يقول السائل: سمعت حديثًا عن النبي ﷺ وفيه أنه ﷺ لم يصم من ذي الحجة وسمعت من بعض المشايخ الحث على صيامها فأي القولين هو الصحيح؟ أفيدونا.
الجواب: أبين أولًا فضل العشر الأوائل من ذي الحجة ثم أجيب على السؤال، فقد أقسم الله ﷾ بهذه العشر فهذا يدل على فضلها العظيم قال الله تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ سورة الفجر الآيتان ١ - ٢.
قال القرطبي: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ أي ليال عشر من ذي الحجة وكذا قال مجاهد والسدي والكلبي في قوله: ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ هو عشر ذي الحجة وقال ابن عباس ومسروق: هي العشر التي ذكرها الله في قصة موسى ﵇ وأتممناها بعشر وهي أفضل أيام السنة وروى أبو الزبير عن جابر أن رسول الله ﷺ قال: ﴿َالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ قال: عشر الأضحى فهي ليال عشر. على هذا القول لأن ليلة يوم النحر داخلة فيه إذ قد خصها الله بأن جعلها موقفًا لمن لم يدرك الوقوف يوم عرفة، وإنما نكرت ولم تُعرَّف لفضيلتها على غيرها فلو عرفت لم تستقل بمعنى الفضيلة الذي في التنكير فنكرت من بين ما أقسم به للفضيلة التي ليست لغيرها والله أعلم] تفسير القرطبي ٢٠/ ٣٩.
وقد وردت عدة أحاديث في فضيلة هذه العشر منها:
ما رواه البخاري عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما العمل في أيام أفضل منها في هذه. قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل يخرج يخاطر بنفسه وماله فلم يرجع بشيء). وفي رواية للطبراني في الكبير بإسناد جيد كما قال المنذري: (ما من أيام أعظم عند الله
[ ١٦٦ ]
ولا أحب إلى الله العمل فيهن من أيام العشر فأكثروا فيهن من التسبيح والتحميد والتهليل والتكبير). وفي رواية للبيهقي في شعب الإيمان قال ﷺ: (ما من عمل أزكى عند الله ﷿، ولا أعظم أجرًا من خير يعمله في عشر الأضحى) قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: (ولا الجهاد في سبيل الله ﷿ إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) فكان سعيد بن جبير إذا دخل أيام العشر اجتهد اجتهادًا شديدًا حتى ما يكاد يقدر عليه ذكره المنذري في الترغيب ٢/ ١٥٠. وروى الحديث الدارمي أيضًا وإسناده حسن كما قال العلامة الألباني في إرواء الغليل ٣/ ٣٩٨.
وجاء عن عبد الله بن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: (ما من أيام أعظم عند الله ولا أحب إليه العمل فيهن من هذه الأيام العشر فأكثروا فيهن من التهليل والتكبير والتحميد) رواه أحمد وصحح إسناده الشيخ أحمد محمد شاكر.
وفي حديث جابر ﵁ أنه ﷺ قال: (ما من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة) رواه أبو عوانة وابن حبان في صحيحيهما. وغير ذلك من الأحاديث.
وقد ذكر أهل العلم أنه يؤخذ من هذه النصوص أن الأيام العشر الأوائل من ذي الحجة هي أفضل أيام السنة.
قال الشيخ ابن كثير: [وبالجملة فهذا العشر قد قيل إنه أفضل أيام السنة كما نطق به الحديث وفضله كثير على عشر رمضان الأخير لأن هذا يشرع فيه ما يشرع في ذلك من صلاة وصيام وصدقة وغيره ويمتاز هذا باختصاصه بأداء فرض الحج فيه وقيل ذلك أفضل لاشتماله على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر وتوسط آخرون فقالوا أيام هذا أفضل وليالي ذاك أفضل وبهذا يجتمع شمل الأدلة] تفسير ابن كثير ٣/ ٢١٧.
[ ١٦٧ ]
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر ذي الحجة، لمكان اجتماع أمهات العبادة فيه وهي الصلاة والصيام والصدقة والحج ولا يتأتى ذلك في غيره، وعلى هذا هل يختص الفضل بالحاج أو يعم المقيم؟ فيه احتمال] فتح الباري ٢/ ٥٩٣.
وقال المباركفوري: [وذكر السيد اختلف العلماء في هذه العشر، والعشر الأخير من رمضان فقال بعضهم: هذه العشر أفضل لهذا الحديث، وقال بعضهم: عشر رمضان أفضل للصوم والقدر، والمختار أن أيام هذه العشر أفضل ليوم عرفة وليالي عشر رمضان أفضل لليلة القدر، لأن يوم عرفة أفضل أيام السنة، وليلة القدر أفضل ليالي السنة، ولذا قال ما من أيام ولم يقل من ليال كذا في الأزهار وكذا في المرقاة] تحفة الأحوذي ٣/ ٣٨٦.
وقال الشيخ المنجد: [واعلم -يا أخي المسلم- أن فضيلة هذه العشر جاءت من أمور كثيرة منها:
١. إن الله تعالى أقسم بها: والإقسام بالشيء دليل على أهميته وعظم نفعه، قال تعالى: ﴿وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾ قال ابن عباس وابن الزبير ومجاهد وغير واحد من السلف والخلف: إنها عشر ذي الحجة. قال ابن كثير: وهو الصحيح، تفسير ابن كثير٨/ ٤١٣.
٢. إن النبي ﷺ شهد بأنها أفضل أيام الدنيا كما تقدّم في الحديث الصحيح.
٣. إنه ﷺ حث فيها على العمل الصالح: لشرف الزمان بالنسبة لأهل الأمصار، وشرف المكان - أيضًا - وهذا خاص بحجاج بيت الله الحرام.
٤. إنه ﷺ أمر فيها بكثرة التسبيح والتحميد والتكبير.
٥. إن فيها يوم عرفة وهو اليوم المشهود الذي أكمل الله فيه الدّين وصيامه يكفّر آثام
[ ١٦٨ ]
سنتين، وفي العشر أيضا يوم النحر الذي هو أعظم أيام السنّة على الإطلاق وهو يوم الحجّ الأكبر الذي يجتمع فيه من الطّاعات والعبادات ما لا يجتمع في غيره.
٦ز إن فيها الأضحية والحج إن إدراك هذا العشر نعمة عظيمة من نعم الله تعالى على العبد، يقدّرها حق قدرها الصالحون المشمّرون. وواجب المسلم استشعار هذه النعمة، واغتنام هذه الفرصة، وذلك بأن يخص هذا العشر بمزيد من العناية، وأن يجاهد نفسه بالطاعة. وإن من فضل الله تعالى على عباده كثرة طرق الخيرات، وتنوع سبل الطاعات ليدوم نشاط المسلم ويبقى ملازمًا لعبادة مولاه] موقع الشيخ على شبكة الإنترنت.
وأما ما ذكره السائل من أن النبي ﷺ لم يصم العشر فهذا قد ورد في الحديث عن عائشة رضي الله عنا قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط) وفي رواية (لم يصم قط) رواه مسلم وغيره. وقد أجاب عنه العلماء أنه لا يعارض ما ثبت أنه ﷺ صام العشر.
قال الإمام النووي: [(باب صوم عشر ذي الحجة) فيه قول عائشة: (ما رأيت رسول الله ﷺ صائما في العشر قط) وفي رواية: (لم يصم العشر) قال العلماء: هذا الحديث مما يوهم كراهة صوم العشرة، والمراد بالعشر هنا: الأيام التسعة من أول ذي الحجة، قالوا: وهذا مما يتأول فليس في صوم هذه التسعة كراهة، بل هي مستحبة استحبابًا شديدًا لا سيما التاسع منها، وهو يوم عرفة، وقد سبقت الأحاديث في فضله، وثبت في صحيح البخاري: أن رسول الله ﷺ قال: (ما من أيام العمل الصالح فيها أفضل منه في هذه) - يعني: العشر الأوائل من ذي الحجة - فيتأول قولها: لم يصم العشر، أنه لم يصمه لعارض مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائمًا فيه، ولا يلزم عن ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل على هذا التأويل حديث هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي صلى
[ ١٦٩ ]
الله عليه وسلم قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم تسع ذي الحجة، ويوم عاشوراء، وثلاثة أيام من كل شهر: الاثنين من الشهر والخميس) ورواه أبو داود وهذا لفظه وأحمد والنسائي وفي روايتهما (وخميسين) والله أعلم) شرح النووي على صحيح مسلم ٣/ ٢٥١
وقال الحافظ ابن حجر العسقلاني: [واستدل به على فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل، واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد، وأجيب بأنه محمول على الغالب، ولا يرد على ذلك ما رواه أبو داود وغيره عن عائشة قالت: (ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا العشر قط) لاحتمال أن يكون ذلك لكونه كان يترك العمل وهو يحب أن يعمله خشية أن يفرض على أمته، كما رواه الصحيحان من حديث عائشة أيضًا] فتح الباري ٢/ ٥٩٣.
وقال الشوكاني: [وأما ما أخرجه مسلم عن عائشة أنها قالت ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط) وفي رواية (لم يصم العشر قط) فقال العلماء المراد أنه لم يصمها لعارض مرض أو سفر أو غيرهما أو أن عدم رؤيتها له صائمًا لا يستلزم العدم على أنه قد ثبت من قوله ما يدل على مشروعية صومها كما في حديث الباب فلا يقدح في ذلك عدم الفعل] نيل الأوطار ٤/ ٣٢٤.
وقال الشوكاني أيضًا: [وقد أخرج مسلم عن عائشة أنها قالت ما رأيت رسول الله ﷺ صائمًا في العشر قط) وفي رواية (لم يصم قط) وعدم رؤيتها وعلمها لا يستلزم العدم] الدراري المضية ١/ ٢٣٠.
وبهذا يظهر لنا أنه لا تعارض بين النصوص التي حثت على صوم هذه الأيام وبين حديث عائشة ﵂ أنه ﷺ لم يُرَ صائمًا فيها.
[ ١٧٠ ]
وخلاصة الأمر أنه يسن صوم الأيام التسعة الأوائل من ذي الحجة وخاصة صوم يوم عرفة لغير الحاج وأما صوم يوم العيد فيحرم وينبغي على المسلم أن يكثر من الأعمال الصالحة في هذه الأيام المفضلة شرعًا.
- - -