قَوْله ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ فَلَا تنقص الْأُم من السُّدس إِلَّا أَن تعول الْفَرِيضَة وَلَا يَقُول ابْن عَبَّاس بالعول وَهِي من مسَائِله الْخمس وَيَقُول إِن الْأُخوة هَهُنَا الثَّلَاثَة فَمَا فَوْقهم وَلَيْسَ
[ ٦٢ ]
يَقع لفظ الْأُخوة على الْأَخَوَيْنِ يَقِينا وَهَذِه أَيْضا من مسائه الْخمس وحجته بَيِّنَة فِي بادئ الرَّأْي وَذَلِكَ أَن الله سُبْحَانَهُ جعل الثُّلُث للْأُم مَعَ عدم الْوَلَد فَهَذَا نَص ويقينو الْيَقِين لَا يرفعهُ علا يَقِين مثله فَعَن كَانَ لَهُ أَخ وَاحِد فَهِيَ على ثلثهَا يَقِينا لِأَن الْأَخ لَيْسَ بإخوة فَإِن كَانَ لَهُ أَخَوان فَيحْتَمل دخولهما فِي معنى العخوة وَيحْتَمل أَن لَا يدخلا وَأما لفظ العخوة فواقع على الْجَمِيع يَقِينا وَلم يتَصَوَّر شكّ فِي نقلهَا إِلَى السُّدس بِالثَّلَاثَةِ فَمَا فَوْقهم وتصور الشَّك فِي لفظ الْأَخَوَيْنِ أَهما إخْوَة أم لَا وَالشَّكّ لَا يرفع الْيَقِين الْمُتَقَدّم فِي شَيْء من أَبْوَاب الْفِقْه فَهِيَ إِذا على ثلثهَا حَتَّى يكون لَهُ إخْوَة ثَلَاثَة أَو أَكثر
وَحجَّة الآخرين أَن الْيَقِين لَا يرفعهُ شكّ كَمَا ذكر وَأَن الْعُمُوم لَا يخصصه مُحْتَمل وَأما الظَّاهِر فيتخصص بِهِ الْعُمُوم وتبنى عَلَيْهِ الْأَحْكَام يَقِينا كَمَا تبنى على النُّصُوص والمحتمل لَيْسَ كَذَلِك وَلَفظ الْأُخوة ظَاهر فِي الِاثْنَيْنِ نَص فِي الثَّلَاثَة مُخَصص بِهِ عُمُوم قَوْله تَعَالَى ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ لِأَنَّهُ لفظ عَام فِي كل أم لَا ولد لَهَا وان كَانَ ظَاهر القَوْل الْخُصُوص من أجل قَوْله تَعَالَى ﴿فلأمه﴾ وَلكنه ضمير عَائِد على عَام تقدم ذكره
فَإِن قيل كَيفَ جعلتم لفظ الْأُخوة ظَاهرا فِي الِاثْنَيْنِ وللاثنين صِيغَة كَمَا للْجمع صِيغَة
قُلْنَا وَمعنى الْجمع يشملهما لِأَن الِاثْنَيْنِ جمع شَيْء إِلَى
[ ٦٣ ]
مثله كَمَا أَن الْجمع جمع شَيْء إِلَى أَكثر مِنْهُ فَمن هَهُنَا نَشأ الْخلاف وَهُوَ هَل الْأُخوة لفظ ظَاهر فِي الِاثْنَيْنِ أم مُحْتَمل
والألفاظ أَرْبَعَة نَص يقطع على مَعْنَاهُ وَظَاهر يحْتَمل أَمريْن وَهُوَ فِي أَحدهمَا ظَاهر وتتعلق بِهِ الْأَحْكَام ومحتمل لمعنيين لَيْسَ بِأَحَدِهِمَا بِأولى مِنْهُ بِالْآخرِ وَهَذَا لَا يتَعَلَّق بِهِ حكم لِأَنَّهُ كالمجمل والمجمل مَا افْتقر إِلَى الْبَيَان وَهُوَ أَشد استغلاقا من الْمُحْتَمل وَالله الْمُسْتَعَان إنصاف وَتَحْقِيق
ظَاهر لفظ الْأُخوة الِاخْتِصَاص بِالْجمعِ دون التَّثْنِيَة وَلَا يحمل معنى التَّثْنِيَة على الْجمع إِلَّا بِدَلِيل وَهُوَ الظَّاهِر هُوَ ظَاهر بعرف اللُّغَة وَالظَّاهِر بعرف اللُّغَة تتَعَلَّق بِهِ الْأَحْكَام
فللمفرد ظَاهر أقوى مِنْهُ وَهُوَ صِيغَة الْعُمُوم فَإِذا قلت عِنْدِي دَابَّة فَلفظ اللُّغَة تَقْتَضِي أَنَّهَا من المركوب فَإِذا قلت مَا فِيهَا دَابَّة اقْتَضَت صِيغَة الْعُمُوم نفي كل مَا يدب من مركوب وَغَيره وَفِي التَّنْزِيل ﴿مَا من دَابَّة إِلَّا هُوَ آخذ بناصيتها﴾ ﴿وكأين من دَابَّة﴾ فَهَذَا عُمُوم فِي كل مَا يدب وَقَالَ فِي الْوَاجِب غير الْمُتَعَيّن ﴿وَمن النَّاس وَالدَّوَاب﴾ لعدم صِيغَة الْعُمُوم
وَكَذَلِكَ مَسْأَلَة الْأُخوة فَهِيَ ظَاهِرَة فِي الْأُخوة كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس فَلَمَّا ورد الشَّرْط وَهُوَ من صِيغ الْعُمُوم اندرج تحتهَا كل اخوة والاثنان اخوة وَإِن لم يكن ظَاهر لفظ الْأُخوة يتناولهما كَمَا لم يكن لفظ الْوَاحِد يتَنَاوَل كل مَا يدب حَتَّى ادرجه الْعُمُوم تَحت اللَّفْظ الظَّاهِر كَذَلِك أدرج الْعُمُوم فِي الْآيَة تَحت لفظ الْإِخْوَة مَا قد يُمكن أَن يعبر عَنهُ بإخوة وهما الِاثْنَان فَصَارَ قَوْله تَعَالَى ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة﴾ ظَاهرا فِي التَّثْنِيَة وَالْجمع وَإِن
[ ٦٤ ]
كَانَ صِيغَة عُمُوم الْإِخْوَة فِي الْعرف للْجمع ظَاهرا فالعموم ظَاهر أَيْضا فِي تنَاول الْكل فَتَأَمّله فَعَنْهُ بديع
وَقَوله ﴿من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين﴾ قد تقدم فهمه وَبَيَانه وَبِأَيِّ شَيْء يتَعَلَّق الظّرْف وَالْحَمْد لله فصل