الفرع الأول: يمتد التوارث بين الزوجين إلى أن تحصل البينونة بينهما بطلاق أو فسخ، فإذا حصلت البينونة انقطع التوارث بينهما، وعلى هذا فيثبت التوارث بين الزوجين في الطلاق الرجعي ما دامت في العدة؛ لأن الرجعية لا تبين إلا بانقضاء عدتها.
وأما الفسخ والطلاق البائن فينقطع التوارث فيهما بين الزوجين بمجرد الفرقة، إلا أن تقع من أحدهما في حال يتهم فيها بقصد حرمان الآخر من الإرث؛ فإن المتهم يُوْرَث ولا يَرِث معاقبة له بنقيض قصده السيّئ، ومثَّلوا لذلك بأمثلة منها:
١- أن يطلق زوجته في مرض موته المخوف متهمًا بقصد حرمانها، فلا يرثها لو ماتت؛ لأن البينونة منه، وأما هي فترثه ما دامت في العدة، وأما بعد انقضائها فلا ترثه في قول أبي حنيفة وأصحابه وقديم قولي الشافعي، وعن أحمد ما يدل عليه، لكن المشهور عنه أنها ترثه ما لم تتزوج، قال الأصحاب: أو ترتد، فإن ارتدت أو تزوجت سقط إرثها سواء عادت إلى الإسلام أم لا، وسواء فارقها الزوج الثاني أم لا. وقال مالك: لا يسقط إرثها بالزواج فترث ولو كانت مع الزوج، والله أعلم بالصواب.
وفي هذا المثال التهمة من الزوج.
٢ - أن تفعل الزوجة في مرض موتها المخوف، ما يفسخ نكاحها من زوجها متهمة بقصد حرمانه، مثل: أن يعقد عليها
[ ٢٢ ]
لطفل صغير فترضعه رضاعًا تثبت به الأمومة، فإن النكاح ينفسخ ويرث منها لو ماتت ولا ترثه.
والتهمة في هذا المثال من الزوجة.
الفرع الثاني: القرابة ثلاثة أصناف أصول، وفروع، وحواشي.
فالأصول: من لهم ولادة على الشخص كالأم والأب وإن عَلَوا، والوارث منهم:
١ - كل ذكر ليس بينه وبين الميت أنثى، كالأب وأبيه، وإن علا بمحض الذكور، فإن كان بينه وبين الميت أنثى فهو من ذوي الأرحام كأبي الأم ونحوه.
٢ - كل أنثى ليس بينها وبين الميت ذكر قبله أنثى، كالأم وأمها وأم الأب وأم الجد وإن علون بمحض الإناث، فإن كان بينها وبين الميت ذكر قبله أنثى فهي من ذوي الأرحام كأم أبي الأم؛ لأنها مدلية بمن هو من ذوي الأرحام، فكانت من ذوي الأرحام.
واختلف أهل العلم في الجدة المدلية بذكر وارث فوق الأب كأم الجد وأبيه وإن علت، والصواب أنها وارثة لأنها مدلية بوارث كأم الأب، وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. قال في "المغني": وروي عن ابن عباس، قال ابن سراقة وبهذا قال عامة الصحابة إلا شاذًا. انتهى.
والفروع: كل من للشخص عليهم ولادة كالأولاد وأولادهم وإن نزلوا، والوارث منهم كل من ليس بينه وبين الميت أنثى، كالأولاد وأولاد الأبناء، فأما من بينه وبين الميت أنثى كأولاد البنات فمن ذوي الأرحام.
[ ٢٣ ]
والحواشي: فروع الأصول كالإخوة والأعمام وأبنائهم، وإن نزلوا، والوارث منهم:
١ - الأخوات مطلقًا، فأما غيرهن من إناث الحواشي فمن ذوي الأرحام؛ كالعمة والخالة وبنت الأخ وبنت العم ونحوهن.
٢ - الإخوة من الأم دون فروعهم.
٣ - كل ذكر أدلى بذكر كالإخوة والأعمام لغير أم وأبنائهم، فأما المدلي بأنثى كالخال والعم لأم وابن الأخت ونحوهم فمن ذوي الأرحام.
الفرع الثالث: لا يرث بالولاء إلا المُعْتِق وعصبته المتعصبون بأنفسهم؛ كابن المعتق وأبيه وجده وأخيه لغير أم ونحوهم، وذلك لأن الولاء يورث به ولا يورث، هذا قول جماهير العلماء، وقال شريح: "إن الولاء يورث كما يورث المال، فلا يختص بالعصبة المتعصبين بأنفسهم"، وهو مروي عن الإمام أحمد.
فلو مات العتيق عن ابن معتقه وابنة معتقه فالمال للابن فقط على قول الجمهور؛ لأنه عاصب بنفسه، وليس للبنت شيءٌ لأنها عاصبة بغيرها، وعلى قول شريح المال بينهما للذكر مثل حظ الأنثيين.
الفرع الرابع: ليس للميراث سبب غير هذه الأسباب الثلاثة عند جمهور العلماء، وزاد شيخ الإسلام ابن تيمية عند عدم الأسباب المذكورة أسبابًا أُخر، وهي: الموالاة، والمعاقدة، والإسلام على يديه، والالتقاط، وكونهما من أهل الديوان، وقال: هو رواية عن الإمام أحمد، قال: "ويرث المولى من أسفل وهو العتيق عند عدم الورثة، وقاله بعض العلماء". انتهى.
[ ٢٤ ]
وفي بعض ذلك أحاديث في "السنن" منها:
١ - عن ابن عباس أن النبي ﷺ آخى بين أصحابه، وكانوا يتوارثون بذلك حتى نزل قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ "لأنفال: من الآية٧٥"
]، فتوارثوا بالنسب. رواه أبو داود والدارقطني"١"، وفي إسناده من فيه مقال.
٢- عن قبيصة عن تميم الداري قال: سألت رسول الله ﷺ: ما السنة في الرجل من أهل الشرك يسلم على يد رجل من المسلمين؟ فقال: "هو أولى الناس بمحياه ومماته". رواه الخمسة وصححه أبو زرعة، وقال الشافعي: ليس بثابت. وقال الترمذي: ليس بمتصل"٢".
_________________
(١) ١ رواه الدراقطني "٤/٨٨". والطبراني في "الكبير" "١١/٢٨٤/١١٧٤٨"، وقال الهيثمي في "مجمع الزوائد" "٧/٢٨": رجاله رجال الصحيح. ويلاحظ أن لفظ أبي داود "٢٩٢١، ٢٩٢٤" في إرث الحلف لا إرث المؤاخاة. كتاب الفرائض، باب نسخ ميراث العقد بميراث الرحم. وانظر عنده "٢٩٢٢". وكلها صححها الشيخ الألباني. ٢ علقه البخاري في "صحيحه". قال: ويذكر عن تميم الداري واختلفوا في صحة الخير. وجزم في "التاريخ الكبير" "٥/١٩٨" أنه لا يصح. ووصله الترمذي "٢١١٢" كتاب الفرائض، باب في الرجل يسلم على يدي الرجل. وابن ماجه "٢٧٥٢" كتاب الفرائض، ١٨- باب الرجل يسلم على يدي الرجل. =
[ ٢٥ ]
٣- عن واثلة بن الأسقع: أن النبي ﷺ قال: "تحوز المرأة ثلاثة مواريث: عتيقها ولقيطها وولدها الذي لاعنت عليه". أخرجه الخمسة إلا أحمد، وقال الترمذي: حسن غريب، وصححه الحاكم، وفي إسناده عمر بن ربيعة التغلبي، قال البخاري: فيه نظر، وقال أبو حاتم: صالح الحديث، قيل: تقوم به الحجة؟ قال: لا، ولكن صالح"١".
٤ - عن ابن عباس: أن رجلًا مات على عهد النبي ﷺ ولم يترك وارثًا إلّا عبدًا هو أعتقه، فأعطاه ميراثه. رواه الخمسة، وفي إسناده عوسجة؛ قال النسائي: ليس بالمشهور. وقال أبو زرعة: ثقة"٢".
_________________
(١) = والنسائي "٦٤١١- ٦٤١٣" كتاب الفرائض، ٣٢- باب ميراث موالي الموالاة. وأحمد "٤/١٠٢،١٠٣". وضعفه البهقي "١٠/٢٩٧"، وحسنه أبو زرعة الدمشقي والألباني. ١ رواه أبو داود "٢٩٠٦" كتاب الفرائض، ٩- باب ميراث ابن الملاعنة. والنسائي "٦٤٢٠" كتاب الفرائض، ١٢-باب تحوز المرأة ثلاث مواريث. والترمذي "٢١١٥" كتاب الفرائض، ٢٣- باب ما جاء مايرث النساء من الولاء. وقال: حسن غريب. وأحمد "٤/١٠٦". وضعفه ابن عدي والبيهقي "٦/٢٥٩" وابن حزم والألباني، ويفهم أن الحافظ في "الفتح" "١٢/٣١" مال إلى تحسينه، ولعل ذلك "بجزء ابن الملاعنة" وانظر "ص٦٤" هنا. ٢ رواه أبو داود "٢٩٠٥" كتاب الفرائض، باب ميراث ذوي الأرحام.
[ ٢٦ ]
وهذه الأحاديث وإن كان في إسنادها ما ترى؛ فإن بَيْن هؤلاء وبين الميت من الصلة الخاصة ما يجعلهم أولى بميراثه من بيت المال، الذي هو لعموم المسلمين. والله أعلم.
_________________
(١) والنسائي "٦٤٠٩، ٦٤١٠" كتاب الفرائض، ٣١- إذا مات العتيق وبقي المعتق. والترمذي "٢١٠٦" كتاب الفرائض، ١٤- باب ميراث المولى الأسفل. وحسنه. وابن ماجه "٢٧٤١" كتاب الفرئض، ١١- باب من لا وارث له. وأحمد "١/٣٥٨". وضعفه المنذري والألباني. ولعل أصله ما رواه الفاكهي في "أخبار مكة" "٢١٦٤" بإسناد صحيح عن غطاء عن عمر موقوفا، ولكنه منقطع.
[ ٢٧ ]