إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾.
وبعد
فهنالك إقبال متزايد على المصارف الإسلامية مؤخرًا وخاصة في أعقاب الأزمة المالية العالمية، حيث أقبلت جهات عدة في العالم الغربي على المطالبة بدراسة نظام المصارف الإسلامية والتعامل معه، وأطلقت الدعوات للتعامل مع المصارف الإسلامية كما صرحت وزيرة الاقتصاد الفرنسي في شهر تموز من العام الماضي أن السلطات الفرنسية المختصة مقتنعة بأن إرساء نظام المصرفية الإسلامية في فرنسا يعد فعلًا فرصة ذهبية أمام الاقتصاد الفرنسي. وتعهدت بالسعي إلى المساعدة على توفير الإطار القانوني الذي من شأنه تطوير نظام المصرفية الإسلامية في فرنسا. وشهدت الفترة السابقة افتتاح عدد من المصارف الإسلامية في مختلف دول العالم كفرنسا وبريطانيا وغيرهما، كما أن المصارف الإسلامية تحقق نموًا سريعًا بنسبة أعلى مما في البنوك الربوية فقد حققت بعض
[ ٥ ]
المصارف الإسلامية نسبة نمو بلغت ١٥ - ٣٠ % وهذا يؤكد حقيقة مهمة وهي إن نظام المعاملات الإسلامية الذي تطبقه المصارف الإسلامية هو الأصلح للبشرية من كل الأنظمة الوضعية، وخاصة التي تقوم على مبدأ الفائدة أي الربا، ومعلوم أن الربا من أكبر الكبائر وتحريمه قطعي في كتاب الله ﷾ وفي سنة النبي ﷺ يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لا يَقُومُونَ إِلاّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنْ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنْ الرِّبَا إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ﴾.
وثبت في الحديث عن جابر ﵁ أن النبي ﷺ قال: (لعن الله آكل الربا ومؤكله وكاتبه وشاهديه وقال: هم سواء) رواه مسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (اجتنبوا السبع الموبقات، قالوا: يا رسول الله وما هن؟ قال: الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل الربا وأكل مال اليتيم والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات) رواه البخاري ومسلم.
[ ٦ ]
وعن ابن مسعود ﵁ أن النبي ﷺ قال: (الربا ثلاثة وسبعون بابًا أيسرها مثل أن ينكح الرجل أمه) رواه الحاكم وصححه وصححه العلامة الألباني.
وقال ﷺ: (درهم ربا يأكله الرجل وهو يعلم أشد عند الله من ست وثلاثين زنية) رواه أحمد وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح. وصححه العلامة الألباني في السلسلة الصحيحة ٣/ ٢٩. وغير ذلك من الأحاديث.
ومن المعلوم أن للمصارف الإسلامية خصائص ومميزات تتميز بها عن المصارف الأخرى، ذلك لأنها تختلف عن المصارف الربوية من حيث المبدأ والمحتوى والمضمون اختلافًا واضحًا. وفيما يلي ثلاث منها تعتبر من أهم هذه خصائص المصارف الإسلامية:
الخاصية الأولى: استبعاد التعامل بالفائدة: أول ما يمتاز به المصرف الإسلامي عن المصارف الأخرى هو إسقاط الفائدة الربوية من كل عملياته أخذًا أو إعطاءً. وتعد هذه الخاصية المعلم الرئيس للمصرف الإسلامي، وبدون هذه الخاصية يكون المصرف الإسلامي كأي مصرف ربوي آخر. ذلك لأن الإسلام قد حرم الربا بكل أشكاله وشدد العقوبة عليه كما سبق في الآيات والأحاديث. ومساوئ الربا ومضاره معروفة لدى الجميع. بل يكاد يكون هناك إجماع على أن الربا يمثل قمة الظلم والاستغلال مما يتيح لأحد أطرافه استرداد رأس ماله زائدًا الفائدة الربوية وما الأزمة المالية العالمية عنا ببعيد.
الخاصية الثانية: توجيه كل الجهد نحو الاستثمار الحلال
المصارف الإسلامية مصارف تنموية في المقام الأول وبما أنها تتبع منهج الله ﷿، لذا فإنها في جميع أعمالها محكومة بما أحله الله. وهذا يدفعها إلى الدخول في استثمارات وتمويل المشاريع التي تحقق الخير للعباد والبلاد مما يترتب عليه الآتي:
[ ٧ ]
١. توجيه الاستثمار في دائرة السلع والخدمات التي تشبع الحاجات السوية للفرد المسلم.
٢. لا بد أن يكون المنتج (سلعة - خدمة) في دائرة الحلال.
الخاصية الثالثة: ربط التنمية الاقتصادية بالاجتماعية
وهو أن التنمية الاجتماعية هي الأساس الذي عن طريقه تؤتي التنمية الاقتصادية ثمارها وهو بذلك يراعي الجانبين ويعمل لصالح الجميع ورفع المستوي المعيشي للمجتمع.
الخاصية الرابعة: تجميع الأموال المجمدة ودفعها إلى مجال الاستثمار وذلك لابتعاد كثير من المسلمين عن الاستثمار في البنوك الربوية وبهذا تمكنت المصارف الإسلامية من جذب هذه الأموال المجمدة وإدخالها في استثمار المشاريع التنموية المختلفة.
ومن الجوانب المهمة في عمل المصارف الإسلامية الناحية الإعلامية والعمل على نشر الوعي بين الناس لبيان ميزات المصارف الإسلامية، وقد أحسن البنك الإسلامي الفلسطيني في تعاونه مع كلية الشريعة في جامع الخليل في عقد مؤتمر (الاقتصاد الإسلامي وأعمال البنوك) في أواخر شهر تموز ٢٠٠٩م، وقد ناقش المؤتمر على مدى يومين مجموعة قيمة من الأبحاث المتعلقة بالمصارف الإسلامية، وقد صدر عن المؤتمر توصيات هامة أوجزها فيما يلي:
- النظام الربوي، وغياب الوازع الديني، وتحويل النقود من أدلة تعين على إشباع حاجات الناس عن طريق الاستفادة من الموارد الطبيعية والسلع المنتجة والخدمات إلى سلعة يعتبر رئيسًا في ظهور الأزمة المالية العالمية.
- شركة المضاربة، وعقد المرابحة للآمر بالشراء والإجارة المنتهية بالتمليك بدائل شرعية عن المعاملات التي تقوم بها البنوك الربوية.
[ ٨ ]
- توسيع قاعدة الخدمات المصرفية الإسلامية بحيث لا تقتصر على بيع المرابحة للآمر بالشراء، والتوسع في لتعامل بالمشتقات المالية الإسلامية، سيما مع وجود فرص كثيرة لاجتذاب ودائع واستثمارات جديدة.
- بيع المرابحة للآمر بالشراء جائز إذا تم تطبيقه بدقة، لأن حكم المعاملة إباحة أو تحريمًا قد يختلف بوجود وصف مؤثر أو انتفائه.
- الحاجة لعقد مؤتمرات وندوات وإعداد نشرات علمية متخصصة، وعمل محاضرات لوضع أساليب استثمارية جديدة يمكن للمصارف الإسلامية الأخذ بها بعد تأصيلها وضبطها بالضوابط الشرعية.
- دعم عملية تفريع المصارف الإسلامية في كافة مناطق فلسطين، لرفع أدائها في تقديم الخدمات المصرفية والقيام بتمويل المشروعات الإنتاجية.
- ضرورة أن تراعي المصارف الإسلامية عند اختيار أعضاء الرقابة الشرعية، العلم العميق بفقه المعاملات، والدراية بالعمل المصرفي الإسلامي، والورع والتقوى، دون النظر إلى السمعة، أو المنصب.
- تدريب العاملين في المصارف الإسلامية وتزويدهم بالأحكام الشرعية المتعلقة بالمعاملات المالية الإسلامية.
وختامًا أشير إلى بعض القضايا المتعلقة بالمصارف الإسلامية في بلادنا فلسطين المحتلة بشكل موجز:
- تحتاج المصارف الإسلامية في بلادنا لتحقيق أهدافها أن تطور أساليبها في مختلف المجالات وخاصة في طرح منتجات جديدة في العمل المصرفي الإسلامي.
- الرقابة الشرعية على المصارف الإسلامية في بلادنا تحتاج إلى تطوير ومزيد من أهل الاختصاص.
- موظفو المصارف الإسلامية في بلادنا يحتاجون إلى تثقيف وتدريب مستمرين ليواكبوا التطور والتقدم في المصرفية الإسلامية.
[ ٩ ]
- على المصارف الإسلامية الاهتمام بالإعلام وتوعية الناس بالمصرفية الإسلامية من خلال النشرات والندوات والإذاعة والتلفزيون.
- على المصارف الإسلامية أن تطور أساليبها في التعامل مع الناس وأن تواكب التقدم في مجال تكنولوجيا المعلومات.
وأخيرًا فهذا الجزء الأول من كتابي يسألونك عن المعاملات المالية المعاصرة، وقد جمعت فيه مجموعة طيبة تتعلق بمسائل الربا المعاصرة ومسائل القروض والمصارف الإسلامية والتعامل بالشيكات والأسهم والسندات والبورصة وأحكام العملات وبطاقات الائتمان والتأمين التعاوني وغيرها.
وصلى الله وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين
كتبه الأستاذ الدكتور حسام الدين بن موسى عفانة
أبوديس/ القدس المحتلة
صباح يوم الأربعاء السابع من شعبان ١٤٣٠هـ
وفق التاسع والعشرين من تموز ٢٠٠٩م
[ ١٠ ]