وَقَوله تَعَالَى ﴿وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة أَو امْرَأَة﴾ الْآيَة لفظ الْكَلَالَة من الإكليل الْمُحِيط بِالرَّأْسِ لِأَن الْكَلَالَة وراثة من لَا أَب لَهُ وَلَا ولد فتكللت الْعصبَة أَي أحاطت بِالْمَيتِ من كلا الطَّرفَيْنِ وأصل هَذِه الْكَلِمَة مصدر مثل الْقَرَابَة وَالصَّحَابَة أَلا ترى أَنَّهَا لما كَانَت فِي معنى الْقَرَابَة جَاءَت على وَزنهَا ثمَّ سمى الْوَرَثَة
[ ٦٩ ]
الَّذين هم أقرباء الْمَيِّت دون الْوَلَد وَالْأَب كَلَالَة بِالْمَصْدَرِ كَمَا تَقول هم قرَابَة أَي ذَوُو قرَابَة وهم صحابة أَي ذَوُو صحابة وَأما صُحْبَة بِغَيْر ألف فَجمع صَاحب مثل الكتبة جمع كَاتب فَإِذا عنيت الْمصدر قلت ورثوه عَن كَلَالَة كَمَا تَقول فعلت ذَلِك عَن كَرَاهَة قَالَ الشَّاعِر ورثتم قناة الْمجد لَا عَن كلال عَن ابْن منَاف عبد شمس وهَاشِم
وَإِذا جعلت الْكَلَالَة عبارَة عَن الْوَرَثَة فَهُوَ مجَاز مستحسن فِي الْقيَاس والاستعمال قَالَ الشَّاعِر والمرء بِجمع فِي الحيا ة وَفِي الْكَلَالَة مَا يسيم
أَي الْوَرَثَة الَّذين هم ذَوُو كَلَالَة مَا يسيم من المَال أَي يرعاه
[ ٧٠ ]
وَقد رُوِيَ أَن جَابِرا قَالَ للنَّبِي ﵇ كَيفَ أصنع فِي مَالِي وَلَيْسَ يَرِثنِي إِلَّا كَلَالَة
فَهَذِهِ حَقِيقَة الْكَلَالَة ومجازها وَلَا يَصح قَول من قَالَ الْكَلَالَة المَال وَلَا قَول من قَالَ إِنَّهَا الْمَيِّت وَإِن كَانَ قد قَالَ القدماء من الْمُفَسّرين الْكَلَالَة من لَا وَالِد لَهُ وَلَا ولد وَلَكِن لَا حجَّة فِي هَذَا لِأَن الْقَوْم أشاروا إِلَى الْمَعْنى دون تَفْسِير اللَّفْظ ففهم عَنْهُم أَن من مَاتَ وَلَا ولد لَهُ فَهُوَ الْمَوْرُوث بالكلالة لَا سِيمَا وهم إِنَّمَا فسروا قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن كَانَ رجل يُورث كَلَالَة أَو امْرَأَة﴾ فَقَالُوا هُوَ من لَا وَالِد لَهُ وَلَا ولد يعنون الرجل الَّذِي يُورث كَلَالَة وَالله أعلم فعلى هَذَا يكون إِعْرَاب الْكَلِمَة إِمَّا مَفْعُولا ثَانِيًا إِن عنيت بِهِ الْوَرَثَة وَالْمَفْعُول الأول مُضْمر فِي يُورث كَمَا تَقول هُوَ يلبس ثوبا وَيطْعم طَعَاما وَإِمَّا حَالا إِن عنيت بِهِ الْمصدر فَيكون التَّقْدِير يُورث وراثة كَلَالَة فَلَمَّا حذف ذكر الْوَرَثَة وَصَارَت مضمرة معرفَة عِنْد الْمُخَاطب بِمَا تقدم من اللَّفْظ الْمُشْتَقّ مِنْهَا صَارَت صفتهَا حَالا مِنْهَا كَمَا تَقول سَار بِهِ رويدا فرويدا حَال من السّير قَالَه سِيبَوَيْهٍ وضعفاء من النَّحْوِيين يعربون مثل هَذَا نعتا لمصدر
[ ٧١ ]
مَحْذُوف وَالَّذِي قدمْنَاهُ هُوَ الصَّوَاب وحسبك أَنه مَذْهَب صَاحب الْكتاب وَوجه الْحجَّة يطول فصل