بسم الله الرَّحمن الرَّحيم
وبه نستعين
الحمد لله ربِّ العالمين، وصلَّى الله على سيِّدنا محمَّد خاتم النَّبيِّين، وإمام المرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أمَّا بعد، فيقول العبد المفتقر إلى المولى الغنيِّ المنَّان، أبو عبد الله عبد الرَّحمن بن عبد الله بن أحمد الحنبليُّ الدِّمشقيُّ الشَّهير بابن الخطيب البعليِّ - عامله الله القريب المجيب بلطفه الخفيِّ والجلي:
لمَّا اختصرت القصيدة الموسومة بـ «الرَّحبيَّة» في علم المواريث الفرضيَّة - لاشتمالها على كثير من الحشو والتَّطويل، من غير إفادة لما عليه القصد والتعويل، الَّتي سمَّيتها بـ «الدُّرَّة المضيَّة في علم القواعد الفرضيَّة» -؛ طلب منِّي بعض أصحابي الكرام، الفضلاء الفخام، أن أعلِّق عليها شرحًا لطيفًا يكشف عن محاسن وجهها الأستار، ويُظهِر ما خَفِي من حُسن سبك معانيها من الأسرار، فأجبته إلى مطلوبه؛ راجيًا من الله تعالى تحصيل مرغوبه، وأن ينفع به كلَّ من اشتغل به من المسلمين، وأن يحشرني وإخواني في زمرة الأنبياء والعلماء والصالحين.
[ ٦١ ]
وسمَّيته: «الفَوَائِدَ المَرْضِيَّةَ لِشَرْحِ الدُّرَّةِ المُضيَّةِ فِي عِلْمِ القَوَاعدِ الفَرَضِيَّةِ»، واللهَ أسأل أن ينظمه في سلك القبول بجاه النَّبيِّ الرَّسُول (١)، إنَّه أكرم من أجاب، وإليه المآب.
أقول:
_________________
(١) قال شيخ الإسلام في حكم التوسل بجاه النبي ﷺ أو جاه غيره من الصالحين: (قول السائل لله تعالى: أسألك بحق فلان وفلان، من الملائكة والأنبياء والصالحين وغيرهم، أو بجاه فلان، أو بحرمة فلان: يقتضي أن هؤلاء لهم عند الله جاه، وهذا صحيح، فإن هؤلاء لهم عند الله منزلة وجاه وحرمة ولكن ليس نفس مجرد قدرهم وجاههم مما يقتضي إجابة دعائه إذا سأل الله بهم حتى يسأل الله بذلك، بل جاههم ينفعه أيضًا إذا اتبعهم وأطاعهم فيما أمروا به عن الله، أو تأسَّى بهم فيما سَنُّوه للمؤمنين، وينفعه أيضًا إذا دعوا له وشفعوا فيه، فأما إذا لم يكن منهم دعاء ولا شفاعة ولا مِنْه سبب يقتضي الإجابة؛ لم يكن متشفِّعًا بجاههم، ولم يكن سؤاله بجاههم نافعًا له عند الله، بل يكون قد سأل بأمر أجنبي عنه ليس سببًا لنفعه) ينظر: مجموع الفتاوى ١/ ٢١١. وقال عن الدعاء بجاه النبي ﷺ وجاه غيره: (فهذا يفعله كثير من الناس، لكن لم ينقل عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا سلف الأمة أنهم كانوا يدعون بمثل هذا الدعاء). ينظر: مجموع الفتاوى ٢٧/ ٨٣.
[ ٦٢ ]
ص: بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
اقتداءً بالكتاب الكريم، وتأسِّيًا بكلام النَّبيِّ عليه أفضل الصَّلاة وأتمُّ التَّسليم: «كلُّ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدَأُ فيه ببسم الله الرَّحمن الرَّحيم فهو أبترُ» (١) أي: ذاهب البركة أو ناقصُها.
و(الله): علمٌ على واجب الوجود المستحِق لجميع المحامد.
و(الرَّحمن الرَّحيم): صفتان لله تعالى، مشتقَّتان من الرَّحمة، بُنِيَتَا للمبالغة.
ص:
١ - الحَمْدُ للهِ القَدِيمِ البَاقِي سُبْحانَهُ مِنْ وارِثٍ خَلَّاق
_________________
(١) رواه الخطيب البغدادي في الجامع لآداب الراوي (١٢١٠)، من حديث أبي هريرة ﵁ مرفوعًا بلفظ: (أقطع)، بدل (أبتر)، وفي إسناده أحمد بن محمد بن عمران، المعروف بابن الجندي، قال فيه الخطيب: (وكان يُضَعَّف في روايته)، وقال ابن حجر عن رواية البسملة: (وردت في بعض طرق الحديث بأسانيد واهية)، وقال الألباني: (ضعيف جدًا آفته ابن عمران هذا). وأطال السبكي في تصحيحه، إلا أنه أجاب عن علل أخرى ذُكرت في الحديث، ولم يتطرق لضعف ابن عمران. ينظر: تاريخ بغداد ٦/ ٢٤٤، طبقات الشافعية ١/ ١٢، فتح الباري ٨/ ٢٢٠، الإرواء ١/ ٢٩.
[ ٦٣ ]
٢ - ثُمَّ الصَّلاةُ للنَّبِيْ والآلِ وَصَحْبِهِ مَعَ السَّلَامِ التَّالِي
ش: (الحمد): هو الوصف بالجميل الاختياري على جهة التَّعظيم، ثابت له تعالى، وكلٌّ من صفاته تعالى جميل، فهو وصف لله تعالى بجميع صفاته.
و(القديم) (١): ضدُّ الحادث.
و(الباقي) (٢): الَّذي لا يفنى.
_________________
(١) القديم: بمعنى الأول، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [الحديد: ٣]، ولكن لم يرد إطلاق لفظ "القديم" لا في الكتاب ولا في السنة، فلا يطلق على الله تعالى، قال ابن القيم رحمه الله تعالى: (ما يطلق عليه في باب الأسماء والصفات توقيفي، وما يُطلق عليه من الأخبار لا يجب أن يكون توقيفيًّا؛ كالقديم، والشيء، والموجود، والقائم بنفسه)، وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (القديم ليس من أسماء الله الحسنى، وإنه لا يجوز أن يسمَّى به، لكن يجوز أن يخبر به عنه، وباب الخبر أوسع من باب التسمية؛ لأن القديم ليس من الأسماء الحسنى، والقديم فيه نقص؛ لأن القِدَمَ قد يكون قدمًا نسبيًّا؛ ألم تر إلى قوله تعالى: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ﴾ [يس: ٣٩]، والعرجون القديم حادث، لكنه قديم بالنسبة لما بعده). ينظر: بدائع الفوائد ١/ ١٦٢، شرح العقيدة الواسطية لابن عثيمين ٢/ ٤٩.
(٢) البقاء من صفات الله تعالى، قال الله ﷿: ﴿(٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ﴾ سورة الرحمن آية (٢٧). ، وأما الباقي: فأثبته جمع من أهل العلم اسمًا لله تعالى؛ منهم ابن منده وقوام السنة، مستدلين بحديث أبي هريرة ﵁ الطويل عند الترمذي [٣٥٠٧] في ذكر أسماء الله تعالى، وفيه: «الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ»، والحديث ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ولم يصح دليل آخر في إثبات هذا الاسم. ينظر: كتاب التوحيد لابن منده ٢/ ٨٦، والحجة لقوام السنة ١/ ١٢٧، ومجموع الفتاوى ٨/ ٩٧، وصفات الله ﷿ لعلوي السقاف ص ٩٠.
[ ٦٤ ]
ومعنى (سبحانه) أي: أنزِّهه تنزيهًا لائقًا بجلاله عن صفات المحدَثين.
و(الوارث): هو الله (١)، ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
و(الخلَّاق): الموجد للشَّيء على غير مثال سَبَقَ.
و(الصَّلاة) لغةً: الدعاء، وهي من الله رحمته، ومن الملائكة الاستغفار، ومن غيرهم التَّضرُّع والدُّعاء.
_________________
(١) قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: (الوارث: لم يرد بهذا اللفظ من أسماء الله تعالى، ولكنه ورد بلفظ الجمع الدال على التعظيم في قوله تعالى: ﴿وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: ٥٨])، وقال الأزهري: (الوارِث: صفة من صفات الله ﷿، وهو الباقي الدائم). وقد عدَّه كثيرون من أسماء الله تعالى، لقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِ وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ﴾ [الحجر: ٢٣]، ولحديث أبي هريرة ﵁ الطويل عند الترمذي [٣٥٠٧] في ذكر أسماء الله تعالى، وفيه: «الْبَاقِي، الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ، الصَّبُورُ»، والحديث ضعفه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀. ينظر: شرح المنظومة البرهانية لابن عثيمين ص ٢٩، وصفات الله ﷿ لعلوي السقاف ص ٩٠، النهج الأسمى في شرح أسماء الله الحسنى ٢/ ٢٨٧.
[ ٦٥ ]
و(النَّبي): هو نبيُّنا محمَّد ﷺ.
(وآله): هم أتباعه على دينه، على الصَّحيح عند أحمد وغيره (١)، وعند الشَّافعي (٢) وغيره: مؤمنو بني هاشم وبني المطَّلِب.
(وصحبه): جمع صاحب، وهو من صحب النَّبيَّ ﷺ أو رآه مؤمنًا، ومات على الإسلام.
و(السَّلام): التَّحيَّة والسَّلامة من النَّقائص.
و(التَّالي): التَّابع، وسبب الجمع بين الصَّلاة والسَّلام قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًَا﴾، والخروج من خلاف من كَرِهَ إفراد أحدهما عن الآخر.
ص:
٣ - وَبَعْدَ ذَا فَهَذِهِ قَوَاعِدُ فِي الإِرْثِ فِيهَا لِلوَرَى فَوَائِدُ
٤ - قَدِ اخْتَصَرْتُهَا لِأَهْلِ الطَّلَبِ مِنْ دُرِّ مَا نَظَمَهُ ابْنُ الرَّحَبِيْ
_________________
(١) قال في التحبير شرح التحرير (١/ ٩٣): (وهذا هو الصحيح من المذهب، نص عليه الإمام أحمد، وعليه أكثر الأصحاب).
(٢) ينظر: البيان للعمراني ٢/ ٢٤٠، والمجموع للنووي ١/ ٧٦.
[ ٦٦ ]
٥ - لِكَيْ يَنَالَ المُرْتَجِيْ مِنْها الأَمَلْ مِنْ غَيْرِ تَطْوِيلٍ بِهِ يُبْطِي العَمَلْ
٦ - سَمَّيتُها بالدُّرَّةِ المُضِيَّهْ جَامِعَةِ القَوَاعِدِ الفَرْضِيَّهْ
٧ - وَأَسْأَلُ اللهَ الغَنِيْ بِفَضْلِهِ يَجْعَلُها خَالِصَةً لِوَجْهِه
ش: أي بعدَما تقدَّم من البسملة والحمدلة، والصَّلاةِ والسَّلامِ على سيِّد الأنام، (فهذه) أي: المسائل الَّتي تُذكر في هذا الكتاب (قواعد): جمع قاعدة، وهي: حكمٌ كلِّيٌّ ينطبق على جزئيَّاته؛ ليستعرف أحكامها منه.
و(الإرث): الميراث.
و(الفوائد): جمع فائدة، وهي: ما استفدْتَه من علم أو مال.
و(الاختصار): هو تجريد اللَّفظ اليسير من اللَّفظ الكثير، مع بقاء المعنى.
و(أهل الطَّلب) أي: طلب العلم.
و(الدُّر): بضمِّ الدَّال المهملة: جمع درَّة، وهي اللُّؤلؤة العظيمة.
و(النَّظم): التَّأليف، وضمُّ شيء إلى آخر.
[ ٦٧ ]
و(ابن الرَّحبي): هو الشَّيخ الإمام الهُمَام، الجليل القدر، محمَّد بن علي بن محمَّد بن الحسن، أبو عبد الله الرَّحَبيُّ، فقيه فاضل، صنَّف كتبًا صغيرة؛ منها منظومة الفرائض، سمَّاها: «بغية الباحث»، وهي الَّتي اختصرتُها وأشرت إليها في البيت، ومات ﵀ رحمة واسعة في ذي القعدة، سنة تسع وسبعين وخمسِ مِائة، ذُكِرَ ذلك في «طبقات الشَّافعيَّة» لابن شهبة (١).
و(المرتجى): المؤمِّل.
و(الأمل): الرَّجاء.
و(البطء): ضدُّ الإسراع، أبطأ به؛ أي: أخَّره.
و(العمل): عمل المسائل.
والمراد بـ (الخالص): الخالص من الرِّياء والسُّمعة لأجل وجهه تعالى.
_________________
(١) (٢/ ١٧).
[ ٦٨ ]