وَأما الحَدِيث الصَّحِيح الَّذِي قدمْنَاهُ وَهُوَ قَوْله ﵇ ألْحقُوا الْفَرَائِض بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِي فَهُوَ لأولى رجل ذكر فَهُوَ أصل فِي الْفَرَائِض وَقسم الْمَوَارِيث وتوريث الْعصبَة الْأَدْنَى فالأدنى إِلَّا أَنه حَدِيث فِيهِ إِشْكَال وتلقاه النَّاس أَو أَكْثَرهم على وَجه لَا تصح إِضَافَته إِلَى النَّبِي ﵇ لِأَنَّهُ ﵇ قد أُوتِيَ جَوَامِع الْكَلم وَاخْتصرَ لَهُ الْكَلَام اختصارا وَهُوَ أخبر بِهَذَا عَن نَفسه ﷺ أَعنِي قَوْله أُوتيت جَوَامِع الْكَلم وَاخْتصرَ لي الْكَلَام اختصارا أخرجه الدَّارَقُطْنِيّ
وَالَّذِي تَأَوَّلَه عَلَيْهِ النَّاس أَن قَوْله لأولى رجل ذكر أَي أقرب الرِّجَال من الْمَيِّت وأقعدهم وَأَن قَوْله ﴿ذكر﴾ نعت لرجل
وَهَذَا التَّأْوِيل لَا يَصح من ثَلَاثَة أوجه
أَحدهمَا عدم الْفَائِدَة فِي وصف رجل بِذكر إِذْ لَا يتَصَوَّر أَن يكون رجل إِلَّا وَهُوَ ذكر ويجل رَسُول الله ﷺ
[ ٨٤ ]
عَن أَن يتَكَلَّم بِمَا هُوَ حَشْو من الْكَلَام لَيْسَ فِيهِ فَائِدَة وَلَا تَحْتَهُ فقه وَلَا يتَعَلَّق بِهِ حكم
الْوَجْه الثَّانِي أَنه لَو كَانَ كَمَا تأولوه لنَقص فقه الحَدِيث وَلم يكن فِيهِ بَيَان لحكم الطِّفْل الرَّضِيع الَّذِي هُوَ لَيْسَ بِرَجُل وَقد علم أَن الْمِيرَاث يجب للأقعد وَإِن كَانَ ابْن سَاعَة وَلَا يُقَال فِي عرف اللُّغَة رجل إِلَّا للبالغ فَمَا فَائِدَة تَخْصِيصه بِالْبَيَانِ دون الصَّغِير
وَالْوَجْه الثَّالِث أَن الحَدِيث إِنَّمَا ورد لبَيَان من يجب لَهُ الْمِيرَاث من الْقَرَابَة بعد أَصْحَاب السِّهَام فَلَو كَانَ كَمَا تأولوه لم يكن فِيهِ بَيَان لقرابة الْأُم والتفرقة بَينهم وَبَين قرَابَة الْأَب فَبَقيَ الحَدِيث مُجملا لَا بفيد بَيَانا وَإِنَّمَا بعث ﵇ ليبين للنَّاس مَا نزل إِلَيْهِم
وَإِذا ثَبت هَذَا فلنذكر معنى الحَدِيث ثمَّ نعطف على مَوضِع الْإِشْكَال مِنْهُ وَبَيَان الْغَلَط فنبينه بعون الله فَنَقُول
قَوْله أولى رجل ذكر يُرِيد الْقَرِيب الْأَقْرَب فِي النّسَب الَّذِي قرَابَته من قبل رجل وصلب لَا من قبل بطن ورحم فَالْأولى أولى الْمَيِّت فَهُوَ مُضَاف إِلَيْهِ فِي الْمَعْنى دون اللَّفْظ إِضَافَة نسب وَهُوَ فِي اللَّفْظ مُضَاف إِلَى السَّبَب وَهُوَ الصلب وَعبر عَن الصلب بقوله أولى رجل لِأَن الصلب لَا يكون ولدا وَلَا سِيمَا حَتَّى يكون رجلا
وَأفَاد قَوْله أولى رجل يُرِيد الْقَرِيب الْأَقْرَب نفي الْمِيرَاث عَن الأولى الَّذِي هُوَ من قبيل الْأُم كالخال لِأَن الْخَال أولى الْمَيِّت ولَايَة بطن لَا ولَايَة صلب
[ ٨٥ ]
وَأفَاد بقوله ﴿ذكر﴾ نفي الْمِيرَاث عَن النِّسَاء وَإِن يكن من الْأَوَّلين بِالْمَيتِ من قبل صلب لِأَنَّهُنَّ إناث فَذكر نعت لأولى وَلما كَانَ مخفوضا فِي اللَّفْظ حسب أَنه نعت لرجل
وَلَو قلت من يَرث هَذَا الْمَيِّت بعد ذَوي السِّهَام لوَجَبَ أَن يُقَال لَك يَرِثهُ أولى رجل ذكر بِالرَّفْع لِأَنَّهُ نعت للْفَاعِل
وَلَو قلت من يعْطى المَال لقيل لَك أعْطه أولى رجل ذكرا بِالنّصب لِأَنَّهُ نعت لأولى
فَمن هُنَا دخل الْإِشْكَال
وَمن وَجه آخر هُوَ أَن أولى على وزن أفعل وَهَذَا إِذا أُرِيد بِهِ التَّفْضِيل كَانَ بعض مَا يُضَاف إِلَيْهِ فَإِذا قلت هُوَ أحسن رجل فَمَعْنَاه أحسن الرِّجَال وَكَذَلِكَ إِذا قلت أعلم إِنْسَان فَمَعْنَاه أعلم النَّاس فَتوهم أَن قَوْله أولى رجل أَي أولى الرِّجَال وَلَيْسَ الْأَمر كَذَلِك وَإِنَّمَا هُوَ أولى الْمَيِّت بِإِضَافَة النّسَب وَأولى صلب بِإِضَافَة السَّبَب كَمَا تَقول أَخُوك أَخُو الرخَاء لَا أَخُو الشدَّة وهم أقربوك أقَارِب الطمع وإخوان الضَّرُورَة وَالنَّاس يَقُولُونَ هم إخْوَانِي وَلَكِن إخْوَان الضحك وَكَذَلِكَ يُقَال هُوَ مولَايَ مولى عتق فَالْأولى فِي الحَدِيث كالمولى
فَإِن قيل كَيفَ يُضَاف إِلَى الْوَاحِد وَلَيْسَ بِجُزْء مِنْهُ
قلت إِذا كَانَ مَعْنَاهُ الْأَقْرَب فِي النّسَب جَازَت إِضَافَته وَإِن لم
[ ٨٦ ]
يكن جُزْءا مِنْهُ قَالَ ﵇ أمك ثمَّ أمك ثمَّ أَبَاك ثمَّ أدناك فأدناك وَلَو أَرَادَ دنوا لَهُ لم يجز أَن يَقُول أدناك كَمَا لَا تَقول هُوَ أفهمك وَلَا أعلمك وَكَذَلِكَ قَول عَمْرو بن الْأَهْتَم عَن الزبْرِقَان هُوَ مُطَاع أدنيه أَي فِي قرَابَته وَقَول الشَّاعِر وَلَيْسَ المَال فاعلمه بِمَال وَإِن أنفقته إِلَّا الَّذِي أتنال بِهِ الْعَلَاء وتصطفيه لأَقْرَب أقربيك وللقصي
فَهَذَا جَائِز فِي الْأَدْنَى وَالْأولَى وَالْأَقْرَب إِذا أردْت بِهِ معنى النّسَب والقرابة قَالَ الله تَعَالَى ﴿من الَّذين اسْتحق عَلَيْهِم الأوليان﴾ وَلَوْلَا الْأَب وَالأُم لأضاف فَقَالَ أولياؤه وَإِنَّمَا جَازَ هَذَا لمراعاة الْمَعْنى إِذْ معنى أولاك وأدناك كمعنى قريبك وأخيك ونسيبك ثمَّ إِذا
[ ٨٧ ]
أردْت أَن تبين كَيفَ هُوَ نسيبك أَو قريبك قلت قرَابَة صلب لَا قرباة بطن وَكَذَلِكَ تَقول هُوَ أولاك وَهُوَ أولى الْمَرْأَة المتوفاة أولى رجل وَهَذِه الْمَرْأَة هِيَ الوليا وَجَمعهَا الولييات والولى فَإِن بيّنت النّسَب قلت هِيَ وليا الْمَيِّت وليا رجل أَي ولَايَة صلب وَإِن شِئْت قلت هِيَ أولاه كَمَا تَقول فِي الذّكر هُوَ أولاه ثمَّ تبين السَّبَب فَتَقول هِيَ أولى رجل أَي قرابتها من قبل رجل
فلولا قَوْله ﵇ لورثت الْمَرْأَة بِهَذِهِ الْولَايَة وَلَوْلَا قَوْله أولى رجل لورث الْخَال لِأَنَّهُ ذكر فَتَأمل هَذَا التَّفْسِير والشواهد عَلَيْهِ وَمَا يَقْتَضِيهِ لفظ الرَّسُول ﵇ إِذا تؤول بِهَذَا الْمَعْنى من السمانة والبلاغة والإيجاز مَعَ كَثْرَة الْمعَانِي تَجِد غَيره من التأويلات سَاقِطا لِأَنَّهُ يخرج لفظ الرَّسُول ﵇ عَن البلاغة إِلَى الْكَلَام الغث وَاللَّفْظ المسترث وحاشى لَهُ من ذَلِك وَلَو لم يكن فِي هَذَا الْمُخْتَصر إِلَّا هَذِه الْفَائِدَة لكَانَتْ تنماوى وحله فَالْحَمْد لله الَّذِي وفْق إِلَيْهَا وأعان عَلَيْهَا بعد قرع طَوِيل لبابها ومجاذبة للمغدف من حجابها وَمن أدمن قرع الْبَاب يُوشك أَن يفتح لَهُ وَالْحَمْد لله على مَا فتح وَالْحَمْد لله على مَا شرح وَالْحَمْد لله على مَا منح حمدا كثيرا مُبَارَكًا فِيهِ
[ ٨٨ ]
فصل