يقول السائل: اشترى شخص مني عقارًا بالتقسيط، ودفع بعض الأقساط، ولم يكمل دفع بقية الأقساط، وقد استلم العقار، وهذا الشخص قادر على تسديد بقية الأقساط، إلا أنه يماطل وقد مضى على موعد تسديد آخر قسط ثلاث سنوات وما يزال يماطل فهل يحق لي أن أطالبه بتعويضٍ مالي مقابل العطل والضرر الذي ألحقه بي؟
الجواب: يجب أن يعلم أولًا أنه يحرم على الغني أن يماطل فيما وجب عليه من حقوق، كالدين مثلًا، وكذلك من وجد أداءً لحق عليه وإن كان فقيرًا تحرم عليه المماطلة، وقد ثبت في الحديث الصحيح، عن أبي هريرة ﵁ أنه قال: قال رسول الله ﷺ: (مطل الغني ظلم) رواه البخاري ومسلم.
قال الحافظ ابن حجر: [والمراد هنا تأخير ما استحق أداؤه بغير عذر، والغني مختلف في تعريفه ولكن المراد به هنا من قدر على الأداء فأخره ولو كان فقيرًا] فتح الباري ٥/ ٣٧١.
وقال الحافظ أيضًا: [وفي الحديث الزجر عن المطل، واختلف هل يعد فعله عمدًا كبيرة أم لا؟ فالجمهور على أن فاعله يفسَّق] فتح الباري ٥/ ٣٧٢.
وكما جاء في الحديث أن النبي ﷺ قال: (ليُّ الواجد يحل عرضه وعقوبته) رواه أبو داود والنسائي وأحمد بإسناد حسن كما قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ٥/ ٤٥٩.
وذكره الإمام البخاري تعليقًا فقال: [باب لصاحب الحق مقالًا، ويذكر عن النبي ﷺ: (لي الواجد يحل عرضه وعقوبته).
قال سفيان: عرضه تقول: مطلتني، وعقوبته الحبس، والمراد بقوله (ليّ الواجد) أي مماطلة من يجد أداء الحقوق التي عليه، وقوله (يحل عرضه وعقوبته) المراد
[ ١٦٨ ]
به كما فسره سفيان أن يقول صاحب الحق، أو صاحب الدين: مطلني فلان، وعقوبته أن يسجن.
إذا تبين لنا حرمة مماطلة المقتدر على سداد ديونه، فنقول: اتفق أهل العلم على أنه لا يجوز معاقبة المماطل بفرض غرامة مالية عليه، لأن ذلك يعتبر من باب الربا المحرم، وإنما يعاقب بالحبس فقط.
[وقد بحث مجمع الفقه الإسلامي هذه القضية بحثًا موسعًا، وخلص إلى ما يلي:
١. إذا تأخر المشتري في دفع الأقساط عن الموعد المحدد فلا يجوز إلزامه أي زيادة على الدين بشرط أو بدون شرط، لأن ذلك ربًا محرَّم.
٢. يحرم على المدين المليء أن يماطل في أداء ما حل من الأقساط، ومع ذلك لا يجوز شرعًا اشتراط التعويض في حالة التأخر عن الأداء.
٣. يجوز شرعًا أن يشترط البائع بالأجل حلول الأقساط قبل مواعيدها عند تأخر المدين عن أداء بعضها ما دام المدين قد رضي بهذا الشرط عند التعاقد] مجلة المجمع الفقهي عدد ٦ جزء ١، ص٤٤٧ - ٤٤٨.
وأخيرًا ينبغي أن ننبه إلى أن هذا الحكم إنما هو في حق الغني المماطل وأما إذا كان المدين معسرًا فإن الله ﷾ طلب إنظاره إلى ميسرة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٠.
- - -
[ ١٦٩ ]