يقول السائل: إن يوم عرفة يصادف هذا العام يوم السبت فما حكم صيامه حيث إنني قد سمعت حديثًا عن النبي ﷺ ينهى عن صوم يوم السبت إلا في الفريضة فما قولكم في ذلك؟
الجواب: يوم عرفة يوم من أيام الله ﷾ ويوم عظيم مبارك، ومن أفضل أعمال المؤمن أن يصوم يوم عرفة وقد ثبت في فضل صيامه أحاديث كثيرة منها:
عن أبي قتادة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ: (صيام يوم عرفة أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده) رواه مسلم.
وفي رواية أخرى عند مسلم: (قال وسئل ﷺ عن صوم يوم عرفة، فقال: يكفر السنة الماضية والباقية).
وعن قتادة بن النعمان ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ: (يقول من صام يوم عرفة غفر له سنة أمامه وسنة بعده) رواه ابن ماجة، وغير ذلك من الأحاديث التي تدل على مشروعية صوم يوم عرفة وفضله، وصوم يوم عرفة مشروع مهما كان اليوم الذي وقع فيه سواء كان يوم الجمعة أو السبت أو الأحد وأما الحديث الذي أشار إليه السائل وهو عن عبد الله بن بسر عن أخته أن رسول الله ﷺ قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض الله عليكم فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنبة أو عود شجرة فليمضغه) رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، فإن هذا الحديث محل خلاف بين المحدثين فمنهم من ضعفه ومنهم من قال بنسخه ومنهم من قال إنه كذب على رسول الله ﷺ ومنهم من حسنه أو صححه ومنهم من أولَّه وجمع بينه وبين غيره من الأحاديث التي أثبتت صوم السبت في النافلة.
[ ١٤٦ ]
قال العلامة ابن القيم بعد أن ذكر الحديث: [فقال مالك ﵀ هذا كذب يريد حديث عبد الله بن بسر ذكره عنه أبو داود، قال الترمذي: هو حديث حسن، وقال أبو داود: هذا الحديث منسوخ وقال النسائي هو حديث مضطرب وقال جماعة من أهل العلم لا تعارض بينه وبين حديث أم سلمة فإن النهي عن صومه إنما هو إفراده وعلى ذلك ترجم أبو داود فقال باب النهي أن يخص يوم السبت بالصوم وحديث صيامه إنما هو مع يوم الأحد قالوا ونظير هذا أنه نهى عن إفراد يوم الجمعة بالصوم إلا أن يصوم يومًا قبله أو يومًا بعده] زاد المعاد في هدي خير العباد ٢/ ٧٩ - ٨٠.
وقال الشيخ سليمان العلوان عن الحديث: [هذا الخبر منكر سندًا ومتنًا. قال عنه الإمام مالك هذا كذب ذكره عنه أبو داود في سننه. وقال الأوزاعي. مازلت له كاتمًا حتى رأيته انتشر يعني حديث ابن بسر هذا في صوم يوم السبت. وقد قال النبي ﷺ: (لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو بعده) متفق عليه من حديث أبي هريرة. وهو دليل على صوم يوم السبت والأحاديث في ذلك كثيرة].
وقال بعض أهل العلم: [ وهذا الحديث وإن كان رجاله ثقات معروفون، إلا أنه ليس بالقائم بل هو مضطرب وفي متنه نكارة، ومخالفة للأحاديث الصحاح في صوم يوم الجمعة ويومًا بعده، كما في الصحيحين من حديث جويرية وكذلك صوم أيام البيض، وصيام داود صيام يوم وفطر يوم كما في الصحيحين، وصوم يوم عرفة وست من شوال كما في صحيح مسلم من حديث أبي أيوب وغيرها. وقد أنكر هذا الخبر الحفاظ، قال الأوزاعي ﵀: لم نزل نكتمه حتى انتشر. قال الإمام أحمد: يحيى بن سعيد ينفيه أبى أن يحدثني به. وقال الأثرم: حجة أبي عبد الله -أحمد بن حنبل- في الرخصة في صوم يوم السبت أن الأحاديث كلها مخالفة لحديث عبدالله بن بسر].
[ ١٤٧ ]
ومن أهل العلم من يرى جواز إفراد السبت بالصيام وهو اختيار الزهري والأوزاعي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن القيم وهو رواية عن الإمام أحمد لما ورد في الحديث عن أم سلمة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم يوم السبت والأحد أكثر ما يصوم من الأيام ويقول: إنهما يوما عيد للمشركين فأنا أحب أن أخالفهم) رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما.
وقال جماهير أهل العلم يكره إفراد يوم السبت بالصيام فإذا صام يومًا قبله أو يومًا بعده فلا كراهة وهو مذهب الحنفية والمالكية والشافعية ورواية عن الإمام أحمد. قال الإمام الترمذي: [ومعنى كراهته في هذا أن يخص الرجل يوم السبت بصيام لأن اليهود تعظم يوم السبت] سنن الترمذي ٣/ ١٢٠.
وقال الشيخ ابن قدامة المقدسي: [قال أصحابنا يكره إفراد يوم السبت بالصوم لما روى عبد الله بن بسر عن النبي ﷺ قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) والمكروه إفراده فإن صام معه غيره لم يكره لحديث أبي هريرة وجويرية وإن وافق صومًا لإنسان لم يكره لما قدمناه] المغني ٣/ ١٧١.
قال أبو بكر الأثرم في كتابه (ناسخ الحديث ومنسوخه) الجزء الثالث الورقة (١/أمخطوط) باب صوم السبت، روى ثور بن يزيد عن خالد بن معدان عن عبد الله بن بسر عن أخته الصماء أن النبي ﷺ قال: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) فجاء هذا الحديث ثم خالفته الأحاديث كلها.
فمن ذلك حديث علي وأبي هريرة وجندب أن النبي ﷺ أمر بصوم المحرم. ففي المحرم السبت، وليس فيما افترض. قال النسائي في سننه الكبرى ٢/ ١٤٥: الرخصة في صيام يوم السبت.
ثم روى بسنده عن جنادة الأزدي أنهم: (دخلوا على رسول الله ﷺ ثمانية نفر وهو ثامنهم فقرب إليهم رسول الله ﷺ طعامًا يوم جمعة،
[ ١٤٨ ]
فقال: كلوا، قالوا: صيام، قال: صمتم أمس؟ قالوا: لا، قال: فصائمون غدًا؟ قالوا: لا، قال: فأفطروا). عزاه الحافظ ابن حجر في الاصابة ١/ ٢٥٦ إلى أحمد البغوي، وصححه.
قال الطحاوي بعد أن روى حديث عبد الله بن بسر السابق: فذهب قوم إلى هذا الحديث فكرهوا صوم يوم السبت تطوعًا. وخالفهم في ذلك آخرون، فلم يروا بصومه باسًا.
وكان من الحجة عليهم في ذلك: أنه قد جاء الحديث عن رسول الله صلى عليه وسلم أنه نهى عن صوم يوم الجمعة إلا أن يصام قبله يوم، أو بعده يوم. وقد ذكرنا ذلك بأسانيد فيما تقدم من كتابنا هذا فاليوم الذي بعده هو يوم السبت ففي هذه الآثار المروية في هذا إباحة صوم السبت تطوعًا، وهي أشهر وأظهر في أيدي العلماء، من هذا الحديث الشاذ الذي خالفها.
وقد أذن الرسول ﷺ في صوم عاشوراء وحض عليه ولم يقل: إن كان يوم السبت فلا تصوموه ففي ذلك دليل على دخول كل الأيام فيه.
وقد قال رسول الله ﷺ: (أحب الصيام إلى الله ﷿، صيام داود ﵇، كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) الحديث في الصحيحين عن ابن عمرو ﵄.
وقد أمر رسول الله ﷺ أيضًا بصيام أيام البيض، وروى عنه في ذلك ما حدثنا عن أبي ذر أن النبي ﷺ قال لرجل أمره بصيام ثلاث عشرة وأربع عشرة وخمس عشرة. [رواه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة، وقال الترمذي: حديث حسن.
وعن عبد الملك بن قتادة بن ملحان القيسي عن أبيه قال: (كان رسول الله ﷺ يأمرنا أن نصوم ليالي البيض: ثلاث عشر وأربع عشرة وخمس عشرة
[ ١٤٩ ]
وقال: هي كهيأة الدهر) ورواه أيو داود والنسائي وسنده حسن، وقد يدخل السبت في هذه، كما يدخل فيها غيره من سائر الأيام. ففيها أيضًا إباحة صوم يوم السبت تطوعًا. اهـ شرح معاني الآثار ٢/ ٨٠ - ٨١، مع اختصار يسير.
قال ابن حبان في صحيحه ٥/ ٢٥٠: فصل في صوم يوم السبت: (ذكرُ الزجر عن صوم يوم السبت مفردًا) ثم ذكر حديث عبد الله بن بسر السابق، ثم عقبه بقوله: (ذكر العلة التي من أجلها نهي عن صيام يوم السبت مع البيان بأنه إذا قرن بيوم آخر جاز صومه) ثم ذكر حديث أم سلمة السابق.
وقال ابن خزيمة في صحيحه ٣/ ٣١٦: [باب النهي عن صوم يوم السبت تطوعًا إذا أفرد بالصوم بذكر خبر مجمل غير مفسر بلفظ عام مراده خاص، وأحسب أن النهي عن صيامه، إذ اليهود تُعظمه وقد اتخذته عيدًا بدل الجمعة.
ثم ذكر حديث عبد الله بن بسر السابق. ثم قال: باب ذكر الدليل على أن النهي عن صوم يوم السبت تطوعًا إذا أفرد بصوم، لا إذا صام صائم يومًا قبله أو يوم بعده. وقال: في إخبار النبي ﷺ في النهي عن صوم يوم الجمعة إلا أن يصام قبله أو بعده يومًا، دلالة على أنه قد أباح يوم السبت إذا صام قبله يوم الجمعة أو بعده يومًا. ثم قال: باب الرخصة في يوم السبت إذا صام يوم الأحد بعده: ثم ذكر حديث كريب مولى ابن عباس: أن ابن عباس وناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ بعثوني إلى أم سلمة أسألها أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثر لها صيامًا؟ قالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فأخبرتهم وكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها، فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا وذكر أنك قلت كذا وكذا، فقالت صدق، إن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت والأحد، كان يقول: (إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم)].
[ ١٥٠ ]
قال البيهقي في سننه الكبرى ٤/ ٣٠٢: [(باب ما ورد من النهي عن تخصيص يوم السبت بالصوم). ثم ذكر حديث عبد الله بن بسر السابق. ثم قال: وقد مضى في حديث جويرية بنت الحارث ﵂ في الباب قبله مادل على جواز صوم يوم السبت، وكأنه أراد بالنهي تخصيصه بالصوم على طريق التعظيم له، والله اعلم). ثم استدل بحديث أم سلمة ﵂].
قال البغوي في شرح السنة، ٦/ ٣٦١ باب كراهية صوم يوم السبت وحده، ثم ساق حديث عبد الله بن بسر. وعقبه بقوله: [ومعنى الكراهية في تخصيص يوم السبت بالصوم أنه يوم تعظمه اليهود].
وقال الإمام النووي: [يكره إفراد يوم السبت بالصوم، فإن صام قبله أو بعده معه لم يكره صرح بكراهة إفراده أصحابنا منهم الدارمي والبغوي والرافعي وغيرهم؛ لحديث عبد الله بن بسر قال الحاكم أبو عبد الله: وله معارض صحيح وهو حديث جويرية السابق في صوم يوم الجمعة قال: وله معارض آخر بإسناد صحيح. ثم روى بإسناده (عن كريب مولى ابن عباس أن ابن عباس وناسًا من أصحاب رسول الله ﷺ بعثوه إلى أم سلمة يسألها أي الأيام كان رسول الله ﷺ أكثر صيامًا لها؟ قالت: يوم السبت والأحد، فرجعت إليهم فأخبرتهم، فكأنهم أنكروا ذلك، فقاموا بأجمعهم إليها فقالوا: إنا بعثنا إليك هذا في كذا وكذا فذكر أنك قلت كذا وكذا، فقالت: صدق، إن رسول الله ﷺ أكثر ما كان يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد، وكان يقول: (إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم) هذا آخر كلام الحاكم. وحديث أم سلمة هذا رواه النسائي أيضا والبيهقي وغيرهما. وعن عائشة ﵂ قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس) رواه الترمذي وقال حديث حسن.
[ ١٥١ ]
والصواب على الجملة ما قدمناه عن أصحابنا أنه يكره إفراد السبت بالصيام إذا لم يوافق عادة له؛ لحديث الصماء وأما الأحاديث الباقية التي ذكرناها في صيام السبت فكلها واردة في صومه مع الجمعة والأحد فلا مخالفة فيها لما قاله أصحابنا من كراهة إفراد السبت وبهذا يجمع بين الأحاديث] المجموع ٦/ ٤٣٩ - ٤٤٠.
قال الحافظ المنذري عبد العظيم بن عبد القوي: قال المنذري في كتابه (الترغيب والترهيب من الحديث الشريف) ٢/ ١٢٨ بعد أن ذكر حديث ابن بسر: [وهذا النهي إنما هو عن إفراده بالصوم لما تقدم من حديث أبي هريرة: (لا يصوم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يومًا قبله أو بعده) فجاز إذًا صومه]. ثم ذكر حديث أم سلمة ﵂.
قال المناوي -محمد عبد الرؤوف المناوي-: قال في شرحه للحديث (لا تصوموا يوم السبت إلا في فريضة ): [وهذا النهي للتنزيه لا للتحريم، والمعنى فيه: إفراده كما في الجمعة، بديل حديث (صيام يوم السبت لا لك ولا عليك) وهذا شأن المباح، والدليل على أن المراد إفراده بالصوم حديث عائشة (إنه كان يقوم شعبان كله) وقوله (إلا في فريضة) يحتمل أن يراد ما فرض بأصل الشرع كرمضان لا بالتزام كنذر ويحتمل العموم] فيض القدير ٦/ ٤٠٨.
قول ابن القيم أبو بكر محمد بن عبد الله، وقال ابن القيم في تهذيب سنن بي داود ٣/ ٢٩٧ - ٣٠١: [وقد أشكل هذا الحديث على الناس قديمًا وحديثًا فقال أبو بكر الأثرم سمعت أبا عبدا لله يسأل عن صيام يوم السبت (فذكر نحو الكلام الذي سقناه في أول البحث عن الإمام أحمد والأثرم) ثم قال: واحتج الأثرم بما ذكر في النصوص المتواترة على صوم يوم السبت، يعني أن يقال: يمكن حمل النصوص الدالة على صومه على ما إذا صامه مع غيره وحديث النهي على صومه وحده، وعلى هذا تتفق النصوص].
[ ١٥٢ ]
وهذه طريقة جيدة، لولا أن قوله في الحديث (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم) دليل على المنع من صومه في غير الفرض مفردًا أو مضافا، لأن الاستثناء دليل التناول، وهو يقتضي أن النهي عنه يتناول كل صور صومه، إلا بصورة الفرض، ولو كان إنما يتناول صورة الإفراد، لقال: لا تصوموا يوم السبت إلا أن تصوموا يومًا قبله أو يومًا بعده، كما قال في الجمعة فلما خص الصورة المأذون في صومها بالفرضية علم تناول النهي لما قابلها.
وقد ثبت صوم يوم السبت مع غيره بما تقدم من الأحاديث وغيرها، كقوله في يوم الجمعة (إلا أن تصوموا يومًا قبله، أو يومًا بعده) فدل على أن الحديث غير محفوظ، وأنه شاذ. وقد قال أبو داود: قال مالك هذا كذب، وذكر بإسناده عن الزهري: أنه كان إذا ذكر له النهي عن صيام يوم السبت، يقول: هذا حديث حمصي، وعن الأوزاعي قال: مازلت كاتمًاَ له حتى رأيته انتشر، يعني حديث ابن بسر هذا. سنن أبي داود ٢/ ٨٠٦ - ٨٠٧. وقالت طائفة، منهم أبو داود: هذا حديث منسوخ المصدر السابق.
وقالت طائفة، وهم أكثر أصحاب أحمد: محكم وأخذوا به في كراهية إفراده بالصوم، وأخذوا بسائر الأحاديث في صومه مع ما يليه.
قالوا: وجواب أحمد يدل على هذا التفصيل، فإنه سئل في رواية الأثرم عنه؟ فأجاب بالحديث، وقاعدة مذهبه: أنه إذا سئل عن حكم فأجاب فيه بنص يدل على أن جوابه بالنص دليل على أنه قائل به، لأنه ذكره في معرض الجواب فهو متضمن للجواب والاستدلال معًا.
قالوا: وأما ما ذكره عن يحيى بن سعيد: فإنما هو بيان لما وقع من الشبهة في الحديث.
[ ١٥٣ ]
قالوا: وإسناده صحيح، ورواته غير مجروحين ولا متهمين، وذلك يوجب العمل به، وسائر الأحاديث ليس فيها ما يعارضه، لأنها تدل على صومه مضافًا، فيحمل النهي على صومه مفردًا كما ثبت في يوم الجمعة.
ونظير هذا الحكم أيضًا: كراهية إفراد رجب بالصوم وعدم كراهيته موصولًا بما قبله أو بعده.
ونظيره أيضًا: ما حمل الإمام أحمد عليه حديث العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة في النهي عن الصوم بعد انتصاف شعبان: أنه النهي عن ابتداء الصوم فيه، وأما صومه مع ما قبله من نصفه الأول، فلا يكره.
لم يصح في فضل صيام شهر رجب شيء من الحديث. وللحافظ ابن حجر رسالة باسم (تبيين العجب بما ورد في فضل رجب) ذكر فيها ما ورد في فضله من الأحاديث الضعيفة والموضوعة.
قالوا وقد جاء هذا مصرحًا به في صوم يوم السبت ففي مسند الإمام أحمد من حديث ابن لهيعة: حدثنا موسى بن وردان عن عبيد الأعرج حدثتني جدتي يعني الصماء (أنها دخلت على رسول الله ﷺ يوم السبت، وهو يتغدى، فقال: تعالي تغدي فقالت: إني صائمة، فقال لها: أصمت أمس؟ قالت: لا قال: كلي فإن صيام يوم السبت لا لك ولا عليك) وهذا وإن كان في إسناده من لا يحتج به إذا انفرد لكن يدل عليه ما تقدم من الأحاديث وعلى هذا: فيكون معنى قوله ﷺ: (لا تصوموا يوم السبت) أي لا تقصدوا صومه بعينه إلا في الفرض فإن الرجل يقصد صومه بعينه، بحيث لو لم يجب عليه إلا صوم يوم السبت، كمن أسلم ولم يبق من الشهر إلا يوم السبت، فإنه يصومه وحده. وأيضًا فقصده بعينه في الفرض لا يكره، بخلاف قصده بعينه في النفل، فإنه يكره ولا تزول الكراهة إلا بضم غيره إليه، أو موافقته عادة، فالمزيل للكراهة في الفرض مجرد كونه فرضًا، لا المقارنة بينه
[ ١٥٤ ]
وبين غيره وأما في النفل فالمزيل للكراهة ضم غيره إليه أو موافقته عادة، ونحو ذلك. قالوا: وأما قولكم: إن الاستثناء دليل التناول -إلى آخره- فلا ريب أن الاستثناء أخرج صورة الفرض من عموم النهي، فصورة الاقتران بما قبله أو بما بعده أخرجت بالدليل الذي تقدم، فكلا الصورتين مخرج: أما الفرض: فبالمخرج المتصل، وأما صومه مضافًا فبالمخرج المنفصل، فبقيت صورة الإفراد، واللفظ متناول لها، ولا مخرج لها من عمومه، فيتعين حمله عليها ثم انتقل ابن القيم للكلام على سبب كراهية صومه منفردًا فقال: ثم اختلف هؤلاء في تعليل الكراهة، فعللها ابن عقيل: بأنه يوم يمسك فيه اليهود، ويخصونه بالإمساك، وهو ترك العمل فيه، والصائم في مظنة ترك العمل، فيصير صومه تشبها بهم، وهذه العلة منتفية في الأحد. ولا يقال: فهذه العلة موجودة إذا صامه مع غيره ومع هذا فإنه لا يكره، لأنه إذا صامه مع غيره لم يكن قاصدًا تخصيصه المقتضى للتشبه، وشاهده: استحباب صوم يوم قبل عاشوراء وبعده إليه، لتنتفي صورة الموافقة. وعلله طائفة أخرى: بأنه يوم عيد لأهل الكتاب يعظمونه، فقصده بالصوم دون غيره يكون تعظيمًا له فكره ذلك، كما كره إفراد يوم عاشوراء بالتعظيم، لما عظمه أهل الكتاب، وإفراد رجب أيضًا لما عظمه المشركون، وهذا التعليل قد تعارض بيوم الأحد، فإنه يوم عيد للنصارى، كما قال النبي ﷺ: (اليوم لنا، وغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى) ومع ذلك فلا يكره صومه. وأيضًا فإذا كان يوم عيد، فقد يقال: مخالفتهم فيه يكون بالصوم لا بالفطر، فالصوم فيه تحقيق للمخالفة ويدل على ذلك: ما رواه الإمام أحمد والنسائي وغيرهما من حديث كريب مولى ابن عباس قال: (أرسلني ابن عباس وناس من أصحاب النبي ﷺ إلى أم سلمة أسألها: أي الأيام كان النبي ﷺ أكثرها صيامًا؟ فقالت: كان يصوم السبت ويوم الأحد أكثر ما يصوم من الأيام، ويقول إنهما يوما عيد للمشركين، فأنا أحب أن أخالفهم) وصححه بعض الحفاظ،
[ ١٥٥ ]
فهذا نص في استحباب صوم يوم عيدهم لأجل مخالفتهم، فكيف نعلل كراهة صومه بكونه عيدًا لهم؟ وفي جامع الترمذي عن عائشة قالت: (كان رسول الله ﷺ يصوم من الشهر السبت والأحد، والاثنين، ومن الشهر الآخر الثلاثاء والأربعاء والخميس) قال الترمذي: حديث حسن، وقد روى ابن مهدي هذا الحديث عن سفيان، ولم يرفعه وهذان الحديثان ليسا بحجة على من كره إفراد السبت بصوم.
وهذا الكلام متين، تجتمع به، الأدلة وهو اختيار ابن القيم كما يدل عليه السياق وصرح به في الزاد ٢/ ٧٩ - ٨٠.
ومن فتاوى العلماء المعاصرين: [سئل فضيلة الشيخ الفقيه عبد العزيز بن باز ﵀ رحمةً واسعة: ما هي الأيام التي يكره فيها الصيام؟
الجواب: الأيام التي ينهى عن الصيام فيها يوم الجمعة حيث لا يجوز أن يصوم يوم الجمعة مفردًا يتطوع بذلك لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك وهكذا لا يفرد يوم السبت تطوعًا ولكن إذا صام الجمعة ومعها السبت أو معها الخميس فلا بأس كما جاءت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ كذلك ينهى عن صوم يوم عيد الفطر وذلك محرم، وكذلك يوم عيد النحر وأيام التشريق كلها لا تصام لأن الرسول ﷺ نهى عن ذلك إلا أن أيام التشريق قد جاء ما يدل على جواز صومها عن هدي التمتع والقران خاصة لمن لا يستطع الهدي لما ثبت في البخاري عن عائشة ﵂ وابن عمر ﵄ قالا: (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي) أما كونها تصام تطوعًا أو لأسباب أخرى فلا يجوز كيوم العيد وهكذا يوم الثلاثين من شعبان إذا لم تثبت رؤية الهلال فإنه يوم شك لا يجوز صومه في أصح قولي العلماء سواء كان صحوًا أو غيما للأحاديث الصحيحة الدالة على النهي عن ذلك والله ولي التوفيق] فتاوى إسلامية ٢/ ١٦٨ جمع محمد المسند.
[ ١٥٦ ]
وسئل فضيلة الشيخ محمد بن صالح العثيمين حفظه الله تعالى عن هذه المسألة، فقال السائل: [قال ﷺ: (لا تصوموا يوم السبت إلا فيما افترض عليكم، فإن لم يجد أحدكم إلا لحاء عنب أوعود شجر فليمضغها) رواه الخمسة.
وعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله ﷺ: (كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت ويوم الأحد، وكان يقول: إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم) أخرجه النسائي. أفيدونا عن معنى هذين الحديثين جزاكم الله خيرًا؟
الجواب: الحديث الأول هو عن صيام يوم السبت اختلف العلماء في تصحيحه فمنهم من صححه، ومنهم من ضعفه، والذين صححوه قال بعضهم: إنه منسوخ وقال بعضهم: إن النهي عن إفراده فقط، فأما لو صامه هو ويوم الأحد فلانهي في ذلك، وعلى هذا فلا يعارض الحديث الثاني، الذي فيه أن النبي ﷺ كان أكثر ما يصوم هو يوم السبت والأحد.
وعلى كل حال فإن أهل العلم اختلفوا في صوم يوم السبت، فمهم من قال: إنه ليس بمكروه وأطلق، ومنهم من فصل فقال: إن أفرد فهو مكروه، وإن جمع مع يوم الأحد الذي بعده، أو يوم الجمعة الذي قبله فلاكراهة في ذلك وهذا هو الأقرب، والله اعلم] فتاوى منار الإسلام ٢/ ٣٦٥ - ٣٦٦.
وقالت اللجنة الدائمة للإفتاء برئاسة الشيخ العلامة عبد العزيز بن باز: [يجوز صيام يوم عرفة مستقلًا سواء وافق يوم السبت أو غيره من أيام الأسبوع لأنه لا فرق بينها لأن صوم يوم عرفة سنة مستقلة وحديث النهي عن يوم السبت ضعيف لاضطرابه ومخالفته للأحاديث الصحيحة] فتاوى اللجنة الدائمة ١٠/ ٣٩٦. عن الإنترنت.
ومن الأدلة الدالة على جواز صيام يوم السبت ماجاء في الصحيحين: (أن النبي ﷺ قال: أفضل الصيام صيام داود كان يصوم يومًا ويفطر يومًا) واليقين حاصل بهذا الحديث أنه يوافق يوم السبت، وجاء في صحيح الإمام مسلم عن أبي
[ ١٥٧ ]
أيوب أن النبي ﷺ قال: من صام رمضان واتبعه بست من شوال فكأنما صام الدهر. والغالب في هذه الستّ أن يوافق أحدها يوم السبت. وقد استحب أهل العلم صيام ست من شوال متتابعه، وأيضًا لم يقل النبي ﷺ: (وأتبعه ستًا من شوال إلا يوم السبت)، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز.
ومن الأدلة مارواه الشيخان أيضًا عن جويرية (أنّها صامت يوم الجمعة فدخل عليها النبي ﷺ وهي صائمة فقال: أصمتِ أمس؟ قالت: لا، قال: أتصومين غدًا (يعني السبت)، قالت: لا، قال إذًا أفطري). فهذا الحديث صريح بجواز صيام السبت بغير الفرض
ومنها: عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها، أن رسول الله ﷺ كان أكثر ما يصوم من الأيام يوم السبت، ويوم الأحد، وكان يقول: (إنهما يوما عيد للمشركين، وأنا أريد أن أخالفهم). رواه النسائي وأحمد وابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
هذا الخبر رواه النسائي (الكبرى) من طريق عبدالله بن المبارك عن عبدالله بن محمد بن عمر عن أبيه عن كريب عن أم سلمة ﵄. وعبدالله بن محمد وأبوه قد روى عنهما جمع وذكرهما ابن حبان في ثقاته ومن ثمّ صحح لهما الإمام ابن خزيمة وابن حبان والحاكم.
والحديث يدل على جواز صيام يوم السبت بل يدل الخبر على استحباب ذلك مخالفة لليهود فإنهم يعظمون يوم السبت والأحد ويجعلونهما عيدًا لهم ومعلوم عندنا أن العيد لايشرع صيامه فشرع لنا مخالفتهم وصيام هذين اليومين فدل هذا الخبر عن نكارة حديث الصماء. وأم سلمة ﵂ أدرى بأحوال النبي ﷺ من الصماء.
[ ١٥٨ ]
فخبر الباب منكر من حيث الإسناد وباطل من حيث المتن، وأكثر الحفاظ على إنكاره كالأوزاعي ويحيى بن سعيد بل قال مالك هذا كذب وأنكره الإمام أحمد وغير هؤلاء من الحفاظ الذين أنكروا هذا الخبر وأعلوه سندًا ومتنًا.
فكيف بعد هذا يصحح الحديث وقد اجتهد العلامة الألباني ﵀ فصحح الحديث وجاء بعض تلامذته فتعصب له وألف رسالة في تصحيحه ولا شك بأن اتباع كلام الأئمة المتقدمين في تضعيفه بالاضطراب والنكارة والشذوذ أولى والله أعلم بالصواب.
وخلاصة الأمر أنه يجوز إفراد يوم السبت بصيام إذا كان له سبب كيوم عرفة وعاشوراء وصيام البيض ولا يكره صيام السبت إذا صام يومًا قبله أو بعده ويكره إفراد يوم السبت بصيام إذا قصد المسلم تعظيمه لأنه من أعياد اليهود.
وأقول للقراء الكرام صوموا يوم عرفة لأنه يوم عرفة وبغض النظر أنه وافق يوم السبت.
- - -
[ ١٥٩ ]