قَوْله ﴿فَإِن لم يكن لَهُ ولد وَورثه أَبَوَاهُ فلأمه الثُّلُث﴾ لم يَجْعَل الله
[ ٥٦ ]
لَهَا الثُّلُث إِلَّا بِشَرْطَيْنِ أَحدهمَا عدم الْوَلَد وَالْآخر إحاطة الْأَبَوَيْنِ بِالْمِيرَاثِ وَلذَلِك دخلت الْوَاو ليعطف الشَّرْط الثَّانِي على الأول وَلَو لم تدخل الْوَاو لأحاط الأبوان بِالْمِيرَاثِ عِنْد عدم الْوَلَد وَلم يَرث مَعَهُمَا أحد هَذَا مُقْتَضى قَوْله ﴿وَورثه أَبَوَاهُ﴾ وافهم هَذِه النُّكْتَة من أَلْفَاظ الْقُرْآن فَإنَّك ستجد فَائِدَة مَا إِذا ذكرنَا مِيرَاث الْكَلَالَة إِن شَاءَ الله
وَذَلِكَ أَن لفظ ورث إِذا وَقع مُطلقًا اقْتضى حوز الْمِيرَاث عُمُوما مثل أَن تَقول ورثت زيدا إِذا ورثت مَاله كُله فَإِن كَانَ مَعَك وَارِث آخر لم يحسن أَن تَقول ورثته إِنَّمَا تَقول ورثت مِنْهُ كَذَا تَعْنِي نصفا أَو ثلثا لِأَن معنى ورثته ورثت مَاله ثمَّ حذف الْمُضَاف وأقيم الْمُضَاف إِلَيْهِ مقَامه وَلما قَامَ مقَامه فِي الْإِعْرَاب قَامَ مقَامه فِي الْعُمُوم من قَوْلك ورثت مَاله لسر من الْعَرَبيَّة لطيف لَيْسَ هَذَا مَوضِع ذكره قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾
[ ٥٧ ]
وَقَالَ ﴿يَرِثنِي وَيَرِث من آل يَعْقُوب﴾ أَلا ترَاهُ قَالَ من آل يَعْقُوب بِزِيَادَة حرف التَّبْعِيض وَقَالَ يَرِثنِي بِغَيْر حرف لإحاطة الْوَلَد بميراث الْأَب وَقَالَ ﴿وَورث سُلَيْمَان دَاوُد﴾ وَقَالَ ﴿وَهُوَ يَرِثهَا إِن لم يكن لَهَا ولد﴾ أَي يُحِيط بميراثها
وَإِذا ثَبت هَذَا فَمَعْنَى الْكَلَام إِذا إِن لم يكن لَهُ ولد وأحاط الأبوان بميراثه فلأمه الثُّلُث وَسكت عَن حَظّ الْأَب اسْتغْنَاء عَن ذكره لِأَنَّهُ لَا يبْقى بعد الثُّلُث إِلَّا الثُّلُثَانِ وَلَا وَارِث إِلَّا الأبوان وَهَذَا بَالغ فِي الْبَيَان
وتذكر هَهُنَا الفريضتان الغراوان وهما امْرَأَة تركت زَوجهَا
[ ٥٨ ]
وأبويها وَرجل ترك امْرَأَته وأبويه فللأم هَهُنَا الثُّلُث مَا بَقِي وَذَلِكَ السُّدس من رَأس المَال مَعَ الزَّوْج وَالرّبع من رَأس المَال مَعَ الزَّوْجَة
وَقد أَبى من ذَلِك ابْن عَبَّاس وَقَالَ لَا أجعَل لَهَا إِلَّا الثُّلُث من رَأس المَال وَالزَّوْج النّصْف وَيبقى السُّدس للْأَب فَأبى عَلَيْهِ زيد ابْن ثَابت وَقَالَ ليقسم هُوَ كَمَا رأى وَأقسم أَنا كَمَا رَأَيْت وَهِي إِحْدَى الْمسَائِل الْخَمْسَة الَّتِي خَالف فِيهَا ابْن عَبَّاس الصَّحَابَة
وَالْعجب أَن الله جعل لَهَا الثُّلُث كَمَا جعل للزَّوْج النّصْف وَزيد ابْن ثَابت يَقُول بالعول خلافًا لِابْنِ عَبَّاس وَلم يَجْعَلهَا عائلة وَلَا حط الْأَب فَيكون خلافًا لقَوْله ﴿للذّكر مثل حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فَلَا هُوَ نقص الزَّوْج مِمَّا جعل لَهَا وَلَا هُوَ سوى الْأُم مَعَه فيعطيها من رَأس المَال كَمَا أعطَاهُ
وَلَكِن قَوْله منتزع من كتاب الله انتزاعا تعضده الْأُصُول وَذَلِكَ أَن الْأُم تَقول لم حططتموني عَن الثُّلُث الَّذِي جعل الله لي
فَيُقَال لَهَا مَا أخرجت عَن الثُّلُث لِأَن ميراثك مَعَ أحد الزَّوْجَيْنِ الثُّلُث مِمَّا يبْقى فَلم تخرجي عَن الثُّلُث
فَتَقول الْأُم هلا أعطيتموني الثُّلُث من رَأس المَال فَيكون للزَّوْج نصف مَا بَقِي أَو هلا جعلتموها عائلة فَيدْخل النَّقْص عَلَيْهِ وعَلى الْأَب كَمَا دخل عَليّ
فَيُقَال لَهَا إِنَّمَا قَالَ الله سُبْحَانَهُ ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ وَلم يقل مِمَّا ترك
[ ٥٩ ]
كَمَا قَالَ فِي الزَّوْجَيْنِ وَفِي الْأُخْت والأختين وَفِي الْأَبَوَيْنِ مَعَ وجود الْوَلَد وَلَفظ مَا صِيغَة من صِيغ الْعُمُوم فَأعْطى الزَّوْج فَرْضه من كل مَا ترك الْمَيِّت وَلم تَكُونِي أَنْت كَذَلِك إِلَّا مَعَ عدم الزَّوْجَيْنِ وَعند إحاطة الْأَبَوَيْنِ بِالْمِيرَاثِ
فَتَقول الْأُم أَلَيْسَ قَوْله سُبْحَانَهُ ﴿فلأمه الثُّلُث﴾ مَعْنَاهُ مِمَّا ترك الْوَلَد
فَيُقَال لَهَا صِيغَة الْعُمُوم لَا تُؤْخَذ من الْمَعْنى وَإِنَّمَا تُؤْخَذ من اللَّفْظ وَقد تقدم أَن الدَّلِيل اللَّفْظِيّ أقوى من الْمَعْنَوِيّ لِأَنَّهُ مَعْقُول ومسموع فَلهُ مزية على الْمَعْقُول غير المسموع وَهَذَا أصل مُتَّفق عَلَيْهِ عِنْد حذاق الْأُصُولِيِّينَ
وَقد وفْق الله زيد بن ثَابت وفهمه عَن الله وَصدق رَسُول الله ﷺ حَيْثُ قَالَ وأفرضهم زيد بن ثَابت
فَتَأمل هَذَا الأَصْل فَقل من يفْطن لَهُ وَإِنَّمَا الْمَسْأَلَة عِنْد النَّاس تقليدية لَا برهانية وَقد أوضحناها برهانيا وَالْحَمْد لله
فَهَذَا مَا فِي الْمَسْأَلَة من لفظ الْقُرْآن وَأما مَا فِيهَا من الْحِكْمَة وَبَيَان السِّرّ فَإِن الْأَب بعل الْأُم وَقد قَالَ ﵇ لَو أمرت أحدا بِالسُّجُود لأحد لأمرت الْمَرْأَة أَن تسْجد لبعلها وَهُوَ قوام عَلَيْهَا قَالَ الله ﷿ ﴿الرِّجَال قوامون على النِّسَاء﴾ وَقَالَ ﴿وللرجال عَلَيْهِنَّ دَرَجَة﴾ فَكيف
[ ٦٠ ]
يكون فَوْقهَا عقلا وَشرعا ثمَّ يكون تحتهَا فِي الْمِيرَاث وَلم يكن أَيْضا ليعال لَهَا مَعَه فَيدْخل عَلَيْهِ النَّقْص فِي حَظه وَهُوَ قيمها والمنفق عَلَيْهَا وإليها يؤول نفع حَظه من الْمِيرَاث
فَإِن قيل قد عيل لَهَا مَعَه فِي مَسْأَلَة الْوَلَد إِذا اجْتمع أَبَوَانِ وبنتان وَزوج
قلت إِن الله تَعَالَى قَالَ هُنَاكَ ﴿لكل وَاحِد مِنْهُمَا السُّدس مِمَّا ترك﴾ وَلم يقل هُنَا مِمَّا ترك وَقد بَينا هُنَاكَ الْحِكْمَة الَّتِي أوجبت الْمُسَاوَاة لَهَا مَعَ الْأَب
فَإِن قيل فقد قَالَ ﴿فَإِن كَانَ لَهُ إخْوَة فلأمه السُّدس﴾ وَلم يقل مِمَّا ترك وَهِي يعال لَهَا مَعَ الْأُخْتَيْنِ وَالزَّوْج
قُلْنَا قد قَالَ ﴿مِمَّا ترك﴾ فِي سدسه مَعَ الابْن وَالْأَب وَالِابْن أَحَق بِالْمِيرَاثِ من الْأَخ فَكيف يكون لَهَا السُّدس من كل مَا ترك مَعَ الابْن الَّذِي هُوَ أَحَق وَلَا يكون ذَلِك لَهَا مَعَ الْأَخ فَلذَلِك اسْتغنى الْكَلَام عَن أَن يَقُول فِيهِ ﴿مِمَّا ترك﴾ أَعنِي عِنْد ذكر الْأُخوة اكْتِفَاء بِمَا
[ ٦١ ]
قَالَه عِنْد ذكر الْوَلَد
فَإِن قيل فَإِن الْأُخوة للْأُم لَهُم الثُّلُث وَلم يقل فِي مسألتهم ﴿مِمَّا ترك﴾
قالجواب أَن قَوْله ﴿يُورث كَلَالَة﴾ يَقْتَضِي الْعُمُوم فِي جَمِيع المَال لما قدمنَا فِي معنى ورث وَإِذا كَانَ كَذَلِك لم يحْتَج إِلَى إعاده لفظ آخر للْعُمُوم فَإِن الْأَخ للْأُم من جملَة الْكَلَالَة وَقد قَالَ ﴿يُورث كَلَالَة﴾ أَي يحاط بِجَمِيعِ مَاله فلإخوته لأمه الثُّلُث وَلَا يحْتَاج إِلَى أَن يُقَال مِمَّا ترك لتقدم الْعُمُوم فِي قَوْله ﴿يُورث﴾ وَقد بَينا شرح هَذَا فِيمَا تقدم عِنْد قَوْله ﴿وَورثه أَبَوَاهُ﴾ فافهمه وَبِاللَّهِ التَّوْفِيق فصل