الأمر الأول: البينونة بينهما، إما بفسخ أو بطلاق بائن، ولا يخلو ذلك من قسمين:
١ - أن تكون البينونة في حال الصحة: فينقطع التوارث بين الزوجين بمجرد الفرقة، سواء في العدة أم بعدها؛ لأن العلاقة الزوجية تنقطع به، واختاره ابن باز وابن عثيمين.
٢ - أن تكون البينونة في حال مرض الموت المخوف، ولا يخلو من حالتين:
الأولى: أن تقع الفرقة بغير قصد حرمانها من الميراث: فينقطع التوارث فيهما بين الزوجين بمجرد الفرقة، سواء في العدة أم بعدها؛ لما تقدم، ولأنه غير مُتَّهم.
الثانية: أن تقع الفرقة من أحدهما في حالٍ يُتَّهم فيها بقصد حرمان الآخر من الإرث؛ فإن المتهم يُورَث ولا يَرِث؛ معاقبة له بنقيض قصده السيِّئ.
مثال التهمة من قِبَل الزوج: أن يطلق الرجل زوجته في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها.
[ ٤٧ ]
فأما الرجل: فلا يرثها لو ماتت؛ لأن البينونة منه.
وأما المرأة: فإنها ترثه في العدة وبعدها؛ معاملة له بنقيض قصده؛ لأن الحيل لا تبطل الحقوق، ما لم تتزوج أو ترتد؛ لأنها إذا تزوجت فلا يمكن أن ترث زوجين، وإذا ارتدت - والعياذ بالله - فقد أتت بمانع من موانع الإرث، واختاره ابن باز.
ومثال التهمة من قِبل الزوجة: أن تفعل في مرض موتها المخوف ما يفسخ نكاحها من زوجها متهَمةً بقصد حرمانه، مثل: أن يُعقَد عليها لطفل صغير فترضعه رضاعًا تثبت به الأمومة، فإن النكاح ينفسخ، ويرث الطفل منها لو ماتت؛ لأنه أحد الزوجين، فلم يُسقِط فعلها ميراث الآخر؛ كالزوج، فيرثها ما دامت في عدتها لا بعد انقضاء العدة (١)، وأما هي فلا ترث.
الأمر الثاني: الطلاق الرجعي، ولا يخلو من حالين:
١ - أن يموت أحدهما بعد انتهاء العدة: فينقطع التوارث بينهما؛ لانقطاع العلاقة الزوجية بذلك.
٢ - أن يموت أحدهما قبل انتهاء العدة: فيتوارثان؛ لما ورد عن
_________________
(١) كذا في المنتهى، وهو مقتضى كلامه في التنقيح والإنصاف. أما في الإقناع: (يرث منها ولو بعد العدة؛ كما لو كان هو المطلق)، وقال البهوتي عما في التنقيح والمنتهى: (لكن يحتاج إلى الفرق بين المسألتين). ينظر: كشاف القناع ٤/ ٤٨٣، شرح المنتهى ٢/ ٥٥٦.
[ ٤٨ ]
مكحول: أن أبا بكر، وعمر، وعليًّا، وابن مسعود، وأبا الدرداء، وعبادة بن الصامت، وعبد الله بن قيس الأشعري ﵃، كانوا يقولون في الرجل يطلق امرأته تطليقة أو تطليقتين: «إِنَّهُ أَحَقُّ بِهَا مَا لَمْ تَغْتَسِلْ مِنْ حَيْضَتِهَا الثَّالِثَةِ، يَرِثُهَا وَتَرِثُهُ مَا دَامَتْ فِي الْعِدَّةِ» [ابن أبي شيبة: ١٨٨٩٩]، ولأن الرجعية في حكم الزوجة، قال في المغني: (بغير خلاف نعلمه).
(وَ) السبب الثاني: (نَسَبٌ) أي: قرابة، وهي: الاتصال بين إنسانين بالاشتراك في ولادة، قريبة أو بعيدة، فيرث بها؛ لقوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله﴾ [الأنفال: ٧٥].
- فرع: جهات النسب ثلاثة:
١ - جهة الأصول: وهم من ينتمي إليهم الشخص من الآباء والأمهات، والأجداد والجدات.
٢ - جهة الفروع: وهم من ينتمي إلى الشخص من الأولاد وأولادهم.
٣ - جهة الحواشي: وهم من ينتمي إلى أَبَوَيِ الشخص وأجداده، من الإخوة وأولادهم، والأعمام وأولادهم.
(ثُمَّ) السبب الثالث: (وَلاءٌ) وهي: عصوبةٌ سببها نعمة المعتِق على رقيقه بالعتق، فيرث بالولاء المعتِق وعصبته المتعصبون بأنفسهم، لا بغيرهم ولا مع غيرهم، من العتيق، ولا عكس؛ لحديث ابن عمر ﵄
[ ٤٩ ]
مرفوعًا: «الْوَلَاءُ لُحْمَةٌ كَلُحْمَةِ النَّسَبِ» [ابن حبان ٤٩٥٠، والحاكم ٧٩٩٠]، فشبه الولاء بالنسب، والنسب يورث به، فكذا الولاء.
ولا يرث العتيق من معتِقه؛ لحديث عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله ﷺ: «إِنَّمَا الوَلاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ» [البخاري: ٢١٥٦، ومسلم: ١٥٠٤].
واختار شيخ الإسلام: أن العتيق يرث من سيده؛ لقول ابن عباس ﵄: «مَاتَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ وَلَمْ يَتْرُكْ وَارِثًا إِلَّا عَبْدًا لَهُ هُوَ أَعْتَقَهُ، فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ ﷺ مِيرَاثَهُ» [أحمد ١٩٣٠، والترمذي ٢١٠٦، وأبو داود ٢٩٠٥، وابن ماجه ٢٧٤١، وضعفه البخاري، وقال ابن القيم بعده: وبهذه الفتوى نأخذ]، ولأن له ولاء، فهو أولى من بيت المال.
- فرع: (مَا سِوَاهُنَّ) أي: هذه الأسباب الثلاثة (سَبَبٌ) يحصل به التوارث؛ لعدم الدليل على الإرث بغيرها.
وعنه، اختاره شيخ الإسلام، ومال إليه ابن عثيمين: يثبت الإرث عند عدم النكاح والنسب والولاء بأسباب أخرى، وهي:
١ - الموالاة والمعاقدة: وهو الاتفاق على الولاء والنصرة والتوارث، كما كانوا يفعلونه في الجاهلية من الخلة والمعاقدة، يقول لصاحبه: دمي دمك وترثني وأرثك، واستمر ذلك أول الإسلام، فكانوا يتوارثون بتلك المؤاخاة، وفي ذلك نزل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾ [النساء: ٣٣]، والموالاة كالمعاقدة.
[ ٥٠ ]
٢ - الإسلام على يديه؛ لحديث تميم الداري ﵁ قال: سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يسلم على يدي الرجل؟ فقال: «هُوَ أَوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ» [أحمد ١٦٩٤٤، وأبوداود ٢٩١٨، والترمذي ٢١١٢، وابن ماجه ٢٧٥٢]، وعن مجاهد: أن رجلًا أتى عمر ﵁ فقال: إن رجلًا أسلم على يدي، فمات وترك ألف درهم، فتحرجت منها، ورفعتها إليك، فقال: «أَرَأَيْتَ لَوْ جَنَى جِنَايَةً عَلَى مَنْ كَانَتْ تَكُونُ؟» قال: علَيَّ، قال: «فَمِيرَاثُهُ لَكَ» [ابن أبي شيبة ٣١٥٧٧].
٣ - الالتقاط؛ لحديث واثلة بن الأسقع ﵁: أن النبي ﷺ قال: «المَرْأَةُ تُحْرِزُ ثَلَاثَةَ مَوَارِيثَ: عَتِيقَهَا، وَلَقِيطَهَا، وَوَلَدَهَا الَّذِي لَاعَنَتْ عَنْهُ» [أحمد ١٦٠٠٤، وأبوداود ٢٩٠٦، والترمذي ٢١١٥، وابن ماجه ٢٧٤٢]، ولقول عمر ﵁ لمن التقط لقيطًا: «هُوَ حُرٌّ، وَوَلَاؤُهُ لَكَ، وَعَلَيْنَا رَضَاعُهُ» [ابن أبي شيبة ٣١٥٦٩]، ولأن إنعام الملتقط على اللقيط بتربيته والقيام عليه؛ ليس بدون إنعام المعتق على العبد بعتقه.
٤ - كونهما من أهل الديوان، وهو اسم الدفتر الذي يكتب فيه أسماء الجيش، وأهل العطاء، والمراد: كونهما مكتوبين في ديوان واحدٍ، قال أبو الخطاب في توريثهم من بعض: (يروى عن عمر ﵁ (١).
٥ - وزاد شيخ الإسلام: العتيق من سيده وتقدم.
_________________
(١) لم نقف عليه، وإنما ورد عن عمر ﵁ أنه جعل العقل على أهل الديوان [ابن أبي شيبة ٢٧٣٢٥]، فإذا كان أهل الديوان يعقل بعضهم عن بعض؛ فكونهم يتوارثون من باب أولى.
[ ٥١ ]
مَوَانِعُ الإِرْثِ
مَوَانعُ الإِرْثِ اخْتِلَافُ الدِّينِ وَالرِّقُّ وَالقَتْلُ فَخُذْ تَبْيِيني
المانع في اللغة: الحائل بين الشيئين.
وفي الاصطلاح: ما يلزم من وجوده العدم، ولا يلزم من عدمه وجود ولا عدم لذاته، عكس الشرط.