قد أَتَيْنَا على مَا تتضمنه الْآيَة من أصُول الْفَرَائِض وَقَالَ السّلف من الْعلمَاء قد أبقى الْقُرْآن موضعا للسّنة وأبقت السّنة موضعا للِاجْتِهَاد والرأي ثمَّ إِن الْقُرْآن قد أحَال على السّنة بقوله ﴿وَمَا آتَاكُم الرَّسُول فَخُذُوهُ﴾ الْآيَة
[ ٧٧ ]
وأحال الرَّسُول ﵇ بعد مَا بَين من أصُول الْفَرَائِض مَا بَين على زيد بن ثَابت بقوله فِي الحَدِيث وأفرضهم زيد بن ثَابت فَصَارَ قَول زيد أصلا عول عَلَيْهِ الْفُقَهَاء وَاسْتقر الْعَمَل بِهِ وَلذَلِك أضربنا عَن كثير من أَقْوَال الصَّحَابَة رضوَان اله عَلَيْهِم إِذا لم يجر بهَا حكم عِنْد فُقَهَاء الْأَمْصَار
فمما بَينه الرَّسُول ﵇ من أصُول الْفَرَائِض إِلَى مَا فِي كتاب الله قَوْله ألْحقُوا الْفَرَائِض بِأَهْلِهَا فَمَا بَقِي فَهُوَ لأولى رجل ذكر رَوَاهُ ابْن عَبَّاس
[ ٧٨ ]
فَوَجَبَ بِهَذَا الحَدِيث أَن يحجب أهل الْفَرَائِض لمن سواهُم من الْعصبَة والأقارب وَأَن يحجب الْأَقْرَب من الْعصبَة لمن دونه لقَوْله لأولى رجل وَأَن يحجب الشَّقِيق من الْإِخْوَة للْأَخ من الْأَب وَكَذَلِكَ الْعم شَقِيق الْأَب لِأَخِيهِ من الْأَب وَكَذَلِكَ ابْن الْعم وَابْن الْأَخ على هَذِه الرُّتْبَة لحَدِيث عَليّ بن أبي طَالب ﵁ قَالَ إِنَّكُم لتقرءون من بعد وَصِيَّة يُوصي بهَا أَو دين وَإِن رَسُول الله ﷺ قضى بِالدّينِ قبل الْوَصِيَّة وَأَن أَعْيَان بني الْأُم يتوارثون دون بني العلات الْأَخ للْأَب وَالأُم يَرث دون الْأَخ للْأَب
إِلَّا أَن هَذَا الحَدِيث يرويهِ الْحَارِث الْأَعْوَر وَهُوَ الْحَارِث بن يزِيد يكنى أَبَا زُهَيْر وَقد رَمَاه الشّعبِيّ بِالْكَذِبِ والْحَدِيث ضَعِيف من أَصله وَلَكِن هَذَا متلقى من الْعَمَل وَالنَّقْل الْمُتَوَاتر عَن
[ ٧٩ ]
زيد بن ثَابت وَالصَّحَابَة لَا من هَذَا الحَدِيث لَكِن فِي الحَدِيث قُوَّة وَزِيَادَة بَيَان لما انْعَقَد عَلَيْهِ إِجْمَاع الْعلمَاء الَّذين هم حجَّة على من سنّ عَنْهُم وَبِاللَّهِ التَّوْقِيف
وَمن السّنَن الْوَارِدَة فِي الْفَرَائِض أَيْضا حَدِيث ابْن مَسْعُود أَن رَسُول الله ﷺ قضى فِي بنت وَابْنَة ابْن أَن للْبِنْت النّصْف ولابنة الابْن السُّدس تَكْمِلَة الثُّلثَيْنِ وَهُوَ صَحِيح
وَمِمَّا جَاءَ فِي الحَدِيث أَيْضا من هَذَا الْبَاب حَدِيث طَاوس عَن عَائِشَة أَن رَسُول الله ﷺ ورث الْخَال
وَقد اخْتلف فِي رفع هَذَا الحذيث وروى أَيْضا عَن طَرِيق الْمِقْدَام بن معد يكرب ومعاد وَغَيره
[ ٨٠ ]
وَمن السّنَن حَدِيث عمرَان بن حُصَيْن أَن رَسُول الله ﷺ ورث للْجدّ السُّدس الآخر طعمة خرجه التِّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُد
وَقد قيل إِن أول جد ورث فِي الْإِسْلَام عمر بن الْخطاب ﵁ مَاتَ لَهُ ابْن اسْمه عَاصِم فِي خِلَافَته وَخلف ابْنَيْنِ ثمَّ مَاتَ أَحدهمَا بعده بِيَسِير وَهَذَا أَيْضا مِمَّا لَا يُصَحِّحهُ أهل الْعلم بالأثر وَلَا يعرفهُ أهل الْأَنْسَاب وَالسير وعنما الْمَعْرُوف عِنْدهم أَن عَاصِم بن عمر عَاشَ بعد أَبِيه كثيرا وَمَات سنة سبعين فرثاه أَخُوهُ عبد الله بن عمر فَقَالَ فليت المنايا كن خلفن عَاصِمًا فعشنا جَمِيعًا أَو ذهبن بِنَا مَعًا
وَعَاصِم هَذَا هُوَ الَّذِي خَاصَمت فِيهِ جدته لعمر بن الْخطاب وَاسْمهَا الشموس بنت أبي عَامر خاصمته فِيهِ إِلَى أبي بكر الصّديق ﵁ فَقضى لَهَا بالحضانة وَذَلِكَ فِي خلَافَة أبي
[ ٨١ ]
بكر وَعَاصِم يَوْمئِذٍ ابْن أَربع سِنِين وَقيل ابْن ثَمَان وَلَا يعرف لَهُ ابْن اسْمه عَاصِم غَيره
وَأما أول موروث فِي الْإِسْلَام فعدي بن نَضْلَة بن عبد الْعُزَّى بن حرثان بن عَوْف بن عبيد بن عويج بن عدي بن كَعْب بن لؤَي وَرثهُ النُّعْمَان وَهُوَ الْقَائِل لَعَلَّ أَمِير الْمُؤمنِينَ يوءه تَنَادمنَا بالجوسق المتقادم فَعَزله عمر من أجل هَذَا الْبَيْت
وَأما الْجدّة أم الْأُم فقد صَحَّ تَوْرِيث رَسُول الله ﷺ لَهَا السُّدس فَثَبت لَهَا ذَلِك بِالنَّصِّ وَورث أَبُو بكر وَعمر الْجدّة الْأَقْوَى وَقَالا أيكما خلت بِهِ فَهُوَ لَهَا وَإِن اجتمعتما فَهُوَ بَيْنكُمَا فَكَانَ تَوْرِيث الْجدّة أم الْأَب بِاجْتِهَاد من الصّديق ﵁ مَعَ مُوَافقَة الصَّحَابَة وَلذَلِك يسْقط حَظّ هَذِه الْجدّة إِذا كَانَت أبعد من أم الْأُم فَإِن كَانَت أم الْأُم هِيَ أبعد أَو كَانَت أم الْأَب هِيَ أقرب مِنْهَا لم تحجبها لِأَن الْجدّة أم الْأُم ورثت بِنَصّ السّنة الورادة
[ ٨٢ ]
عَن رَسُول الله ﷺ فَكَانَت أصلا فَلم تحجبها الْأُخْرَى بِحَال وَالله أعلم والبعدى هِيَ أم أم الْأَب وَأم أم الْأُم وَأما أم أبي الْأَب فَلَا تَرث فِي قَول أَكْثَرهم
وَهَذِه رِوَايَة خَارِجَة بن زيد عَن أَبِيه وروى أهل الْعرَاق عَن زيد خلاف هَذَا وَسَيَأْتِي ذكره إِن شَاءَ الله
وَرُوِيَ أَيْضا أَن أول جدة ورثهَا النَّبِي ﵇ جدة وَابْنهَا حَيّ وَقَالَ بِهِ طَائِفَة من الصَّحَابَة هَذَا وَالتَّابِعِينَ وَقد اخْتلف فِي صِحَة هَذَا الحَدِيث وتأويله وَالله أعلم
[ ٨٣ ]
فصل