بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
ابتدأ المصنف كتابه بالبسملة؛ تأسيًا بالكتاب العظيم، واقتداءً بالنبي الكريم ﷺ.
والجار والمجرور في قوله: (بِسْمِ) متعلق بفعل محذوف مؤخر مناسب للمقام، وتقديره هنا: بسم الله أؤلف، والمعنى: أؤلف مستعينًا بجميع أسماء الله الحسنى المتضمنة لصفاته العليا، متبركًا بذكرها حال تأليف هذا النظم.
و(الله): عَلَمٌ على الباري جل وعلا، أصله: (الإله)، حُذفت الهمزة، وأُدغمت اللام في اللام، فصارتا لامًا واحدة مشددة مفخمة، و(الإله) هو المألوه، أي: المعبود، من أَلِهَ يألَه: إذا تعبَّد، قال ابن عباس ﵄: «هُوَ الَّذِي يَأْلَهُهُ كُلُّ شَيْءٍ، وَيَعْبُدُهُ كُلُّ خَلْقٍ» [تفسير الطبري ١/ ١٢١].
و(الرَّحْمَن): اسم من أسماء الله المختصة به، لا يُطلق على غيره، ومعناه: المتصف بالرحمة الواسعة.
و(الرَّحِيم): من أسماء الله أيضًا، ومعناه: ذو الرحمة الواصلة.
[ ٣٣ ]
الحَمْدُ للهِ القَدِيمِ البَاقِي سُبْحانَهُ مِنْ وارِثٍ خَلَّاق
ثُمَّ الصَّلاةُ للنَّبِيْ والآلِ وَصَحْبِهِ مَعَ السَّلَامِ التَّالِي
(الحَمْدُ): هو وصف المحمود بصفات الكمال على وجه المحبة والتعظيم، سواءٌ كان في مقابلة نِعمة أم لا، واللام في (الحَمْد) للاستغراق أو الجنس، فكل أنواع المحامد أو جنسها مستحَقَّة ومملوكة (للهِ) تعالى؛ لكماله في أسمائه وصفاته وأفعاله.
(القَدِيمِ) بمعنى الأوَّل، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، ولكن لم يرد إطلاق لفظ (القديم) في الكتاب ولا في السنة، فلا يطلق على الله تعالى على أنه اسم له؛ لأنه ليس من الأسماء الحسنى، ولكن يخبر به عنه، قال ابن القيم ﵀: (ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يُطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا؛ كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه) (١).
(البَاقِي) الذي لا يفنى، والبقاء من صفات الله تعالى، كما قال تعالى: (ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)، وأما اسم
_________________
(١) بدائع الفوائد (١/ ١٦٢).
[ ٣٤ ]
(الباقي) فأثبته ابن منده وقوَّام السنة اسمًا لله تعالى؛ لحديث أبي هريرة ﵁ الطويل في ذكر أسماء الله تعالى، وفيه: «الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ» [الترمذي: ٣٥٠٧]، والحديث ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ (١)، ولم يصح دليل آخر في إثبات هذا الاسم.
(سُبْحانَهُ) اسم مصدر، من سبَّح يُسبِّح تسبيحًا وسبحانًا، وهو تنزيه لله تعالى وتبعيده عن كل ما لا ينبغي أن يُوصَف به.
(مِنْ وارِثٍ) وهو الله، وعدَّه كثير من أهل العلم من أسماء الله الحسنى، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، ولحديث أبي هريرة ﵁ السابق في ذكر أسماء الله تعالى، وفيه: «الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ».
قال ابن عثيمين: (الوارث: لم يرد بهذا اللفظ من أسماء الله تعالى، ولكنه ورد بلفظ الجمع الدال على التعظيم في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨]) (٢).
وسبحانه من (خَلَّاقِ) أي: الموجد للشَّيء على غير مثال سَبَقَ، وهو من أسماء الله تعالى؛ لقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ﴾.
_________________
(١) ينظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٩٧).
(٢) شرح المنظومة البرهانية لابن عثيمين ص ٢٩.
[ ٣٥ ]
(ثُمَّ) بعد الثناء على الله، (الصَّلاةُ للنَّبِيِّ) ﷺ، وهي ثناؤه عليه في الملأ الأعلى، قال أبو العالية: «صلاة الله: ثناؤه عليه عند الملائكة» [البخاري معلقًا ٦/ ١٢٠].
(و) الصلاة على (الآلِ) وهم أتباعه على دينه؛ لأن الله تعالى أطلق الآل على الأتباع في الدَّين، فقال: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب).
وعنه واختاره شيخ الإسلام: أنهم أهل بيته.
وأدخل شيخ الإسلام فيهم: زوجاته ﵅.
(وَ) الصلاة على (صَحْبِهِ) جمع صاحب، وهو من اجتمع بالنَّبيِّ ﷺ مؤمنًا به، ومات على الإسلام.
والصلاة (مَعَ السَّلَامِ) أي: السلامة من النقائص والرذائل (التَّالِي) أي: التابع، والجمع بين الصَّلاة والسَّلام؛ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًَا﴾، وخروجًا من خلاف من كَرِهَ إفراد أحدهما عن الآخر.
[ ٣٦ ]
وَبَعْدَ ذَا فَهَذِهِ قَوَاعِدُ فِي الإِرْثِ فِيهَا لِلوَرَى فَوَائِدُ
قَدِ اخْتَصَرْتُهَا لِأَهْلِ الطَّلَبِ مِنْ دُرِّ مَا نَظَمَهُ ابْنُ الرَّحَبِيْ لِكَيْ يَنَالَ المُرْتَجِيْ مِنْها الأَمَلْ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ بِهِ يُبْطِي العَمَلْ
سَمَّيتُها بالدُّرَّةِ المُضِيَّهْ جَامِعَةِ القَوَاعِدِ الفَرْضِيَّهْ
وَأَسْأَلُ اللهَ الغَنِيْ بِفَضْلِهِ يَجْعَلُها خَالِصَةً لِوَجْهِه
(وَبَعْدَ ذَا) الذي تقدَّم من البسملة والحمدلة، والصَّلاةِ والسَّلامِ على سيِّد الأنام، (فَهَذِهِ) المسائل الَّتي تُذكر في هذا الكتاب (قَوَاعِدُ) جمع قاعدة، وهي: حكمٌ كلِّيٌّ ينطبق على جزئيَّاته؛ لتعرف أحكامها منه، (فِي الإِرْثِ) أي: متعلقة بالميراث، (فِيهَا) أي: في تلك المسائل (لِلوَرَى) أي: للخلق (فَوَائِدُ) جمع فائدة، وهي: ما استفدْتَه من علم أو مال.
(قَدِ اخْتَصَرْتُهَا) والاختصار: هو تجريد اللَّفظ اليسير من اللَّفظ الكثير، مع بقاء المعنى، (لِأَهْلِ الطَّلَبِ) أي: طلب العلم، (مِنْ دُرِّ) جمع
[ ٣٧ ]
درَّة، وهي اللُّؤلؤة العظيمة، (مَا نَظَمَهُ) أي: ألَّفه، (ابْنُ الرَّحَبِيْ) وهو الشَّيخ محمَّد بن علي بن محمَّد بن الحسن، أبو عبد الله الرَّحَبيُّ، فقيه فاضل، صنَّف كتبًا صغيرة؛ منها منظومة الفرائض، سمَّاها: «بغية الباحث»، وهي أصل هذه المنظومة المباركة، مات ﵀ سنة تسع وسبعين وخمسِ مِائة من الهجرة.
اختصرها المؤلف (لِكَيْ يَنَالَ) أي: يُعطى (المُرْتَجِيْ) أي: المؤمِّل (مِنْها) من هذه المنظومة (الأَمَلْ) أي: الرَّجاء، (مِنْ غَيْرِ) أن يكون فيها (تَطْوِيلٌ) وإسهاب (بِهِ) أي: بهذا التطويل (يُبْطِي) أي: يتأخر (العَمَلْ) أي: عمل المسائل، (سَمَّيتُها) أي: هذه المنظومة (بالدُّرَّةِ المُضِيَّهْ جَامِعَةِ القَوَاعِدِ الفَرْضِيَّهْ)، فجاءت هذه الدرَّة براَّقة في ألفاظها، غنية في معانيها، جامعة لأبواب الفرائض، حاوية لأمات المسائل.
ولما كانت هذه الدرَّة بحاجة إلى ما يُجلي قيمتها، ويكشف الخدر عن ضيائها وبريقها؛ استعنا الله الكريم بوضع نقاطٍ على حروفها، وإبراز فوائدها وعلومها، شرحًا حنبليًّا موافقًا لما عليه علماء المذهب الكرام، مشيرين إلى قول آخر إن كان لأحد من المحققين العظام، مع العناية بالتمثيل، والحرص قدر الإمكان على التذليل والتسهيل، وإلحاق المسائل بما تحتاج إليه من التدليل والتعليل، فغدى الشرح للناظر فيه سلوةً وللمستفيد منه منوةً، وسميناه: (الفتوحات الربانية لشرح الدرة المضية).
[ ٣٨ ]
(وَأَسْأَلُ اللهَ) ﷻ ولا مسؤول سواه، (الغَنِيَّ) والغني: هو الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه والاعتبارات لكماله وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، أتوسل إليه (بِفَضْلِهِ) وهذا من التوسل المشروع، إذ هو من التوسل إلى الله بأفعاله سبحانه، أن (يَجْعَلَها) أي: هذه المنظومة (خَالِصَةً لِوَجْهِهِ) أي: خالصة من الرِّياء والسُّمعة لأجل وجهه تعالى.
[ ٣٩ ]