في صورة شهادات استثمار بعائد شهري، حيث لم يعد هناك أمان لوضع الأموال في شركات توظيف الأموال، وعندما فكر في وضعها في أي مشروع، لم يجد وخاصة أن حالته الصحية لا تسمح بالقيام بأي جهد، وقد قرأ تحقيقًا بجريدة أخبار اليوم، شارك فيه بعض المشايخ والعلماء الأفاضل، بأن الودائع التي تودع في البنوك تخدم في مشاريع صناعية وتجارية، وأن هذه الشهادات الاستثمارية تدر عائدًا حلالًا لا ربًا إلى أن قال السائل: وحيث إنه حريص على أن لا يدخل بيته حرامًا، بعث إلى دار الإفتاء يستفسر عن رأي الدين في هذا الأمر، حيث إن بعض العلماء يقولون بأن العائد حلالٌ والبعض الآخر يقولون إنه ربًا].
هذا هو نص السؤال الوارد إلى دار الإفتاء فماذا كان جواب المفتي؟
[الجواب: بعد المقدمة
يقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾ سورة البقرة الآيات ٢٧٨ - ٢٧٩.
ويقول الرسول ﷺ فيما يروي أبو سعيد قال: قال الرسول ﷺ: (الذهب بالذهب والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير
[ ٦٠ ]
بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى، الآخذ والمعطي فيه سواء) رواه أحمد والبخاري ومسلم.
أجمع المسلمون على تحريم الربا، الربا في اصطلاح فقهاء المسلمين هو زيادة مال في معاوضة مال بمال دون مقابل، وتحريم الربا بهذا المعنى أمر مجمع عليه في كل الشرائع السماوية.
لما كان ذلك وكان إيداع الأموال في البنوك، أو إقراضها، أو الاقتراض منها بأي صورة من الصور مقابل فائدة محدودة مقدمًا زمنًا ومقدارًا، يعتبر قرضًا بفائدة، وكل قرض بفائدة محددةً مقدمًا حرام، كانت تلك الفوائد التي تعود على السائل داخلة في نطاق ربا الزيادة المحرم شرعًا، بمقتضى النصوص الشرعية، وننصح كل مسلم بأن يتحرى الطريق الحلال لاستثمار أمواله، والبعد عن كل ما فيه شبهة حرام لأنه مسؤول يوم القيامة عن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه].
أخي القارئ ما تقدم، هو نص الفتوى التي صدرت عن مفتي جمهورية مصر العربية الدكتور. محمد طنطاوي، بتاريخ ٢٠/ ٢/١٩٨٩م، وسجلت برقم ٤١/ ١٢٤، وهو نفسه الذي صار شيخ الأزهر فيما بعد وما زال، وأصدر الفتوى التي تنص على أن فوائد البنوك ليست من الربا المحرم، وأن لا فرق بين بنك إسلامي وغير إسلامي.
والسؤال الذي يطرح نفسه لماذا غيَّر الشيخ طنطاوي فتواه تغييرًا جذريًا، ففي الفتوى الأولى الربا حرام، وفوائد البنوك حرام، وفي الثانية فوائد البنوك ليست من الربا المحرم.
ومن المعلوم عند أهل العلم أن تغيير الفتوى في المسألة الواحدة من العالم الواحد لا بدَّ له من سبب صحيح، فإذا بنى المجتهد فتواه على اجتهاد، ثم بلغه
[ ٦١ ]
حديث شريف لم يكن قد سمع به من قبل، والفتوى تعارضه يلزمه العدول فورًا عن قوله إلى قول الرسول ﷺ.
وإذا أفتى في واقعة ثم تغيرت الواقعة وجب أن تتغير الفتوى تبعًا لتغير الواقعة انظر فوائد البنوك هي الربا المحرم للدكتور يوسف القرضاوي ص ١٤٠ - ١٤٢.
ومن المسلّم به والمؤكد أن البنوك الربوية لم تتغير طبيعة عملها وأنظمتها، ولم تختلف صورة تعاملها في الفترة ما بين الفتوى الأولى للشيخ طنطاوي، عندما كان مفتيًا لمصر، والفتوى الثانية عندما صار شيخًا للأزهر.
إن الأدلة التي ساقها الشيخ طنطاوي في الفتوى الأولى في تحريم فوائد البنوك لم تتغير، فالأدلة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ على تحريم الربا ما زالت قائمة وستبقى كذلك إلى أن يرث الله الأرض وما عليها.
بعد هذا أقول:
إن فتوى شيخ الأزهر بإباحة فوائد البنوك الربوية، مناقضة تمامًا للنصوص الصريحة من كتاب الله وسنة رسول الله ﷺ في تحريم الربا، ومخالفة لأقوال العلماء والفقهاء قديما ً وحديثًا في تحريم الربا بمختلف صوره وأشكاله، ولا شك لدى العلماء والفقهاء في هذا العصر، أن فوائد البنوك هي من الربا المحرم، وقد انعقدت مجامع علمية كثيرة في هذا العصر، وأقرت وأكدت على أن فوائد البنوك هي من الربا المحرم، فمن ذلك:
١. قرار المؤتمر الإسلامي الثاني لمجمع البحوث الإسلامية بالقاهرة سنة ١٩٦٥م والذي حضره عدد كبير من العلماء من مختلف العالم الإسلامي، ومن ضمن قراراته (الفائدة على أنواع القروض كلها ربًا محرم)
٢. قرار مجمع الفقه الإسلامي، التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي في دورته الثانية سنة ١٩٨٥ م والذي يضم ثلة من فقهاء العالم الإسلامي.
٣. قرار المجمع الفقهي التابع لرابطة العالم الإسلامي سنة ١٤٠٦هـ.
[ ٦٢ ]
٤. قرار المؤتمر الثاني للمصارف الإسلامية لسنة ١٩٨٣م.
٥. لجنة الفتوى بالأزهر الشريف لسنة ١٩٨٨م.
٦. البيان الصادر عن علماء الأزهر بمكة المكرمة، عن حرمة معاملات البنوك الربوية، ردًا على مفتي مصر، ووقع عليه ثلاثة وثلاثون عالمًا أزهريًا.
وغير ذلك من الفتاوى
وقد ردَّ فتوى شيخ الأزهر عددٌ كبير من أهل العلم المعتبرين، وأبطلوا فتواه من وجوه كثيرة يضيق المقام عن ذكرها، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى:
١. كتاب الدكتور يوسف القَرَضَاوي [فوائد البنوك هي الربا المحرم].
٢. كتاب الدكتور علي السالوس [الاقتصاد الإسلامي].
٣. كتاب الدكتور وهبة الزُحَيّلي [الفقه الإسلامي وأدلته/ج ٩]، وغيرها.
(وإننا لنعجب كثيرًا ونشفق على فضيلة المفتي، وعلى المسلمين إذ هو يشككهم في أمور مجمع عليها، بل تعتبر مما عُلمَ من الدين بالضرورة، وإذا تطرَّق الشك إلى هذه الأمور وصل الأمر إلى هدم الشريعة من الأساس، فهل يسمح لنا المفتي أن نسأله: إذا كانت فوائد البنوك ليست ربا، فما هو الربا المحرم شرعًا؟) الاقتصاد الإسلامي ١/ ٣٦٩.
- - -
[ ٦٣ ]