(موانع الميراث) جمع مانع على انه صفة ما لا يعقل كطوالع وشواهق فلا حاجة الى جعله جمع مانعة كما قيل وهو لغة الحائل واصطلاحا ما ينتفى لاجله الحكم عن شخص لمعنى فيه بعد قيام سببه ويسمى محروما فخرج ما انتفى لمعنى فى غيره فانه محجوب أو لعدم قيام السبب كالاجنبي والمراد بالمانع ههنا المانع عن الوارثية لا المورثية وان كان بعضها كاختلاف الدين مانعا عنهما (عدت) اى عدها الاكثرون (اربعة وزاد بعض) اربعة (في مثلها وجمعه) اى ما يمنع فجعله ثمانية (والحق ان المنع) ثابت (فى الحقيقة لو احد كما ترى من خمسة) بالاستقراء الشرعى واما الدور الحكمى الذى عده الشافعية مانعا وهو ان يلزم من التوريث عدمه كاقرار اخ حائز بابن للميت فيثبت نسبه ولا يرث عندهم لانه لوورث لحجب الاخ فلا يكون الاخ وارثا حائزا فلا يقبل اقراره بالابن فلا يثبت نسبه فلا يرث لان اثبات ارثه يؤدى الى نفيه وما ادى اثباته الى نفيه انتفى من اصله وهذا الصحيح عندهم والظاهر انه غير مانع عندنا فان ظاهر كلام علمائنا صحة اقرار هذا الاخ بالابن ويثبت نسبه في حق نفسه فقط فيرث الابن دونه لانه اقرار بالنسب على الغير فيصح في حق نفسه كما مر مبسوطا * قلت وقد رأيت المسألة منقولة في فتاوى العلامة قاسم ولله الحمد * وقال محمد في الاملا ولو كانت
[ ٢ / ١٩٩ ]
للرجل عمة او مولى نعمة فاقرت العمة او مولى النعمة باخ للميت من ابيه او امه او بعم او بابن عم اخذ المقر له الميراث كله لان الوارث المعروف اقربائه مقدم عليه فى استحقاق ماله واقراره حجة على نفسه انتهى فلما لم يكن في هذا دور عندنا لم يذكر فى الموانع وذكره في بابه انتهى كلامه وما زاد عليها فتسميته مانعا مجاز كما قال (وفى سواها المنع لما اطلقوا خصوه بالمجاز فيما حققوا) لان انتفاء الارث فيه ليس لذاته بل لانتفاء احد شيئين اما الشرط او السبب كما ستحققه ولما كان انتفاء السبب وانتفاء الشرط ووجود المانع مشتركة في اقتضائها انتفاء الميراث تجوزوا في عدها موانع لذلك (فالأول) من الموانع الخمسة الحقيقية (الرق) وهو لغة الضعف وعرفا عجز حكمى قائم بالانسان بمعنى ان الرقيق عاجز عما يقدر عليه الحر من الشهادة والولاية والملك مطلقا فلوورث لوقع لسيده الاجنبي فلا يرث (ولو مبعضا) اى سواء كان رقه كاملا كالقن وكذا المكاتب فان الرق فيه كامل وانما النقصان فى ملكه واذا اجزأ عن الكفارة دون المدبر ونحوه فافهم او ناقصا كالمدبر وام الولد والمبعض وهذا (عند الامام) الاعظم ووافقه مالك رحمهما الله تعالى وقالا هو كحر مديون فيورث ويرث ويحجب بناء على ان العتق يوجب زوال الملك عنده وهو منجز وعندهما زوال الرق وهو غير منجز ولا خلاف في عدم تجزى العتق والرق كابين فى محله (فهو) اى قول الامام فى المبعض (قول مرتضى) وعند الشافعي رحمه الله تعالى لا يرث بل يورث وعند احمد رحمه الله تعالى يرث ويورث ويحجب بقدر ما فيه من الحرية (والثانى) من الموانع وسقطت الياء للضرورة (قتل) بغير حق من عاقل بالغ (موجب) في أصله (للقود) والاثم دون الكفارة وهو العمد (او موجب) جرى على الغالب اذ الحكم فيما استحب فيه الكفارة كذلك كمن ضرب امرأة فالقت جنينا ميتا ففيه الغرة وتستحب الكفارة مع انه يحرم الارث منه (كفارة للصمد) تعالى والدية ايضا دون القود سواء وجب الاثم ايضا كشبه العمد اولا كالخطأ وماجرى مجراه فيحرم عن الميراث في الصور كلها، وأما ما كان موجبه الدية دون القصاص والكفارة وهو القتل بالتسبب دون المباشرة كحافر البئر في غير ملكه او كان بحق كقتله مورثه قصاصا او حدا او دفعا عن نفسه او كان القاتل صبيا او مجنونا فلا حرمان عندنا * وقيدنا بقولنا فى اصله ليدخل فيه مالم يثبت به القصاص والكفارة لعارض كمن قتل فرعه عمدا فسقوطه لحرمة الابوة ولذا وجبت الدية في ماله ولو وجبت باصل القتل لكانت على العاقلة كالخطأ * ثم عند الشافعي رحمه الله تعالى
[ ٢ / ٢٠٠ ]
لا يرث القاتل مطلقا بحق اولا مباشرة اولا ولو بشهادة او تزكية لشاهد بالقتل * وعند احمد رحمه الله تعالى كل قتل مضمون بقود اودية او كفارة يحرم الارث ومالا فلا وعند مالك رحمه الله تعالى قاتل الخطأ يرث من المال دون الدية * ولو مات القاتل قبل المقتول ورثه المقتول اجماعا (والثالث) من الموانع الخمسة (اختلاف دين) هو والملة متحدان بالذات مختلفان بالاعتبار فلا فرق في التعبير به أو بها (ظهرا) صفة اختلاف اى المعتبر الاختلاف فيما ظهر لنا عند الموت لا فى الحقيقة (كفرا واسلاما) تمييز ومعطوف عليه (كما تقررا) فلا يرث الكافر من المسلم اجماعا وكذا عكسه خلافا لمعاذ ومعاوية رضى الله تعالى عنهما وبه اخذ الحسن ومحمد بن الحنفية وهو القياس لان مبنى الميراث على الولاية والمسلم من اهلها وعند احمد اذا اسلم قبل القسمة يرث ترغيبا له فى الاسلام وكذا يرث من عتيقه الكافر واعلم ان الكفار يتوارثون فيما بينهم على تفصيل يأتى نظما وان اختلف تحلهم عندنا لان الكفر كله ملة واحدة خلافا لما لك واحمد وهذا ان لم تختلف الدار كما قال (والرابع) من الموانع (اختلاف دار الكفر ما بينهم) اى الكفار فلا يؤثر فى حق المسلمين فلو مات تاجر او اسير ثمه وكان مسلما ورثه من في دارنا واعلم ان الاختلاف اقسام ثلاثة حقيقة وحكما كحربي في دارهم مع ذمى في دار ناو حكما فقط كحربيين من دارين مختلفين كهندي ورومى وكمستأمنين من دارين في دارنا في الصورتين والا فلو فى دارهم فالاختلاف حقيقة وحكما فافهم وكمستأمن على شرف العود مع ذمى فى دارنا وحقيقة فقط كمستأمن في دارنا مع حربى فى دارهم من دار واحدة والمانع الاختلاف حكما سواء وجد معه الاختلاف حقيقة اولا فلذا قال (حكما تراه يجرى) ثم اختلاف الدار باختلاف النعة اى العسكر واختلاف الملك لاختلاف العصمة فيما بينهم فلو كان فى دار ملك ذو جيش وفى اخرى مثله وكان لو ظفر احدهما بواحد من عسكر الآخر قتله اختلف الداران (والخامس) من الموانع (الردة فى الانسان) وهي لغة الرجوع مطلقا وعرفا الرجوع عن دين الاسلام والشرط فى صحتها صدورها (من عاقل طوعا عن الايمان) متعلق بالردة فلا تصح ردة مجنون ومعتوه وموسوس وسكران ومكره وصى لا يعقل واما العاقل فتصح منه كاسلامه فلا يرث ابويه الكافرين ولا يرث المرتد احدا اجماعا مثله اولا وتورث عندنا اكسابه مطلقا عندهما كالمرتدة واكساب اسلامه فقط عنده خلافا لمالك والشافعي رحمهما الله تعالى والحكم بلحوق المرتد بدار الحرب كونه فيعتق مدبره ويحل دينه ويقسم ماله بين ورثته المسلمين (وليس هذا)
[ ٢ / ٢٠١ ]
المانع (لاختلاف الدين) المتقدم (لانه) اى المرتد (ليس له من دين) لانه لا يقر على ما انتقل اليه وايضا او كان المانع ذلك لما ورثه المسلم والظاهر ان مثله الزنديق وهو على ما في فتح القدير من لا يتدين بدين * واستشكل ارث المسلم منه بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لا يرث المسلم الكافر * واجيب بان المراد كافر له ملة أو يقال محمول على الكافر الاصلى لئلا يتضمن مخالفة الاجماع على قسم ماله بين ورثته المسلمين (قلت) ولا يخفى ما فى دعوى الاجماع او يقال ان ارث المسلم منه مستند الى حال اسلامه بناء على قول الامام ولذا خصه بكسب الاسلام وعلى قولهما لما أجبر على العود اعتبر حكم الاسلام فيها ينتفع به وارثه فكان ثوريث المسلم من المسلم كما اشار اليه السيد وغيره (فهذه) الموانع الخمس (قد انتفى الارث) عمن قامت فيه بعد قيام سببه ولذا سمى محروما (بها) اى بسببها (لذاتها حقيقة و) اما (غيرها) مما سيأتي فانتفى به الارث (لانتفاء الشرط فيه او) لانتفاء (سبب) ولذا سمى مانعا مجازا كما مر (لا انه لذاته الارث) مفعول مقدم لقوله (حجب) اى منع (وهو) اى غيرها بناء (على ما ذكروا ثلاثة) بل اربعة احدها (نبوة) بتقديم النون فانها (مانعة وراثه) وهل هي مانعة عن الوارثية والموروثية جميعا او عن الموروثية فقط ذهب الشافعية الى الثانى للحديث نحن معاشر الانبياء لا نورث * واضطرب كلام ائمتنا ففى الاشباه عن التتمة كل انسان يرث ويورث الا الانبياء عليهم الصلاة والسلام لا يرثون ولا يورثون وما قيل من انه ﵊ ورث خديجة لم يصح وانما وهبت مالها له في صحتها انتهى ونقله عنه فى معين المفتى والدر المنتقى وكلام ابن الكمال وسكب الأنهر يشعر بانهم يرثون فليحرر والجمهور على انه عام في سائر الانبياء عليهم الصلاة والسلام بدليل الحديث وحكمته ان لا يتمنى احد موتهم فيهلك ولتكون صدقة بعد موتهم وحكمة عدم ارثهم ان ما تركه الميت هو ما فضل عن حاجته ففيه نوع خسة على أنه ربما يشبه الصدقة ومقامهم ﵈ اعلا من ذلك وهذا أولى بما فى الشرح فافهم ثم ظاهره ان المنع هنا لانتفاء الشرط وهو اما عدم وجود الوارث بصفة الوارثية كما اقتضاه الحديث واما عدم موت المورث بناء على ان الأنبياء احياء في قبورهم كما ورد في الحديث وعلى الاول ما الفرق بينه وبين القاتل (واقول) هو وجود المانع في القاتل نفسه بخلافه هنا فانه في المورث نفسه فلم يتحقق المانع المعتبر في الوارث والثاني قال الشارح فيه ما فيه (قلت) لعل وجهه ان المعتبر الموت ظاهرا او اقتضاؤه أن يكون الشهيد كذلك لحياته بدليل الآية وقد يقال ذاك فى من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا
[ ٢ / ٢٠٢ ]
ولعله احدث رياء او قصد غنيمة فلم يتحقق ذلك بخلاف الانبياء فتدبروا ما جعله لانتفاء السبب فبعيد جدا ثانيها (جهالة التاريخ فى) موت (الاموات) بان لم يعلم السابق (كزمرة) اى جماعة (هدمى) ماتوا بهدم وكذا بفرق او حرق فلا يرث بعضهم من بعض اذا كان بينهم قرابة (كما قد يأتي) في بابه وذلك لا لوجود مانع بل لانتفاء الشرط وهو وجود الوارث حيا عند موت المورث لعدم العلم بذلك ومثله ما اذا ماتوا معا (و) ثالثها (الجهل في الوراث) مع حياتهم ففيه انتفاء الشرط المار آنفا لانه كونهم حكما كما في المفقود ومانعيته بمعنى التوقف الى ظهور الحال لا المنع بالكلية (وهو صور خمس غدت مبسوطة) في المجتبى وغيره (او اكثر) الأولى (منها اذا ما ارضعت) المرأة (مع طلقها طفلا) لغيرها وماتت (ولم تعلمه بعد موتها) فكل منهما لا يرثها * الثانية وضع ولده في مسجد ليلا فندم فرجع لرفعه فوجد ولدين والتبس ومات فكل منها لا يرثه وتوضع تركته في بيت المال ونفقتهما منه * الثالثة ولد كل من حرة وامة ولدا ليلا والتبسا * الرابعة له ابن من حرة وابن من امة لانسان ارضعتهما ظئر والتبسا فهما حران وفى الصورتين سعى كل فى نصف قيمته لمولى الامة ولا يرثان * الخامسة اشتبه ولد مسلم وولد نصرانى عند الظئر وكبرا فهما مسلمان ومن ابويهما لا يرثان قال في الدر زاد فى المنية إلا ان يصطلحا فلهما ان يأخذا الميراث بينهما (وهذه) الموانع المجاية (المفقود فيها الاول) في قوله فلانتفاء الشرط فيه او السبب (اعنى به الشرط الذى لا يجهل) كما بيناه واما ما فقد فيه السبب فذكره بعضهم فى اللعان وهو المانع الرابع واشار اليه بقوله (وقد يزاد) على الثلاثة (مانع اللعان تجوزا فيه) ايضا (لفقد الثاني) في البيت السابق وهو السبب الذى هو النسب من ابيه فالمنفى باللعان لا يرث من ابيه لان اللعان قطع النسب الذي هو السبب.