يقول السائل: كيف كان هدي النبي ﷺ في رمضان؟
الجواب: لا شك أن هدي النبي ﷺ في رمضان هو أكمل الهدي، وعمله ﷺ هو خير العمل، وعلى كل مسلم أن يبذل وسعه وطاقته في الاقتداء برسول الله ﷺ، قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرا﴾ سورة الأحزاب الآية ٢١. وأبين هنا هدي سيدنا رسول الله ﷺ في رمضان كما صح عنه في دواوين السنة، وكما ذكره المحققون من أهل العلم، فمن المعلوم عند أهل العلم أن فرض صيام رمضان كان في السنة الثانية من الهجرة النبوية، وقد صام النبي ﷺ تسع رمضانات. وكان هدي رسول الله ﷺ في أعلى درجات الكمال وأعظم تحصيل للمقصود وأسهله على النفوس كما قال العلامة ابن القيم في زاد المعاد ٢/ ٣٠.
فقد كان ﷺ يدخل في صوم رمضان برؤية محققة أو بشهادة شاهد واحد كما ثبت في الحديث عن ابن عمر ﵁ قال: (تراءى الناس الهلال فأخبرت رسول الله ﷺ أني رأيته فصامه وأمر الناس بصيامه) رواه أبو داود وابن حبان وصححه ورواه الحاكم وصححه ووافقه الذهبي.
وإذا حالت دون رؤية الهلال غيوم أو قتر أو نحوهما أكمل عدة شعبان ثلاثين يومًا كما ثبت في الحديث عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: (صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا ثلاثين) رواه البخاري ومسلم.
فإذا ثبتت رؤية الهلال أو أكملت عدة شعبان ثلاثين يومًا فنصوم ويجب أن يعلم أن صوم رمضان عبادة جماعية لا يجوز لجماعة أو أحد أن ينفرد في بداية الصوم أو نهايته وإنما الصوم مع جماعة الناس فقد صح في الحديث أن النبي صلى الله عليه
[ ١٣ ]
وسلم قال: الصوم يوم تصومون والفطر يوم تفطرون والأضحى يوم تضحون) رواه أبو داود والترمذي والبيهقي وهو حديث صحيح قال الإمام الترمذي: [وفسر بعض أهل العلم هذا الحديث فقال: إنما معنى هذا: الصوم والفطر مع الجماعة وعظم الناس] سنن الترمذي ٣/ ٨٠. فإذا ثبت دخول شهر رمضان فلا بد من تبييت نية الصيام كما ورد في الحديث عن حفصة ﵂ أن النبي ﷺ قال: (من لم يجمع الصيام قبل الفجر فلا صيام له) رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن خزيمة. وهو حديث صحيح كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٦٥.
ومن المعلوم عند أهل العلم أن النية محلها القلب ولا علاقة للسان بها لذا فإن التلفظ بالنية بدعة مخالفة لهدي المصطفى ﷺ.
ومن هدي النبي ﷺ في رمضان السحور فقد صح في الحديث عن أنس ﵁ أن النبي ﷺ قال: (تسحروا فإن في السحور بركة) رواه البخاري ومسلم.
ومن السنَّة تأخير السحور وجعله قريبًا من وقت صلاة الفجر فقد ورد في الحديث عن أنس ﵁ عن زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: (تسحرنا مع النبي ﷺ ثم قام إلى الصلاة. قلت: كم كان بين الأذان والسحور؟ قال: قدر خمسين آية) رواه البخاري ومسلم.
ومن هدي المصطفى ﷺ تعجيل الفطر فمن المعلوم أن الصوم ينتهي بحلول الليل كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ سورة البقرة الآية ١٨٧. والليل يبدأ بعد غروب الشمس مباشرة. وقد صح في الحديث أن النبي ﷺ قال: (لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر) رواه البخاري ومسلم.
[ ١٤ ]
وكان ﷺ يفطر قبل أن يصلي المغرب فقد جاء في الحديث عن أنس ﵁ قال: كان رسول الله ﷺ يفطر على رطبات قبل أن يصلي فإن لم تكن رطبات فعلى تمرات فإن لم تكن حسا حسواتٍ من ماء) رواه أبو داود وقال العلامة الألباني حسن صحيح. انظر صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٤٩.
ومن هديه ﷺ الإفطار على الرطب كما تقدم في حديث أنس فإن لم يتيسر الرطب - وهو ثمر النخل الناضج - أفطر على تمرات - والتمر هو ثمر النخل بعد أن يجف أو يقارب - فإن لم يتيسر التمر أفطر على الماء.
قال العلامة ابن القيم: [وكان يحض على الفطر بالتمر فإن لم يجد فعلى الماء هذا من كمال شفقته على أمته ونصحهم فإن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به ولا سيما القوى الباصرة فإنها تقوى به وحلاوة المدينة التمر ومرباهم عليه وهو عندهم قوت وأدم، ورطبه فاكهة. فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس. فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده. ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ قبل الأكل بشرب قليل من الماء ثم يأكل بعده هذا مع ما في التمر والماء من الخاصية التي لها تأثير في صلاح القلب لا يعلمها إلا أطباء القلوب] زاد المعاد ٢/ ٥٠ - ٥١.
وكان من هديه ﷺ أن يقول عند الفطر ما ورد في الحديث عن ابن عمر ﵄ قال: كان رسول الله ﷺ إذا أفطر قال: (ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله) رواه أبو داود وغيره وهو حديث حسن كما قال العلامة الألباني في صحيح سنن أبي داود ٢/ ٤٤٩.
وروي أنه ﷺ كان يقول عند فطره: (الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت) رواه أبو داود وابن السني وهو حديث مرسل.
[ ١٥ ]
وروي أنه ﷺ كان يقول إذا أفطر: (اللهم لك صمنا وعلى رزقك أفطرنا فتقبله منا إنك أنت السميع العليم) رواه ابن السني في عمل اليوم والليلة.
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ: (إن للصائم عند فطره لدعوة ما ترد) رواه ابن ماجة والحاكم وابن السني وقال البوصيري إسناده صحيح رجاله ثقات. انظر عمل اليوم والليلة لابن السني ص٢٢٨.
وصح أن النبي ﷺ صلَّى صلاة التراويح كما ورد في الحديث عن عائشة ﵂ (أن رسول الله ﷺ خرج ليلة في جوف الليل، فصلى في المسجد وصلى رجال بصلاته، فأصبح الناس فتحدثوا، فاجتمع أكثر منهم فصلى فصلوا معه، فأصبح الناس فتحدثوا، فكثر أهل المسجد من الليلة الثالثة، فخرج رسول الله ﷺ فصلى بصلاته، فلما كانت الليلة الرابعة عجز المسجد عن أهله حتى خرج لصلاة الصبح، فلما قضى الفجر أقبل على الناس فتشهد، ثم قال: أما فإنه لم يخف عليَّ مكانكم ولكني خشيت أن تفرض عليكم فتعجزوا عنها. فتوفي رسول الله ﷺ والأمر على ذلك) رواه البخاري ومسلم.
ثم إن المسلمين قد حافظوا على صلاة التروايح في كل ليلةٍ من ليالي رمضان في جماعة واحدة في المسجد منذ عهد عمر ﵁، فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الرحمن بن عبدٍ القاري قال: خرجت مع عمر بن الخطاب ﵁ ليلة في رمضان إلى المسجد، فإذا الناس أوزاع متفرقون يصلي الرجل لنفسه، ويصلي الرجل فيصلي بصلاته الرهط، فقال عمر: إني أرى لو جمعت هؤلاء على قارئ واحد لكان أمثل، ثم عزم فجمعهم على أبي بن كعب، ثم خرجت معه ليلة أخرى والناس يصلون بصلاة قارئهم، قال عمر: نعمت البدعة هذه والتي ينامون عنها أفضل من التي يقومون وكان الناس يقومون أوله).
[ ١٦ ]
وكان من هدي الرسول ﷺ الاجتهاد في العبادة في العشر الأواخر من رمضان، فقد ورد في الحديث عن عائشة ﵂: (أن النبي ﷺ كان إذا دخل العشر الأواخر أحيا الليل وأيقظ أهله وشد المئزر) رواه البخاري ومسلم، وفي رواية عند مسلم: (كان ﷺ يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره).
وكان من هدي المصطفى ﷺ الاعتكاف في رمضان فقد صح في الحديث عن عائشة ﵂ قالت: (كان النبي ﷺ يعتكف العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله) رواه البخاري ومسلم.
ومن هدي المصطفى ﷺ في رمضان الجود والكرم ومدارسة القرآن الكريم، فقد صح في الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: (كان رسول الله ﷺ أجود الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يلقاه جبريل، وكان يلقاه في كل ليلة من رمضان فيدارسه القرآن، وكان ﷺ أجود بالخير من الريح المرسلة) رواه البخاري ومسلم.
وختامًا فعلى المسلم أن يصوم رمضان مخلصًا لله تعالى حتى ينال الجزاء الأوفى وهو غفران الذنوب؛ فقد صح في الحديث عن أبي هريرة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه البخاري ومسلم.
وعن أبي هريرة ﵁ أيضًا أنه ﷺ قال: (من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه) رواه مسلم.
هذا هو الهدي النبوي في رمضان على وجه الإيجاز والاختصار فعلى الصائمين الاقتداء برسول الله ﷺ في هذا الشهر الفضيل بقدر الوسع والطاقة، وعليهم أن يحذروا الشيطان وأعوانه من شياطين الإنس، الذين يحاولون بشتى
[ ١٧ ]
السبل والوسائل إفساد هذه العبادة العظيمة على الناس، ويفرغونها من مضامينها الإيمانية؛ عن طريق استغلال وسائل الإعلام بتقديم المسلسلات التي يزعمون أنها دينية وهي في معظمها لا علاقة لها بالدين إلا في الاسم. وكذلك المسابقات التي يتفننون في أسمائها وأشكالها وهدفها الحقيقي إنما هو إفساد الناس وأخلاقهم وتضييع أموالهم فيما العلم به لا ينفع والجهل به لا يضر.
فعلى المسلم أن يستفيد من وقته دائمًا وخاصة في شهر رمضان المبارك، فيقضي الصائم وقته في الطاعة كقراءة القرآن الكريم، والمحافظة على صلاة الجماعة، وصلاة التراويح وفعل الخيرات. كما أن في شهر رمضان فرصة طيبة للرجوع إلى الله والالتزام بشرعه، وفيه فرصة للإقلاع عن العادات القبيحة والسيئة كالتدخين.
- - -
[ ١٨ ]