يقول السائل: ما حكم قراءة القرآن على القبور؟
الجواب: يقصد كثير من الناس القبور لزيارتها في يومي العيد ويجلسون حول القبر ومعهم المصاحف فيقرؤون ما تيسر من القرآن الكريم وخاصة سورة يس.
وقراءة القرآن على القبور من البدع المنتشرة وليست عبادة مشروعة على الصحيح من أقوال أهل العلم حيث إنها لم تثبت عن الرسولصلى الله عليه وسلم ولا عن الصحابة ﵃.
قال الشيخ علي محفوظ: [ومن هذا الأصل العظيم تعلم أن أكثر أفعال الناس اليوم من البدع المذمومة كقراءة القرآن الكريم على القبور رحمة بالميت: تركه النبيصلى الله عليه وسلم وتركه الصحابة مع قيام المقتضي للفعل وهو الشفقة بالميت وعدم المانع منه، فعلى هذا الأصل المذكور يكون تركه هو السنة وفعله بدعة مذمومة - وكيف يعقل أن يترك الرسولصلى الله عليه وسلم شيئًا نافعًا يعود على أمته بالرحمة وهو بالمؤمنين رؤوف رحيم، فهل يعقل أن يكون هذا بابًا من أبواب الرحمة ويتركه الرسول طول حياته ولا يقرأ على ميت مرة واحدة مع العلم بأن القرآن الحكيم ما نزل للأموات وإنما نزل للأحياء نزل ليكون ترغيبًا للمطيع وترهيبًا للعاصي، نزل لتهذيب نفوسنا وإصلاح شؤوننا أنزل الله ﷿ القرآن كغيره من الكتب السماوية ليعمل على طريقه العاملون ويهتدي بهديه المهتدون، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْءَانَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَثبيرًا وَأَنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالاخِرَةِ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ فهل سمعتم أن كتابًا من الكتب السماوية قرئ على الأموات أو أخذت عليه الأجور والصدقات، والله يقول لنبيه: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ
[ ٢٦٩ ]
عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ لهم أن يتصدقوا على موتاهم لكن لا ثمنًا للقرآن] الإبداع ص ٤٤.
ومذهب جمهور العلماء على أن القراءة على القبور غير مشروعة وهو مذهب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد في رواية عنه، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: [ولا يحفظ عن الشافعي في هذه المسألة كلام لأن ذلك كان عنده بدعة وقال مالك ما علمت أحدًا يفعل ذلك فعلم أن الصحابة والتابعين ما كانوا يفعلونه] اقتضاء الصراط المستقيم ص ٣٨٠، وانظر الإنصاف ٢/ ٥٥٧ - ٥٥٨، الفروع ٢/ ٣٠٢.
جاء في الشرح الكبير: [وكره قراءة بعده أي بعد موته وعلى قبره لأنه ليس من عمل السلف]. وقال الدسوقي معلقًا عليه: [قوله لأنه ليس من عمل السلف أي فقد كان عملهم التصدق والدعاء لا القراءة] حاشية الدسوقي ١/ ٤٢٣.
ولم يصح شيء عن النبي ﷺ في قراءة القرآن على القبر بخلاف ما ذكره بعض العلماء في الاستدلال على جواز القراءة عند القبر فمما ذكروه:
١. ما ذكره ابن عابدين عند تعليقه على قول صاحب الدر: قوله (ويقرأ يس) لما ورد: [من دخل المقابر فقرأ سورة يس خفف الله عنهم يومئذ وكان له بعدد من فيها حسنات] حاشية ابن عابدين ٢/ ٢٤٢ - ٢٤٣. فهذا الحديث موضوع مكذوب على رسول اللهصلى الله عليه وسلم أخرجه الثعلبي في تفسيره من طريق محمد بن أحمد الرياحي الخ السند.
وبين العلامة الألباني أن هذا الإسناد مظلم هالك مسلسل بالعلل ثم بين حال رواته سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/ ٣٩٧ - ٣٩٨. وتكلم على الحديث أيضًا الحافظ السخاوي وقال إنه لا يصح. الأجوبة المرضية ١/ ١٧٠.
٢. ما روي في الحديث: (من مرَّ بالمقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات)، فهذا الحديث قال عنه
[ ٢٧٠ ]
العلامة الألباني: [موضوع أخرجه أبو محمد الخلال في "فضائل الإخلاص" والديلمي في مسند الفردوس وذكره السيوطي في ذيل الأحاديث الموضوعة] سلسلة الأحاديث الضعيفة ٣/ ٤٥٢ - ٤٥٣، وانظر الأجوبة المرضية ١/ ١٧٠.
وقال العلامة الألباني أيضًا: [وأما حديث (من مرَّ بالمقابر فقرأ: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ إحدى عشرة مرة ثم وهب أجره للأموات أعطي من الأجر بعدد الأموات) فهو حديث باطل موضوع، رواه أبو محمد الخلال في القراءة على القبور والديلمي عن نسخة عبد الله بن أحمد بن عامر عن أبيه عن علي الرضا عن آبائه وهي نسخة موضوعة باطلة لا تنفك عن وضع عبد الله هذا أو وضع أبيه كما قال الذهبي في الميزان وتبعه الحافظ ابن حجر في اللسان ثم السيوطي في ذيل الأحاديث الموضوعة وذكر له هذا الحديث وتبعه ابن عراق في تنزيه الشريعة المرفوعة عن الأحاديث الشنيعة الموضوعة] أحكام الجنائز ص ١٩٣.
٣. ما روي في الحديث (من زار قبر والديه كل جمعة فقرأ عندهما يس غفر له بعدد كل آية وحرف).
قال العلامة الألباني: [موضوع رواه ابن عدي وأبو نعيم وقال ابن عدي: باطل ليس له أصل بهذا الإسناد ولهذا أورده ابن الجوزي في الموضوعات من رواية ابن عدي فأصاب] سلسلة الأحاديث الضعيفة ١/ ٦٦ - ٦٧، وانظر الأجوبة المرضية ١/ ١٧١.
إذا ثبت هذا فإن المشروع عند زيارة القبور هو السلام على الأموات وتذكر الآخرة والدعاء والاستغفار وأما قراءة القرآن فلا ويدل على ذلك ما ورد عن النبي ﷺ في هديه ﷺ لزيارة القبور.
قال العلامة ابن القيم: [فصل في هديه ﷺ في زيارة القبور، كان إذا زار قبور أصحابه يزورها للدعاء لهم والترحم عليهم والاستغفار لهم وهذه هي الزيارة
[ ٢٧١ ]
التي سنها لأمته وشرعها لهم وأمرهم أن يقولوا إذا زاروها: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله بكم لاحقون نسأل الله لنا ولكم العافية) زاد المعاد ١/ ٥٢٦.
وهذا الحديث الذي ذكره ابن القيم رواه مسلم عن بريدة ولفظه: (كان رسول الله ﷺ يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول - في رواية أبي بكر -: السلام على أهل الديار).
وفي رواية زهير: (السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وإنا إن شاء الله للاحقون أسأل الله لنا ولكم العافية) صحيح مسلم بشرح النووي ٣/ ٣٩.
وصح في الحديث عن عائشة ﵂ أنها قالت: (كان رسول الله ﷺ كلما كان ليلتها من رسول ﷺ يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين وأتاكم ما توعدون غدًا مؤجلون وإنا إن شاء الله بكم لاحقون اللهم اغفر لأهل بقيع الغرقد) المصدر السابق ٣/ ٣٥ - ٣٦. وغير ذلك من الأحاديث.
فإن قيل إنه قد ورد عن ابن عمر ﵄ أنه أوصى إذا دفن أن يُقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها كما ذكره جماعة من أهل العلم في قصة منقولة عن الإمام أحمد المغني ٢/ ٤٢٢، الروح ص ١٠.
قال العلامة ابن القيم: [وقال الخلال في الجامع، كتاب القراءة عند القبور أخبرنا العباس بن محمد الدوري حدثنا يحيى بن معين حدثنا مبشر الحلبي حدثني عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه قال: قال أبي إذا أنا مت فضعني في اللحد وقل: بسم الله وعلى سنة رسول الله وسُنَّ عليَّ التراب سنًا واقرأ عند رأسي بفاتحة البقرة فإني سمعت عبد الله بن عمر يقول ذلك، قال عباس الدوري: سألت أحمد
[ ٢٧٢ ]
ابن حنبل قلت: تحفظ في القراءة على القبر شيئًا؟ فقال: لا وسألت يحيى بن معين فحدثني بهذا الحديث.
قال الخلال: وأخبرني الحسن بن أحمد الوراق حدثني علي بن موسى الحداد وكان صدوقًا، قال: كنت مع أحمد بن حنبل ومحمد بن قدامة الجوهري في جنازة فلما دفن الميت جلس رجل ضرير يقرأ عند القبر فقال له أحمد: يا هذا إن القراءة عند القبر بدعة، فلما خرجنا من المقابر قال محمد بن قدامة لأحمد بن حنبل يا أبا عبد الله ما تقول في مبشر الحلبي؟ قال: ثقة، قال: كتبت عنه شيئًا، قال: نعم، فأخبرني مبشر عن عبد الحمن بن العلاء بن اللجلاج عن أبيه أنه أوصى إذا دفن أن يقرأ عند رأسه بفاتحة البقرة وخاتمتها وقال: سمعت ابن عمر يوصي بذلك، فقال له أحمد فارجع وقل للرجل يقرأ] الروح ص ١٠.
قال العلامة الألباني: [فالجواب عنه من وجوه:
الأول: أن في ثبوت هذه القصة عن أحمد نظر، لأن شيخ الخلال الحسن بن أحمد الوراق لم أجد له ترجمة فيما عندي الآن من كتب الرجال وكذلك شيخه على بن موسى الحداد لم أعرفه وإن قيل في هذا السند أنه كان صدوقًا فإن الظاهر أن القائل هو الوراق هذا وقد عرفت حاله.
الثاني: أنه إن ثبت ذلك عنه فإنه أخص مما رواه أبو داود عنه، وينتج من الجمع بين الروايتين عنه أن مذهبه كراهة القراءة عند القبر إلا عند الدفن.
الثالث: أن السند بهذا الأثر لا يصح عن ابن عمر ولو فرض ثبوته عند أحمد وذلك لأن عبد الرحمن بن العلاء بن اللجلاج معدود في المجهولين، كما يشعر بذلك قول الذهبي في ترجمته من الميزان: ما روى عنه سوى مبشر هذا، ومن طريقه رواه ابن عساكر وأما توثيق ابن حبان إياه فمما لا يعتد به لما اشتهر به من التساهل في التوثيق ولذلك لم يعرج عليه الحافظ في التقريب، حين قال في المترجم: مقبول،
[ ٢٧٣ ]
يعني عند المتابعة وإلا فلين الحديث كما نص عليه في المقدمة ومما يؤيد ما ذكرنا أن الترمذي مع تساهله في التحسين لما أخرج له حديثًا آخر وليس له عنده غيره سكت عليه ولم يحسنه!
الرابع: أنه لو ثبت سنده عن ابن عمر فهو موقوف لم يرفعه إلى النبي
ﷺ فلا حجة فيه أصلًا] أحكام الجنائز ص ١٩٢ - ١٩٣، وانظر السلسلة الضعيفة ١/ ٦٧.
[ ٢٧٤ ]