(العصبات): جمع عصبة، وهو جمع عاصب، من العصب وهو الشَّدُّ، ومنه: عِصابة الرَّأس؛ لأنَّه يعصب بها؛ أي: يشدُّ، والعَصَب؛ لأنَّه يشدُّ الأعضاء، وعصابة القوم؛ لاشتداد بعضهم ببعض، وهذا يوم عصيب؛ أي: شديد، فسُمِّيت القرابة عصبة؛ لشدَّة الأزر.
واختصَّ التَّعصيب بالذُّكور غالبًا؛ لأنَّهم أهل النُّصرة والشِّدَّة.
ومتى أُطلِقَ العاصب فالمراد: العاصب بنفسه.
ص:
٤٩ - فَكُلُّ مَنْ جَمِيعَ إِرْثٍ كَسَبَا أَوْ بَعْدَمَا اسْتِغْرَاقِ فَرْضٍ حُجِبَا
٥٠ - أَوْ مَا بَقِيْ مِنَ (١) الفُرُوضِ أَخَذَا فَذَلِكَ العَاصِبُ فَاعْرِفْهُ بِذَا
_________________
(١) في النظم المطبوع: (عن).
[ ١١٣ ]
٥١ - مِثْلُ أَبٍ وَالجَدِّ وَأَبِيهِ وَابْنٍ لِصُلْبٍ وَابْنِهِ الشَّبِيه
٥٢ - كَذَا أَخٌ وَالعَمُّ وَابْنٌ لَهُما وَلَوْ تَنَاءَى، ثُمَّ مَوْلَىً أَنْعَمَا
ش: قد أخَّرتُ العصبات عن الفروض؛ لأنَّ العاصب مؤخَّر في الاعتبار عن أصحاب الفروض؛ لقوله - ﵇ -: «أَلْحِقُوا الفَرَائِضَ بِأَهْلِهَا، فَمَا بَقِيَ فَلِأَوْلَى (١) رَجُلٍ ذَكَرٍ» (٢)، وقوله: «ذَكَرٍ» بعد ذِكْرِ «رَجُلٍ»؛ للإشارة إلى أنَّ المراد به ما قابل الأنثى، بالغًا عاقلًا كان أو لا.
والعاصب بنفسه لا يرث إلَّا بعد أخذ أصحاب الفروض فروضهم.
وهو: كلُّ ذكر ليس بينه وبين الميِّت أنثى، غيرَ الزَّوج؛ فإنَّ الزَّوج قرابته للميت بالمصاهرة لا بالنَّسب، فيرث بالفرض فقط.
فخرج: الأخ للأمِّ، فالأخ للأمِّ صاحب فرض لا عاصب؛ لأنَّه يُدْلي بأنثى.
_________________
(١) في الأصل: (فلأدلى).
(٢) رواه البخاري (٦٧٣٢)، ومسلم (١٦١٥)، من حديث ابن عباس ﵄.
[ ١١٤ ]
ص:
٥٣ - بِالجِهَةِ احْكُمْ أَوَّلًا] وَبَعْدَهَا [(١) بِالقُرْبِ ثُمَّ قُوَّةٍ] خُذْ رُشْدَهَا [(٢)
ش: اعلم أنَّ هذا الحكم مبنيٌّ على القاعدة الَّتي ذكرها الجعبريُّ (٣) وغيره، فإذا اجتمع عاصبان: فمن كانت جهته مقدَّمة كالأخ فهو مقدَّم وإن بَعُد كابن الأخ على من كانت جهته مؤخَّرة كالعمِّ.
فابن ابن شقيقٍ أو لأبٍ مقدَّم على العمِّ، وذلك معنى قول الجعبري: (فبالجهة التقديم).
فإن اتَّحدت [جهتهما] (٤): فالقريب درجة وإن كان ضعيفًا مقدَّمٌ
_________________
(١) في المطبوع: (وكذا).
(٢) في المطبوع: (خذا).
(٣) الجعبري: هو صالح بن ثامر بن حامد بن علي، القاضي، الإمام، تاج الدين، أبو محمد، الجعبري، الشافعي، له فضائل وعلوم متنوعة، وله يد طولى في الفرائض، وله فيها نظم حسن، سمع من جماعة، منهم: المجد ابن تيمية، وسمع منه جماعة، منهم: البرزالي، وتوفي بدمشق سنة ٧٠٦ هـ. ينظر: طبقات الشافعيين لابن كثير ص ٩٥٥، أعيان العصر للصفدي ٢/ ٥٤٤، الوافي بالوفيات ١٦/ ١٤٦. قال الجعبري: فَبِالجِهَةِ التَّقديمُ ثُمَّ بقربِهِ وبعدَهما التقديمُ بالقُوَّةِ اجْعَلَا
(٤) في الأصل: (جهتها)، والصواب المثبت.
[ ١١٥ ]
على البعيد وإن كان قويًّا؛ كابن الأخ [لأب مقدم على ابن ابن الأخ] (١) الشَّقيق، وذلك معنى قول الجعبري: (ثمَّ بِقُرْبِهِ).
فإن اتَّحدت درجتهما أيضًا: فالقويُّ، وهو ذو القرابتين، مقدَّم على الضَّعيف، وهو ذو القرابة الواحدة كما سبق ذكره قريبًا، وذلك معنى قول الجعبري: (وبعدهما التَّقديم بالقوَّة اجعلا)، ذكر ذلك الشَّنشوري (٢).
وجهات العصوبة ستَّة: بنوَّة، ثمَّ أبوَّة، ثمَّ جُدُودة وأخوَّة، ثمَّ بنوَّة إخوة، ثمَّ العمومة، ثمَّ الولاء.
وأقربهم: الابن.
ثمَّ ابنه وإن نزل.
ثمَّ الأب.
ثمَّ الجدُّ أبو الأب وإن علا، فهو أولى من الإخوة لأبوين أو لأب في الجملة؛ لأنَّه أب، فإن اجتمعوا معه؛ فقد تقدَّم حكمهم.
ثمَّ الأخ من الأبوين؛ لترجُّحه بقرابة الأمِّ، ثمَّ الأخ من الأب.
ثمَّ ابن الأخ من الأبوين، ثمَّ ابن الأخ من الأب، ثمَّ أبناؤهم وإن نزلوا.
_________________
(١) سقطت من الأصل. ينظر: الفوائد الشنشورية ص ٧٥.
(٢) ينظر: الفوائد الشنشورية ص ٧٥، وشرح الترتيب للشنشوري ١/ ٢٩.
[ ١١٦ ]
ثم الأعمام، ثم أبناؤهم كذلك، يُقدَّم العمُّ الشَّقيق، ثمَّ العمُّ لأب، ثمَّ ابن العمِّ الشقيق، ثمَّ ابن العمِّ لأب وإن نزلوا.
فإن عدمت العصبة من النَّسب؛ ورث المولى المعتِقُ ولو أنثى، ثمَّ عصبتُه من بعده، الأقرب فالأقرب كالنَّسب، وإنَّما أُخِّر المعتِق بالذِّكر؛ لأنَّه إنَّما يرث عند عدم عصبة النَّسب.
واعلم:
أنَّ النِّساء كلّهنَّ صاحبات فرض، وليس فيهنَّ عصبة إلَّا المعتِقَة فقط.
وأنَّ الرِّجال كلُّهم عصبات بأنفسهم إلَّا: الزَّوجَ وولدَ الأمِّ، فإنَّهما صاحبا فرض كما تقدَّم.
ص:
٥٤ - وَوَرِّثِ الاِبْنَ كَما البِنْتَيْنِ عُصُوبَةً، وَالأَخَ كَالأُخْتَيْن
٥٥ - وَالأُخْتَ مَعْ بِنْتٍ فَوَرِّثْ عَصَبَهْ وَلَا تَكُنْ لِغَيْرِ حَقٍّ عَصَبَهْ
ش: لمَّا أنهيت الكلام على العصبة بنفسه شرعت أتكلَّم على العصبة بغيره والعصبة مع غيره.
فالعصبة بغيره أربع: البنت، وبنت الابن، والأخت الشَّقيقة،
[ ١١٧ ]
والأخت للأب، كلُّ واحدة منهنَّ مع أخيها عصبة به، فيمنعونهنَّ الفرض، ويقتسمون ما ورثوا، للذَّكر مثل حظِّ الأنثيين إجماعًا (١)؛ لقوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًَا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾.
واعلم: أنَّ ابن الابن كما يعصِّب أخته وبنت عمِّه الَّتي في درجته، كذلك يعصِّب بنت ابن فوقه إن لم يكن لها فرض، بأن كان فوقها من البنات أو بنات الابن أو منهما من يستغرق الثُّلثين.
ولا يعصِّب كلٌّ من عمٍّ أو ابنه أو ابن أخ: أخته، واحدةً كانت أو أكثر؛ لأنَّهنَّ من ذوي الأرحام، بل ينفرد العاصب ممَّن ذُكِرَ بالإرث وحده دون أخواته، بخلاف الابن وابنه والأخ لغير أمٍّ؛ فإنَّه يعصِّب أخته كما تقدَّم.
وأمَّا العصبة مع غيره فهي: الأخت فأكثرُ - شقيقةً كانت أو لأب- مع البنت أو بنت الابن.
ومعناه: أنَّ للبنت أو لبنت الابن النِّصفَ فرضًا، وللبنات أو لبنات الابن الثُّلثين، وما فَضَلَ فللأخت أو للأخوات المتساويات بالعصوبة، وهذا معنى قول الفَرَضيِّين: (الأخوات مع البنات عصبات).
_________________
(١) الإجماع لابن المنذر ص ٦٩ - ٧٠.
[ ١١٨ ]
وقولي: (ولا تكن لغير حقٍّ عصبه) معناه: أنَّك لا تكن لغير الحقِّ قويًّا ناصرًا، بل كن كذلك للحقِّ في جميع الأمور، تَسْلَمْ في الدُّنيا، ويوم يُنفَخ في الصُّور.
[ ١١٩ ]