فصلٌ١ في بيانِ الحقوقِ٢ المتعلقة بالتركة٣
أكثرُ ما يتعلقُ بتركةِ الميت خمسةُ أنواعٍ من الحقوق٤؛ للاستقراء من موارد الشريعة٥.
_________________
(١) ١ هذا هو الفصل الأول ويرجع فيه إلى التلخيص في الفرائض ١/٥٥ والمهذب ٢/٣٠، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٥/٣، والعزيز شرح الوجيز ٦/٤٤٤، وروضة الظالمين ٦/٣، وإخلاص الناوي ٢/٤٩٥، ومغني المحتاج ٣/٣، وفتح القريب المجيب ١/٧، والتحفة الخيرية على الفوائد الشنشورية٤٥. ٢ الحقوق: جمع حق، وهو لغة: خلاف الباطل. والحق مصدر حق الشيء يحق إذا ثبت ووجب. ويطلق على المال، والملك، والموجود الثابت الذي لا يسوغ إنكاره، والنصيب، والواجب، واليقين. (لسان العرب ١٠/٤٩، ومفردات ألفاظ القرآن، مادة حق ٢٤٦) . وفي الاصطلاح له معنيان: الأول: الحق المطابق للواقع، ويقابله الباطل. والآخر: بمعنى الواجب الثابت. وهو قسمان: حق لله، وحق للعباد. (التعريفات ٩٤، والنهاية وغريب الحديث والأثر ١/٤١٣، وأنيس الفقهاء ٢١٦) . ٣ التركة بفتح التاء، وكسر الراء، أو بكسر التاء، وسكون الراء لغة: مصدر بمعنى اسم المفعول، أي المتروك. وتركة الميت: ما يتركه من التراث المتروك. والجمع تركات (لسان العرب، مادة ترك ١٠/٤٠٥هـ، والمعجم الوسيط ١/٨٤) . وفي الاصطلاح: اختلف الفقهاء في تعريفها؛ فذهب جمهور الفقهاء -المالكية، والشافعية، والحنابلة -إلى أن التركة: كل ما يخلفه الميت من الأموال، والحقوق الثابتة مطلقًا. (حاشية الدسوقي ٤/٤٥٦، ومغني المحتاج ٣/٣، وكشاد القناع ٤/٤٠٢) . وذهب الحنفية إلى أن التركة: ما يتركه الميت من الأموال صافيًا عن تعلق حق الغير بعينه. (بدائع الصنائع ٧/٣٨٦، ورد المحتار ٦/٧٥٩) . ومن خلال التعريفات يتميز أن التركة عند الجمهور تشمل الحقوق مطلقًا كالمنافع ونحوها. بينما الحنفية يحصرون التركة في المال، أو الحق الذي له صلة بالمال فقط. ٤ ينظر: العزيز شرح الوجيز ٦/٤٤٤، ومختصر ابن المجدي ح٥. ٥ هذا على رأي الشافعية، وإلا فقد اختلف الفقهاء في عد الحقوق المتعلقة بالتركة على قولين:=
[ ١ / ٧٨ ]
مرتبة [بتقديم] ١ بعضها على بعض شرعًا.
النوعُ الأولُ من الخمسة: الحقوقُ المتعلقةُ بعينِ التركة٢ فتقدَّم على مؤن التجهيز، [وسائر] ٣ الحقوق كما تُقدَّم على حاجته في حياته٤، وهي صُورٌ
_________________
(١) =الأول: قول لبعض الحنفية، والمالكية، والشافعية أن الحقوق االمتعلقة بالتركة خمسة، وهي: الديون العينية، والتجهيز، والديون المطلقة، والوصايا،: وحق الورثة. (رد المحتار ٦/٧٥٧، وحاشية الدسوقي ٤/٤٥٧، ومغني المحتاج ٣/٣)، القول الآخر: قول جمهور الحنفية، والحنابلة، والظاهرية: أن الحقوق المتعلقة بالتركة أربعة، وهي: التجهيز، وقضاء الدين، وتنفيذ الوصايا، وحق الورثة. (شرح السراجية ٢٩، وكشاف القناع، ٤/٤٠٣، والمحلى ٨/٢٦٣) . وهذا الحصر، والاختلاف فيه استقرائي- كما ذكر المصحف- بحيث إن الفقهاء تتبعوا الحقوق المتعلقة بالتركة فلم يجدوا أكثر من هذه الخمسة، وليس الحصر عقليًا، لأن العقل يجيز أكثر من دلك. (حاشية الدسوقي ٤/٤٥٧) . ١ في (د): يتقدم. ٢ هذا هو الحق الأول عند الحنفية، والمالكية، والشافعية؛ وعللوا ذلك بأن هذه الحقوق تعلقت بالمال قبل صيرورته تركة؛ فقدمت على التكفين. أما الحنابلة فقدموا مؤن تجهيز الميت من كفن، وأجرة تغسيل، وحفر، ودفن، ونحوه؛ وذلك لأن نفقة المفلس، ولباسه مقدم على قضاء ديونه، فلا يقضى دينه إلاّ بما فضل عن حاجته؛ فكذلك كفن الميت. (حاشية ابن عابدين ٦/٧٥٩، وحاشية الدسوقي ٤/٤٥٧، وروضة الطالين ٦/٣، وكتاب الهداية لأبي الخطاب الكلوذاني ٢/١٦٢، والإنصاف ٢/٥٠٦، وكشاف القناع ٤/٤٠٣) . ٣ في (ب)، (د): وعلى سائر. ٤ يراجع: المهذب ٢/٣٠، والكفاية في الفرائض خ٢، والشرح الصغير للوجيز خ١٤٦، وروضة الطالبين ٦/٣، وشرح الحاوي للقونوي خ٢١٣، وتدريب البلقيني خ٨٦، والنجم الوهاج خ٣/١١٣، ومختصر ابن المجدي خ٥.
[ ١ / ٧٩ ]
كثيرة؛ فلأجل ذلك جمعها، وأشار إليها بكاف التشبيه١ فقال: كالمرهون٢، وصورته: أن تكون التركة عينًا مرهونة بدين٣ على الميت، فيُقضى منها دينه مقدمًا على الكفن، وسائر الحقوق.
وكالعبدِ الجاني المتعلق برقبته مالٌ عوضًا عن جناية جناها٤، كما إذا قتل نفسًا، أو قَطَع طرفًا، خطأً، أو شبهَ عمد، أو عمدًا لا قصاص فيه، أو فيه قصاصٌ ولكن عفا مستحق القصاص على مال. أو أتلف مالَ إنسانٍ بغير
_________________
(١) ١ أي أن ما ذكره المصنف من الصور على سبيل التمثيل، لا الحصر. ٢ الرهن لغة: الثبوت، والدوام، يقال: ماء راهن، أي راكد، ودائم. ويأتي بمعنى الحبس، ومنه قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ﴾ [المدثر:٣٨]، (لسان العرب ١٣/١٨٩) واصطلاحًا: عرفه الحنفية لأنه: حبس شيء مالي بحق يمكن استيفاؤه منه. (رد المحتار ٦/٤٧٨) وعرفه المالكية بأنه: مال قبضه توثق به في دين. (حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ٢/٤٠٩) . وعرفه الشافعية بأنه: جعل عين مال وثيقة بدين يستوفى منها عند تعذر استيفائه ممن عليه. (تحرير ألفاظ التنبيه ١٩٣، ومغني المحتاج ١٢/١٢١)، وعرفه الحنابلة بأنه: المال الذب يجعل وثيقة بالدير ليستوفى من ثمنه إن تعذر استيفاؤه. (المطلع على أبواب المقنع ٢٤٧) . والرهن مشروع بالكتاب، والسمة، والإجماع. (الإشراف على مذاهب أهل العلم ٢/٢١) . ٣ الدين لغة: القرض، وثمن البيع، وكل شيء غير حاضر. وجمعه: ديون، وأديُن. (لسان العرب ١٣/١٦٦) . ٤ الجناية لغة: اسم لما يكتسب من الشر، وهي الذنب، والجرم، وما يفعله الإنسان مما يوجب عليه العقاب، أو القصاص في الدنيا والآخرة. مأخوذة من جني الثمر وهو: أخذه، وتناوله من شجره (لسان العرب ١٤/١٥٤) . واصطلاحًا: كل فعل محظور يتضمن ضررًا على النفس، أو غيرها. فهي عامة في كل محرم أوقعه الإنسان، سواء بالفعل أو الترك، لكن أكثر الفقهاء تعارفوا على إطلاق لفظ الجناية على الأفعال الواقعة على الإنسان نفسه أو أطرافه. (التعريفات ٨٣، والمغني مع الشرح ٩/٣١٩) .
[ ١ / ٨٠ ]
تسليط فإنه يُقدَّم حقُ المجني عليه في جميع هذه الصور على مؤن التجهيز، وغيرها من الديون المرسلة في الذمة، والوصايا١.
فلوا اجتمع رهنُ، وجناية فذم المجني عليه على المرتهن؛ لانحصار حقه في عين الجاني.
وكالشيء المبيعِ إذا مات المشتري مفلسًا وكان قد اشتراه بثمن في ذمته، ولم يؤده، ووجد البائع المبيعَ فله الفسخ٢، وأخذُ المبيع، [ويقدّم] ٣. به
_________________
(١) ١ الوصايا: جمع وصية، وهي لغة: الإيصاء، من وصى الشيء بكذا أي وصله به؛ لأن الموصي وصل خير دنياه بخير عقباه. وتأتي. مم! ى الأمر (لسان العرب ١٥/٣٩٥) . وفي الاصطلاح: عرفها الحنفية بأنها: تمليك مضاف إلى ما بعد الموت. (رد المحتار ٦/٦٤٨) وعرفها المالكية بأنها: عقد يوجب حقًا في ثلث عاقده يلزم بموته، أو نيابة عنه بعده. (حدود ابن عرفة مع شرح الرصاع ٢/٦٨١) . وعرفها الشافعية بأنها: تبرع بحق مضاف- ولو تقديرًا- لما بعد الموت. (مغني المحتاج ٣/٩٣) . وعرفها الحنابلة بأنها: الأمر بالتصرف بعد الموت، وقالوا الوصية بالمال هي التبرع به بعد الموت. (كشاف القناع ٤/٣٣٥) وهي مشروعة بالكتاب، والسنة، والإجماع. وقد أجمع العلماء على عدم وجوبها لمن ليست عنده أمانة يجب عليه الخروج منها، ولا عليه دين لا يعلم به من هو له، وليست عنده وديعة بغير إشهاد. وأجمعوا على أنها تجب على من تعلقت ذمته بهذه الأشياء، أو بأحدها. (الإفصاح عن معاني الصحاح ٢/٧٠) . ٢ الفسخ لغة: النقض، يقال: فسخ الشيء يفسخه فانفسخ: نقضه فانتقض. واصطلاحًا: حل ارتباط العقد يقال فسخت البيع بين البيِّعين فانفسخ أي نقضته فانتقض. (لسان العرب ٣/٤٥، وطلبة الطلبة ١١٢، والأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٣٨، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير ٤٧٢) . ٣ في (ب): وتقدم.
[ ١ / ٨١ ]
بشرط ألاّ يتعلق به حقٌّ لازم١ كما إذا كان المبيع عبدًا وكاتبه٢ المشتري قبل موته٣ ثم بعد الحقوق المتعلقة بعين تركة الميت تقدم مؤنُ تجهيزِه٤ من
_________________
(١) ١ اللازم من اللزوم وهو في اللغة معروف كما قال واللسان. والحق اللازم: الثابت والدائم، واللازم من العقود: ما لا يكون لأحد المتعاقدين حق الفسخ دون رضا الآخر، كالبيع والصرف والسلم والحوالة والإجارة والمساقاة. ويقابله غير اللازم ويسمى الجائز وهو ما يكون لأحد المتعاقدين فيه حق الفسخ. والجائز منه ما هو جائز بين الطرفين كالشركة والوكالة والقرض والوصية والعارية والوديعة والجعالة. ومنه ما هو جائز من طرف، لازم للطرف الآخر كالرهن بعد القبض والضمان والكفالة. (لسان العرب ١٢/٥٤١، والأشباه والنظائر لابن نجيم ٣٣٨ وبدائع الصنائع ٤/٢٢٢، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير ٥٥٢ والأشباه والنظائر للسيوطي ٣١٣، والقواعد لابن رجب ١١٥) . ٢ الكتابة لغة: اسم مصدر بمعنى المكاتبة من الكتب وهو: الجمع؛ لأنها تجمع نجومًا. (معجم مقاييس اللغة ٥/١٥٨) . وفي الإصلاح: عرفها الحنفية بأنها: تحرير المملوك يدًا حالًا، ورقبة مآلًا. (الدر المختار ٦/٩٨) . وعرفها المالكية بأنها: عتق على مال مؤجل من العبد موقوف على أدائه. (حدود ابن عرفة بشرح الرصاع ٢/٦٧٦) . وعرفها الشافعية بأنها عتق على مال منجم إلى أوقات معلومة يحل كل نجم لوقته المعلوم. (الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ٢٧٥) . وعرفها الحنابلة بأنها: بيع العبد نفسه بمال في ذمته بعوض مباح معلوم مؤجل (الإنصاف ٧/٤٤٦)، وهي مشروعة بالكتاب، والسنة، والإجماع. ومستحبة للعبد الذي له كسب. (الإفصاح عن معاني الصحاح ٢/٣٧٤) . ٣ فإذا كاتبه المشتري قبل موته ثم مات فليس لبائع العبد الرجوع، حتى ولو مات المشتري مفلسًا، مع أن العبد عين ماله؛ لأنه تعلق به حق لازم وهو الكتابة، فلا يملك أخذه. ٤ هذا هو الحق الثاني من الحقوق المتعلقة بتركة الميت عند الحنفية، والمالكية، والشافعية. أما الحنابلة فقد جعلوه الحق الأول- كما تقدم ص ٧٩- ودليل تقديمه على الإرث: ما جاء في قصة مقتل مصعب بن عمير -﵁- يوم أُحد، وليس له إلاّ نمرة- بردة من صوف تلبسها الأعراب (مختار الصحاح ٦٨٠، والنظم المستعذب ٢/١١٨) - قال خباب=
[ ١ / ٨٢ ]
كفن، وحَنُوط١ وأُجرةِ تغسيل، وحفر، ودفن، ونحوها على الديون المرسلة في الذمة بالمعروف٢ لا بإسراف، ولا [بتقتير] ٣ على حسب يسار الميت، وإعساره. ولا اعتبار بلباسه في حياته إسرافًا وتقتيرًا٤.
_________________
(١) =ابن الأرت﵁- كما إذا غطينا بها رأسه خرجت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه خرج رأسه، فقال ﷺ: "غطوا بها رأسه واجعلوا على رجليه من الإِذْخر" رواه البخاري في كتاب المغازي، باب من قتل من المسلمين يوم أحد ٥/٤٧ (٤٠٨٢) وأبو داود في كتاب الوصايا، باب الدليل على أن الكفن من جميع المال ٣/١١٦ (٢٨٧٦) . ولأن الميراث إنما انتقل إلى الورثة لأنه استغنى عنه الميت، وفضل عن حاجته والكفن ومؤونة التجهيز لا يستغنى عنه فقدم على الإرث. ويعتبر ذلك من رأس المال؛ لأنه حق واجب كالدين. (حاشية الدسوقي ٤/٤٥٨، والمهذب ٢/٣٠) . وقد روى أبو داود في كتاب الجنائز، باب المحرم يموت كيف يصنع به ٣/٢١٩ (٣٢٣٨) عن الإمام أحمد﵀- أن الكفن من جميع المال. وبوب له البخاري﵀- في صحيحه فقال: باب الكفن من جميع المال، وبه قال عطاء والزهري، وعمرو بن دينار، وقتادة. وقال عمرو بن دينار: الحنوط من جميع المال. وقال إبراهيم: يبدأ بالكفن، ثم بالدين، ثم بالوصية. أ- هـ. (صحيح البخاري ١/٣٨٧) . ١ الحنوط، ويقال: الحناط: أنواع من الطيب تخلط للميت خاصة، ويطيب بها في مرافقه، وبطنه، ومنافذ وجهه، ومواضع سجوده، ومقابضه. (لسان العرب ٧/٢٧٨، وتحرير ألفاظ التنبيه ٩٦، والمطلع على أبواب المقنع ١١٧) . ٢ يراجع: المهذب ٢/٣٠، والتهذيب في فقه الإماء الشافعي ٥/٣، والكفاية في الفرائض خ٢، والمحرر في فقه الشافعية خ١١٥، والشرح الصغير للوجيز خ١٤٧، وروضة الطالبين ٦/٣، وشرح الحاوي للقونوي خ٣/٢٣، وتدريب البلقيني خ٨٩، والنجم الوهاج خ٣/١١٣، ومختصر ابن المجدي خ٥. ٣ في (ب)، (ج)، (د): تقتير. ٤ النجم الوهاج خ٣/١١٣.
[ ١ / ٨٣ ]
ووجوب تقديم مؤن التجهيز على الديون [المرسلة] ١ لقوله [﵊] ٢ في المحرِم الذي وقصته ناقته: "كفّنوه في [ثوبيه] ٣". متفق عليه٤.
ولم يستفصل ﷺ هل عليه دينٌ، أم لا؟
ولأن الحيَّ إذا أفلس يترك له دَسْتُ٥ [ثياب] ٦ يليق به، وقوتُ يوم القسمة له، ولمن تلزمه نفقته [فالميت] ٧ أولى أن يقدم بما يحتاج إليه في ستره، ومواراته.
وتُستثنى الزوجةُ/ [٦٢/٢ أ] فعلى الزوج تكفينُها٨ وإن كانت موسرةً -في الأصحّ-٩، لأن عليه نفقَتها في حياتها، فأشبهتِ القريبَ،
_________________
(١) ١ سقطت من: (د) . ٢ في (د): ﷺ. ٣ في (د): ثوبه. ٤ أحرجه البخاري عن ابن عباس﵁- في كتاب الجنائز، باب كيف يكفن المحرم ٢/٣٨٥ (١٢٦٦)، ومسلم عنه أيضًا في كتاب الحج، باب ما يفعل بالمحرم إذا مات ٢/٨٦٥ (١٢٠٦) . ٥ الدَّسْت: اللباس، وهو ما يلبسه الإنسان ويكفيه لتردده في حوائجه. (المعجم الوسيط، باب الدال ١/٢٨٢، ومعجم متن اللغة، باب الدال ٢/٤٠٨، والهادي إلى لغة العرب ٢/٣٣) . ٦ في (د): ثوب. ٧ في (د): والميت. ٨ يراجع: تدريب البلقيني خ٨٩، والنجم الوهاج خ٣/١١٣، وشرح أرجوزة الكفاية لابن الهائم خ٩، ومختصر ابن المجدي خ٥. ٩ عند الشافعية، وهو قول أبي يوسف من الحنفية، ورواية عن مالك. ودليلهم: أن كفن=
[ ١ / ٨٤ ]
والعبد. فلو كانت ناشزًا، أو كان الزوج مفلسًا فتكفينها في مالها؛ فلا تستثنى.
وكثيرًا ما يعبِّر العلماء عن مؤن التجهيز كلّها بالتكفين كما فعل المصنف١، لأن الشيء قد يُسمَّى باسم جزئه المقصود، أو باسم جزئه الأعظم، كما يقال: الحجُ عرفة [قال البخاري] ٢: قال سفيان: أجر القبر، والغسل هو من الكفن٣.
_________________
(١) =الزوجة، وما يلحق به يشبه كسوتها، ونفقتها في حال حياتها فوجب عليه كما وجبت عليه النفقة مع يسرها؛ لأن الزوجية باقية حيت بعد الوفاة؛ لبقاء آثارها كالمحرمية، وثُبوت النسب. وذهب محمد بن الحسن من الحنفية، والحنابلة، والمالكية في المشهور، وقول للشافعي إلى أن تجهيز الزوجة لا يحب على زوجها حال حياته، ولا في تركته بعد مماته، سواء كانت موسرة، أو معسرة. ودليلهم: أن الزوجية التي هي سبب النفقة، والكسوة قد انقطعت بالموت فصار كالأجنبي. (بدائع الصنائع ١/٣٠٨، وشرح السراجية ٢٩، وعقد الجواهر الثمينة ١/٢٦٠، وكتاب التدريب للبلقيني خ٨٩، والنجم الوهاج للدميري خ٣/١١٢، ومغني المحتاج ٣/٣، والإفصاح عن معاني الصحاح ١/١٨٥، والإنصاف ٢/٥١٠) . ١ لكنّ المصنف -﵀- عبّر بمؤن التجهيز. ٢ في (د): وفي البخاري. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الجنائز، باب الكفن من جميع المال ١/٣٨٧. ومعنى قوله: (من الكفن) أي في أنه من رأس المال. (فتح الباري ٣/١٦٩) . وسفيان هو: أبو عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري، ثقة، حافظ، بارع في الفقه، والحديث، والزهد، وقول الحق، ولد بالكوفة سنة ٩٧هـ، وتوفي بالبصرة سنة ١٦١هـ. (تهذيب الأسماء واللغات ١/٢٢٢، والتقريب ٢٤٤، وشذرات الذهب ٢/٢٧٤) .
[ ١ / ٨٥ ]
ثم بعد مؤن التجهيز يقدم الدينُ المطلقُ١ على الوصية، والإرث٢.
والمطلق هو: المرسل في الذمة، الذي لم يتعلق بعين، سواء كان لآدمي٣، أو لله تعالى٤، من زكاة تجارة، أو نذر٥، أو
_________________
(١) ١ يراجع المهذب ٢/٣٠، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٥/٤، والكفاية في الفرائض خ٢، والمحرر في فقه الشافعية خ١١٠، والشرح الصغير للوجيز خ١٤٧، وروضة الطالبين ٦/٣، وشرح الحاوي للقونوي خ٣/٢، وتدريب البلقيني خ٨٩، والنجم الوهاج خ//١١٣، ومختصر ابن المجدي خ٥. ٢ هذا هو الحق الثالث على ترتيب المصنف، وهو الدين المطلق. ٣ دين الآدمي هو الذي له مطالب من الآدميين، وهو يتعلق بذمة الإنسان حال حياته، وبتركته بعد وفاته، وينقسم إلى قسمين، الأول: ديون عينية كدين البائع عندما يبيع عينًا لشخص، ومات المشتري قبل قبض المبيع، ودفع الثمن، وكدين المرتهن، ونحو ذلك، فالبائع والمرتهن أحق بالمبيع من بقية الغرماء كما تقدم في خلاف الفقهاء في تقديمها على مؤن التجهيز من عدمه ص ٧٩. القسم الآخر: ديون شخصية وهي التي تعلقت بذمة المدين، لا بعين من الأعيان، وتسمى بالديون المرسلة، والمطلقة. (شرح السراجية ٣٣، والمحلى ٨/٢٦٣، والتحفة الخيرية على الفوائد الشنشورية٤٦) . ٤ دين الله هو: حقوقه التي تثبت في الذمة، ولا مطالب لها من العباد كالنذور، والكفارات، والصدقات، والحج، والصوم الذي لم يؤد. (مغني المحتاج ١/٤١١، والمغني ٤/٢٦٨) . ٥ النذر: واحد النذور، يقال: نَذَرْتُ أنذِر، وأنذُر، بكسر الذال، وضمها، وهو لغة: الإيجاب. وشرعًا: إيجاب عين الفعل المباح على نفسه تعظيمًا لله تعالى وعرفه بعضهم بأنه (إيجاد عبادة في الذمة بشرط وبغير شرط) . (لسان العرب ٥/٢٠٠، والتعريفات ٢٦٠، وأنيس الفقهاء ٣٠١، وتحرير ألفاظ التنبيه ١٧٢، والنظم المستعذب ٢/٢٢١، والمطلع ٣٩٢) .
[ ١ / ٨٦ ]
كفارة١، أو حج؛ لأن قضاء الدين واجب، والوصية تبرع؛ فقدِّم عليها٢.
فلو اجتمع دينُّ لله تعالى، ودينٌ لآدمي، وضاق المتروكُ عنهما قُدِّم حق الله تعالى٣؛ لقوله ﵊: "فدينُ الله أحقُ
_________________
(١) ١ الكفارة لغة من الكَفْر بفتح الكاف، وهو الستر؛ لأنها تستر الذنب وتذهبه، ثم استعملت فيما وجد فيه صورة مخالفة، أو انتهاك، وإن لم يكن فيه إثم كالقاتل خطأ وغيره. وهي ما كفر به من صدقة، أو صوم أو نحو ذلك. (لسان العرب ٥/١٤٨، وتحرير ألفاظ التنبيه ١٢٥، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير ٥٣٥) . ٢ الدين مقدم على الوصية لما جاء في حديث علي -﵁- " أن النبي ﷺ بدأ بالدين قبل الوصية". ذكره البخاري في صحيحه، كتاب الوصايا، (باب٩، ٣/٢٥٧) تعليقًا بصيغة التمريض. وأخرجه عن علي الترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء يبدأ بالدين قبل الوصية ٦/٢٩٨ (٢١٢٣) وقال: والعمل على هذا عند عامة أهل العلم أنه يبدأ بالدين قبل الوصية أ-هـ. وابن ماجه في كتاب الوصايا، باب الدين قبل الوصية ٢/٩٠٦ (٢٧١٥)، والإمام أحمد في المسند، من مسند علي بن أبي طالب ١/٩٧، وحسنه الألباني في الإرواء ٦/١٠٧. قال ابن الملقن في تحفة المحتاج ٢/٣١٦: ويعضده الإجماع على مقتضاه أ-هـ. وقد أجمع العلماء على تقديم الدين على الوصية (شرح السراجية ٣٢، وحاشية ابن عابدين ٦/٧٦١، وحاشية الدسوقي ٤/٤٥٨، والأم ٤/١٠٦، والمحلى ٨/٢٦٦، والنجم الوهاج خ١١٢، وشرخ منتهى الإرادات ٢/٥٤٧) . ٣ هذا على رأي الشافعية، والظاهرية الذين يقولون بتقديم ديون الله تعالى على ديون العباد؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ [النساء:١٢]، والدين عام يشمل دين الله ودين العباد، والحديث الذي ذكره المصنف بين أن حق الله أولى بالتقديم. وذهب الحنفية إلى أن ديون الله تعالى تسقط بالموت؛ لها عبادة، أو بمعنى العبادة، والعبادة تسقط بالموت، إلا إذا أوصى بها، أو تبرع الورثة بها من عندهم.=
[ ١ / ٨٧ ]
بالقضاء" متفق عليه١ ثم بعد الديون المرسلة تُقدَّم الوصيةُ للأجنبي٢ على الإرث٣.
_________________
(١) =وذهب المالكية إلى تقديم ديون العباد على ديون الله تعالى؛ لغنى الله تعالى، وفقر العباد، ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة، وحقوق العباد مبنية على المشاحة. وذهب الحنابلة إلى أن ديون الله تعالى، وديون العباد سواء؛ لأن كلمة دين تشمل النوعين، ولا يختص شيء من الديون بالتقديم، إلاّ ما كان متعلقًا بعين المال من ديون الآدميين. (انظر المحلى ٨/٢٦٥، وحاشية ابن عابدين ٦/٧٦٠، وحاشية الدسوقي ٤/٤٥٨، والجامع لأحكام القرآن ٥/٧٤، ومغني المحتاج ٣/٣، وكشاف القناع ٤/٤٠٤. ١ وهذا لفظ مسلم في كتاب الصيام، باب فضل الصيام عن الميت ٢/٨٠٤ (١١٤٨) من حديث ابن عباس. وأخرجه البخاري في كتاب الصيام، باب من مات وعليه صوم ٢/٦٠٣ (١٩٥٣) من حديث ابن عباس أيضًا بلفظ: "فدين الله أحق أن يقضى". ٢ يراجع: المهذب ٢/٣٠، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٥/٤، والكفاية في الفرائض خ٢، والشرح الصغير للوجيز خ١٤٧، والعزيز شرح الوجيز ٦/٤٤٥، والمحرر في فقه الشافعية خ١١٠، وروضة الطالبين ٦/٣، وشرح الحاوي للقونوي خ٣/٢، وتدريب البلقيني خ٨٩، والنجم الوهاج خ٣/١١٣، وشرح الجعبرية لابن المجدي خ٢٢، ومختصر ابن المجدي خ٥. ٣ هذا هو الحق الرابع على ترتيب المصنف وهو: الوصية للأجنبي، فلا تصح لوارث؛ لقوله ﷺ: "إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه؛ فلا وصية لوارث" أخرجه الترمذي في كتاب الوصايا، باب ما جاء لا وصية لوارث ٦/٢٩٤ (٢١٢١) وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود في الوصايا، باب ما جاء في الوصية للوارث ٣/١١٤ (٢٨٦٩)، وابن ماجه في الوصايا، باب لا وصية لوارث ٢/٩٠٥ (٢٧١٣)، والإمام أحمد في المسند، مر مسند أبى أُمامة الباهلي ٥/٢٦٧، وصححه الألباني في الإرواء ٦/٨٧.
[ ١ / ٨٨ ]
وتُصْرَف من ثُلثِ الباقي إجماعًا١؛ لقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ ٢.
فلو كان الدينُ مستغرقًا للتركة تعطلت الوصيةُ٣، إلاّ أن يُبرئَ مستحقُ الدين، أو يتبرع متبرعٌ بقضائه٤.
والمراد [بالأجنبي] ٥: غير الوارث، وإن كان قريبًا ممن لا يرث.
واحترز به عن الوارث فإن الوصية له وإن كانت بأقلَّ متموّل متوقفةٌ على إجازة باقي الورثة٦.
ثم الإرثُ٧ بعد الوصية، وهو آخرُ الأنواع الخمسة.
_________________
(١) ١ راجع: رد المحتار ٦/٧٦١، والقوانين الفقهية ٣٨١، والأم ٤/١٠٦، والإجماع لابن المنذر٨١، والمحرر في الفقه الشافعي خ١١٠، والتدريب للبلقيني خ٨٩، وتلخيص الحبير ٣/٩٥، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢/٧٠، والمغني ٨/٣٩٦. ٢ سورة النساء: ١٢. ٣ لتقديم الدين عليها كما سبق. ٤ النجم الوهاج خ٣/١١٣. ٥ في (د): الأجنبي. ٦ بالإجماع. (راجع: الأم ٤/١٠٦، واختلاف العلماء للمروزي ٢٣٣، والإجماع لابن المنذر٨١، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢/٧٠) . ٧ يراجع: المهذب ٢/٣٠، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٥/٥، والكفاية في الفرائض خ٢، والعزيز شرح الوجيز خ٦/٤٤٥، والمحرر في فقه الشافعية خ١١٠، وروضة الطالبين ٦/٣، وشرح الحاوي للقونوي خ٣/٢، وتدريب البلقيني خ٨٩، وشرح الجعبرية لابن المجدي خ٢٢، ومختصر ابن المجدي خ٥، والإنصاف ٣/٣٦٥.
[ ١ / ٨٩ ]
ولا يمنع الدينُ انتقالَ التركة إلى ملك الوارث١، وإن تعلق الدين بها؛ لأن تعلقه بها لا يزيد على تعلق حق المرتهن٢ بالعين المرهونة، والمجني عليه بالعبد الجاني: [وهو] ٣ لا يمنع الملك٤، فكذلك هذا٥.
ولأنه لو لم [تدخل] ٦ التركة في ملك الورثة للزم أن تكون باقية على ملك الميت؛ لامتناع نقل الملك إلى الغريم، وامتناع أن يكون ملكًا لا مالك له، واللازم باطل؛ لأنها لو كانت باقية على ملك الميت لوجب أن يرثه من زال عنه المانع بعد الموت، وقبل قضاء الدين، كعبد عتق. وألاّ يرثه من مات من [ورثته] ٧ قبل قضاء الدين وهما خلاف الإجماع، كما قاله جماعة٨.
_________________
(١) ١ قال في المهذب ٢/٣٠: وذهب إليه سائر أصحابنا، وهو المذهب أ-هـ. وهو الصحيح من مذهب الحنابلة وانظر: حلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ٦/٢٦١، وروضة الطالبين ٦/٣، وشرح الجعبرية لابن المجدي خ٢١. ٢ المرتهن هو صاحب الرهن، وآخذه، والراهن هو صاحب المال. (طلبة الطلبة ٢٩٨، وتحرير ألفاظ التنبيه ١٩٤) . ٣ في (د) . وكلاهما. ٤ بل يمنع التصرف فقط. ٥ التدريب للبلقيني خ٨٩. ٦ في (ب): يدخل. ٧ في الأصل: ورثه. والمثبت من باقي النسخ. ٨ راجع: حلية العلماء ٦/٢٥٩، والمهذب ٢/٣٠، ومغني المحتاج ٣/٤.
[ ١ / ٩٠ ]
ونَقل كثيرون من المتأخرين عن الإمام أحمد١ أن العبد إذا عتق بعد الموت، وقبل القسمة ورث٢ وكذا إذا أسلم الكافر٣.
وحكاه [عنه أيضًا الرافعي٤ فيهما] ٥.
قال الأَذْرَعِيُّ٦ في القوت٧: والمنقول عن أحمد، وصَرَّح به أصحابُه:
_________________
(١) ١ هو أبو عبد الله أحمد بن محمد الشيباني، ولد ببغداد سنة ١٦٤هـ، إمام المذهب الحنبلي، وأحد الأئمة الأربعة عند أهل السنة والجماعة، حافظ، محدث، فقيه، ورع، زاهد، حجة. مات سنة٢٤١هـ. (التقريب٨٤، وتهذيب الأسماء واللغات ١/١١٠) . ٢ نقله ابن أبي موسى. وخرجه التميمي على الإسلام (الإنصاف ٧/٣٤٩) . ٣ نقله الأثرم، ومحمد بن الحكم. قال في الإنصاف: وهو المذهب. وقال الزركشي: وهو المشهور. (شرح الزركشي على مختصر الخرقي ٤/٥٣٣، والإنصاف ٧/٣٤٨) . ٤ هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم الرافعي، القزويني، الشافعي، أبو القاسم، فقيه، أصولي، محدث، مفسر، مؤرخ. ولد سنة ٥٥٥هـ من مؤلفاته: فتح العزيز على كتاب الوجيز للغزالي، وشرح المحرر، وشرح مسند الشافعي، والترتيب والتدوين وأخبار قزوين. توفي سنة ٦٢٣هـ (تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢٦٤، وشذرات الذهب ٧/١٨٩) . ٥ في (ب)، (د): عنه الرافعي في العبد أيضًا. وقوله فيهما: أي العتق والإسلام. وانظر: العزيز شرح الوجيز للرافعي ٦/٥٠٩. ٦ هو أحمد بن حمدان بن أحمد بن عبد الواحد الأذرعي، الدمشقي، الحلي الشافعي، شهاب الدين أبو العباس، ولد بأذرعات بالشام سنة ٧٠٨هـ من تصانيفه قوت المنهاج، والتوسط والفتح بين الروضة والشرح، وغنية المحتاج ي شرح المنهاج، ومختصر الحاوي الصغير للقزويني، وتعليقات على المهمات على الروضة وكلها في فروع فقه الشافعي. توفي بحلب سنة ٧٨٣هـ (طبقات الشافعية لابن قاضى شهبة ٢/٢٩٢، والنجوم الزاهرة ١١/٢١٦، وشذرات الذهب ٨/٤٧٩) . ٧ قوت المحتاج في شرح المنهاج، في فروع الفقه الشافعي، في عشرة مجلدات - مخطوط-=
[ ١ / ٩١ ]
خلافُه١، قال بعضهم: لا خلاف فيه عنه، وإنما قاله فيمن أسلم قبل القسمة.
انتهى٢.
وكأنَّه [قاله] ٣ ترغيبًا له في الإسلام٤.
وهي أي [التركة] ٥ كالمرهونِ بالدين٦ قليلًا كان الدين، أو كثيرًا -وإن كان الدين مجهول المقدار- مراعاةً لبراءة ذمة الميت. قال عليه
_________________
(١) = (ذكره في كشف الظنون ٢/١٣٦١، ومعجم المؤلفين ١/٨٣٢ وقد اطلعتُ على نسخة ميكروفيلمية منه في جامعة الإمام محمد بن سعود مصورة عن شيستر بتي إلاّ أن فيها نقصًا شمل كتاب الفرائض. ١ نقله أبو طالب فيمن أسلم بعد الموت أنه لا يرث. وهو قول الحنفية، والمالكية، والشافعية. (رد المحتار ٦/٧٦٧، والمهذب ٢/٣١، وروضة الطالبين ٦/٣٠، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢/٩٤، والمغني ٩/١٦٠) . وقال في الإنصاف (٧/٣٤٩) فيمن عتق بعد موت مورثه إنه لا يرث: وهو الصحيح من المذهب، وعليه أكثر الأصحاب أ- هـ. وقال ابن رجب: إذا وجدت الحرية عقيب موت الموروث، أو معه فإنه لا يرث. أ- هـ (القواعد ١/٩٦) . ٢ جاء في المغني ٩/١٦١ ما نصه: ومن كان رقيقًا حين موت مورثه، فأعتق قبل القسمة لم يرث. نص عليه أحمد -﵁- في رواية محمد بن الحكم، وفرق بين الإسلام والعتق، وعلى هذا جمهور الفقهاء من الصحابة ومن بعدهم أ- هـ. ٣ سقطت من: الأصل (ب)، (د) . ٤ شرح الزركشي على مختصر الخرقي ٤/٥٣٥. ٥ سقطت من: (هـ) . ٦ راجع: روضة الطالبين ٤/٨٤، وشرح الحاوي للقونوي خ٣/٢، وتدريب البلقيني خ٨٩.
[ ١ / ٩٢ ]
الصلاة والسلام: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" صححه الحاكم١، وابن حبان٢ ٣.
وتصرُّفُ الوارث فيها بإزالة ملكه عنها ببيع، أو هبة، أو نحوهما بغير إذن صاحبه أي صاحب الدين تصرف باطلٌ سواء عَلم الوارثُ به أي بالدين، أو جَهل كالتصرف في المرهون بغير إذن المرتهن.
_________________
(١) ١ هو محمد بن عبد الله بن محمد بن حمدويه الضبي، النيسابوري الحاكم، الشافعي، أبو عبد الله، محدث، حافظ، مؤرخ ولد بنيسابور سنة ٣٢١هـ ورحل في طلب الحديث، وسمع على أكثر من ألفي شيخ. توفي بنيسابور سنة ٤٠٥هـ ومن تصانيفه: المستدرك على الصحيحين، وتاريخ نيسابور، وتراجم الشيوخ، ومعرفة علوم الحديث، وغيرها. (النجوم الزاهرة ٤/٢٣٨، وشذرات الذهب ٥/٣٣، ومعجم المؤلفين ٣/٤٥٤) . ٢ هو محمد بن حبان بن أحمد بن حبان التميمي، البُسْتي، الشافعي، أبو حاتم، محدث، حافظ، مؤرخ، فقيه، لغوي، واعظ، ولد في بست من بلاد سجستان سنة ٢٧٠هـ وفقّه الناس بسمرقند، وولي قضاءها، وتوفي في بُسْت سنة ٣٥٤هـ ومن تصانيفه كتاب الصحيح، وروضة العقلاء ونزهة الفضلاء، والثقات، وغيرها. (النجوم الزاهرة ٣/٣٤٢، وشذرات الذهب ٤/٢٨٥، والأعلام ٦/ ٧٨) . ٣ أخرجه من حديث أبي هريرة﵁- الحاكم في المستدرك، كتاب البيوع ٦/٢٦ وصححه ووافقه الذهبي، وابن حبان في صحيحه كتاب الجنائز، فصل في الصلاة على الجنازة، باب ذكر العلة التي لأجلها كان لا يصلي النبي على من عليه دين إذا مات. وقال: إسناده صحيح على شرط الشيخين. (الإحسان في تقريب صحيح ابن حبان ٧/٣٣١ برقم٣٠٦١)، والترمذي في كتاب الجنائز، باب ما جاء عن النبي ﷺ أنه قال: "نفس المؤمن معلقة بدينه حتى يقضى عنه" ٤/٣٢ (١٠٧٩) وقال: حديث حسن. وابن ماجه في كتاب الصدقات، باب التشديد في الدين ٢/٨٠٦ (٢٤١٣)، والدارمي في البيوع، باب ما جاء في التشديد في الدين ٢/٣٤٠ (٢٥٩١)، وأحمد في المسند، من مسند أبي هريرة﵁- ٢/٤٤٠، وصححه الألباني في صحيح الجامع الصغير وزيادته ٢/١١٤٧.
[ ١ / ٩٣ ]
فإن تصرَّف الوارثُ في التركة ببيع، أو غيره، ولم يكن دين ثم حدث بعد التصرفِ دينٌ كالردِّ بعيب في المبيع، أو بخيار١ [ونحوه] ٢، أو حفر بئرًا عدوانًا ثم مات، وتصرف وارثه في تركته، ثم تردّى بالبئر، / [٦٢/٢ب] إنسان فمات لم يبطل تصرُّفه؛ لأنه كان سائغًا له شرعًا. ويلزم الوارث أقل الأمرين: من الدين، ومن قدر التركة. لكن إن منع تصرُّفهُ الأداء بأن لم يبق من التركة ما يقضى منه الدين، ولم يقضه الوارث، ولا تبرع أجنبيٌّ، ولا المستحق فُسخِ تصرفه؛ ليصل الحق إلى مستحقه. وللوارثِ إمساكُ التركة، وقضاءُ الدين من غيرها٣ كما أنه لصاحب الرهن إمساكه، وقضاء الدين من غيره٤.
ولا يتعلق الدينُ بزائد حادث بعد الموت٥ كما لو أثمرت الشجرة، أو حملت البهيمة، أو اكتسب العبد؛ لأن الزوائد تبع للملك، وقد انتقل للوارث بالموت. فلو لم تكن الزوائد حادثة بعد الموت، بل قبله، كما إذا برزت الثمرة، أو حملت الدابة قبل الموت فإنهما تركة تبعًا لملك الأصل.
_________________
(١) ١ الخيار: اسم مصدر من اختار يختار اختيارًا، وهو طلب خير الأمرين من إمضاء البيع، وفسخه. والخيار أنواع كثيرة، كخيار المجلس، وخيار الشرط، وخيار العيب، وخيار الرؤية، وغيرها. (لسان العرب ٤/٦٧، ومغني المحتاج ٢/٤٢، والمطلع على أبواب المقنع ٢٣٤) . ٢ في (هـ): أو نحوه. ٣ راجع: تدريب البلقيني خ٨٩، والنجم الوهاج خ٣/١١٣. ٤ لأن المقصود وصول الحق إلى مستحقه، وإبراء الذمة، سواء من التركة، أو من غيرها. ٥ قال البلقيني -﵀-: على الأصح أ-هـ. راجع التدريب خ٨٩، والمهذب ٢/٣٠.
[ ١ / ٩٤ ]