يقول السائل: إنه استقرض مبلغًا من المال من شخص ولما قضاه القرض أهداه هدية فما حكم ذلك؟
الجواب: الإقراض من الأمور الطيبة التي يعين بها المسلم أخاه ويفك عسره ويفرج كربته وهو داخل في عمومات الأدلة التي تحض على قضاء حاجة المسلم وإعانته كما ثبت في صحيح مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال الرسول ﷺ: (من نفس على أخيه كربة من كرب الدنيا نفس الله بها عنه كربة من كرب يوم القيامة ومن يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه).
وورد في الحديث عن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (ما من مسلم يقرض مسلمًا قرضًا مرتين إلا كان كصدقتها مرة) رواه ابن ماجة وقال الشيخ الألباني: حديث حسن. الإرواء ٥/ ٢٢٦.
وقد ثبت في الحديث: (أن النبي ﷺ استقرض جملًا من أعرابي) رواه البخاري.
وورد في الحديث عن عبد الله بن أبي ربيعة قال: (استقرض مني النبي ﷺ أربعين ألفًا فجاءه مال فدفعه إلي وقال: إنما جزاء السلف الحمد والأداء) رواه النسائي وابن ماجة وأحمد وهو حديث حسن كما قال الشيخ الألباني. الإرواء ٥/ ٢٢٤، وغير ذلك من الأحاديث.
والأصل في القرض أن يسدده المقترض كما اقترضه وأما إذا أقرض وشرط أن يزيد عند السداد فهذا من الربا المحرم.
[ ١٤١ ]
وأما إذا اقترض وزاده عند الوفاء وكانت تلك الزيادة غير مشروطة عند العقد فمذهب جمهور الفقهاء جواز ذلك. ولا تعد تلك الزيادة من الربا ومثل ذلك الهدية بعد سداد القرض كما في السؤال.
ويدل على جواز ذلك أحاديث واردة عن النبي ﷺ وآثار عن الصحابة ﵃ منها:
١. عن أبي رافع ﵁ قال: (استلف النبي ﷺ بكرًا - الفتي من الإبل - فجاءته إبل الصدقة فأمرني أن أقضي الرجل بكره، فقلت: إني لم أجد من الإبل إلا جملًا خيارًا رباعيًا - جملًا كبيرًا له من العمر ست سنوات - فقال: أعطه إياه فإن من خير الناس أحسنهم قضاء) رواه مسلم.
٢. وعن أبي هريرة ﵁ قال: (استقرض رسول الله ﷺ سنًا فأعطى سنًا خيرًا من سنه، وقال: خياركم أحاسنكم قضاء) رواه أحمد والترمذي وصححه.
٣. وفي رواية أخرى عن أبي هريرة ﵁ قال: (كان لرجل على النبي ﷺ مسن من الإبل فجاء يتقاضاه، فقال: أعطوه فطلبوا سنه فلم يجدوا إلا سنًا فوقها، فقال: أعطوه. فقال: أوفيتني أوفاك الله فقال النبي ﷺ إن خيركم أحسنكم قضاء) رواه البخاري ومسلم.
٤. وعن جابر بن عبد الله ﵁ قال: (أتيت النبي ﷺ وهو في المسجد ضحى فقال: صل ركعتين وكان لي عليه دين فقضاني وزادني) رواه البخاري.
وفي رواية أخرى عند البخاري قال جابر: (فلما قدمنا المدينة، قال الرسول ﷺ يا بلال: اقضه وزده فأعطاه أربعة دنانير وزاده قيراطًا).
٥. وعن مجاهد قال: (استلف عبد الله بن عمر من رجل دراهم ثم قضاه دراهم خيرًا منه فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن هذه خير من دراهمي التي أسلفتك،
[ ١٤٢ ]
فقال عبد الله بن عمر: قد علمت ولكن نفسي بذلك طيبة) رواه مالك في الموطأ.
٦. وقال الإمام مالك ﵀: (لا بأس بأن يقبض من أسلف شيئًا من الذهب أو الورق أو الطعام أو الحيوان ممن أسلفه ذلك أفضل مما أسلفه إذا لم يكن ذلك على شرط منهما ).
٧. وقال القرطبي: [أجمع المسلمون نقلًا عن نبيهم ﷺ أن اشتراط الزيادة في السلف ربا ولو كان قبضة من علف كما قال ابن مسعود أو حبة واحدة ويجوز أن يرد أفضل مما استلف إذا لم يشترط ذلك عليه لأن ذلك من باب المعروف استدلالًا بحديث أبي هريرة في البكر: (إن خياركم أحسنكم قضاء) رواه الأئمة البخاري ومسلم. فأثنى ﷺ على من أحسن القضاء وأطلق ذلك ولم يقيده بصفة.
وبهذا يظهر لنا أن الهدية المذكورة في السؤال جائزة ولا بأس بها ولا تعتبر من الربا المحرم].
- - -
[ ١٤٣ ]