يقول السائل: ما المقصود بقول النبي ﷺ: (ليُ الواجد يُحلُ عرضه وعقوبته)؟
الجواب: هذا الحديث رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم والبيهقي وورد في مسند أحمد بلفظ: (لي الواجد ظلم يحل عرضه وعقوبته).
والحديث قال عنه الحاكم: صحيح الإسناد. ووافقه الذهبي وحسنه الحافظ ابن حجر وحسنه الشيخ الألباني أيضًا. فتح الباري ٥/ ٢٥٩، إرواء الغليل ٥/ ٢٥٩. ولي الواجد معناه مطل القادر على قضاء دينه. عون المعبود ١٠/ ٤١.
[ ١٤٨ ]
وقد ثبت في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن الرسول ﷺ قال: (مطل الغني ظلم) رواه البخاري ومسلم.
قال الإمام النووي: [قوله ﷺ (مطل الغني ظلم) قال القاضي وغيره: المطل منع قضاء ما استحق أداؤه فمطل الغني ظلم وحرام، ومطل غير الغني ليس بظلم ولا حرام لمفهوم الحديث ولأنه معذور ] شرح الإمام النووي على صحيح مسلم ٤/ ١٧٤ - ١٧٥.
وهذان الحديثان الشريفان فيهما التحذير الشديد للمماطل القادر على سداد دينه ومع ذلك يماطل في سداد الدين لينتفع بالمال لنفسه ولا يؤدي حقوق العباد وهذه المماطلة سماها الرسول ﷺ ظلمًا والظلم ظلمات يوم القيامة.
قال الحافظ ابن عبد البر: [وقد أتى الوعيد الشديد في الظالمين بما يجب أن يكون من فقهه عن قليل الظلم وكثيره منتهيًا وإن كان الظلم ينصرف على وجوه بعضها أعظم من بعض قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ سورة لقمان الآية ١٣. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ سورة طه الآية ١١١.
أي خاب من رحمة الله تعالى ومن بعضها أو من كثير منها على حسب ما ارتكب من الظلم والله يغفر لمن يشاء.
وروي عن النبي ﷺ أنه قال حاكيًا عن الله ﵎: (يا عبادي إني حرمت عليكم الظلم فلا تظالموا) رواه مسلم.
ومن الدليل على أن مطل الغني ظلم محرم موجب للإثم ما ورد به الخبر عن النبي ﷺ من استحلال عرضه والقول فيه ولولا مطله لم يحل ذلك ] الاستذكار ٢٠/ ٢٦٨ - ٢٦٩.
[ ١٤٩ ]
والغني المماطل يعدُّ فاسقًا عند جمهور أهل العلم ويدل على ذلك بأن منع الحق بعد طلبه وانتفاء العذر عن أدائه كالغصب والغصب كبيرة وتسميته ظلمًا يشعر بكونه كبيرة. فتح الباري ٥/ ٣٧٢.
وقال بعض العلماء إن مطل الغني بعد مطالبته وامتناعه عن الأداء لغير عذر يعتبر من كبائر الذنوب وقد عده ابن حجر المكي من الكبائر: [إذ الظلم وحل العرض والعقوبة أكبر الوعيد] الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥٧٠.
وذهب بعض أهل العلم إلى أن الغني المماطل مردود الشهادة قال سحنون بن سعيد: [إذا مطل الغني بدين عليه لم تجز شهادته لأن النبي ﷺ سماه ظالمًا] الاستذكار ٢٠/ ٢٧٠.
وجاء في الحديث عن خولة زوجة حمزة ﵄: (أن رجلًا كان له على رسول الله ﷺ وسق تمر فأمر أنصاريًا أن يقضيه فقضاه دون تمره فأبى أن يقبضه فقال: أترد على رسول الله ﷺ قال: نعم ومن أحق بالعدل من رسول الله ﷺ، فاكتحلت عينا رسول الله ﷺ بدموعه ثم قال: صدق ومن أحق مني بالعدل لا قدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها حقه من شديدها ولا يتعتعه. ثم قال: يا خوله عديه واقضيه فإنه ليس من غريم يخرج من عنده غريمه راضيًا إلا صلت عليه دواب الأرض ونون البحار وليس من عبد يلوى غريمه وهو يجد إلا كتب الله عليه في كل يوم وليلة إثمًا) رواه الطبراني في الكبير ورجاله رجال الصحيح كما قال الهيثمي في مجمع الزوائد ٤/ ١٤٠.
وتعتعه أي أقلقه وأتعبه بكثرة تردده إليه ومطله إياه، ويلوي أي يمطل ويسوف.
وجاء في الحديث عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: (جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يتقاضاه دينًا كان عليه فاشتد عليه حتى قال له: أحرج عليك إلا قضيتني فانتهره أصحابه وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟ قال:
[ ١٥٠ ]
إني أطلب حقي. فقال النبي ﷺ: هلاّ مع صاحب الحق كنتم؟ ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك. فقالت: نعم بأبي أنت يا رسول الله. قال: فأقرضته فقضى الأعرابي وأطعمه. فقال: أوفيت أوفى الله لك. فقال ﷺ: أولئك خيار الناس إنه لا قدّست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع) رواه ابن ماجة وصححه الشيخ الألباني في صحيح سنن ابن ماجه ١/ ٥٥ وانظر الزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٥٧٠.
ومعنى غير متعتع: أي من غير أن يصيبه أذى يقلقه ويزعجه.
كما وينبغي أن يعلم هذا الغني المماطل أن الموت قد يخطفه فجأة ويبقى الدين في ذمته إلى يوم القيامة وقد صح الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من كانت عنده مظلمة لأحد فليتحلله فإنه ليس ثم دينار ولا درهم من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته فإن لم تكن له حسنات أخذ من سيئاته وطرح عليه) رواه البخاري.
وأما النبي ﷺ يحل عرضه وعقوبته فمعناه كما قال عبد الله بن المبارك: [يحل عرضه يغلظ له وعقوبته يحبس] عون المعبود ١٠/ ٤٠.
وأخيرًا ينبغي أن يعلم أنه لا يجوز فرض غرامة مالية على المدين المماطل لأن ذلك يعتبر من الرب المحرم شرعًا.
- - -
[ ١٥١ ]