فصلٌ١
في بيانِ عدمِ تأثير سببِ الإرث وشرطِه عند وجود المانع
الإرث قد ينتفي لوجود مانعه من قتلٍ، أو رقٍ، أو دورٍ، أو ردَّةٍ، أو اختلافِ دين، أو اختلاف ذمة وحرابة بعد تحقق سببه، وشروطه وإنما أفرد السبب، وجع [الشرط] ٢، لأنه يكفي في الإرث سبب واحد، ولا يكفي شرط واحد، بل لابد من اجتماع الشروط كلها. وقد ينتفي لانتفاء سببه، أو شروطه.
وكان الأحسن أن يقول: لانتفاء أسبابه، أو شرطه، فيجمع السبب، ويفرد الشرط؛ لأنه لا يكفي في انتفاء الإرث انتفاء سبب واحد، بل لابدّ من انتفاء جميع الأسباب.
ويكفي في انتفاء الإرث انتفاء شرط واحد، ولا يتوقف على انتفاء الشروط كلها ويوجد في بعض النسخ المعتمدة: لانتفاء سببه، أو شرطه. بإفراد الشرط أيضًا، وهو حسن.
ولمّا كان انتفاء السبب، وانتفاء الشرط، ووجود المانع مشتركة في اقتضائها انتفاء الميراث؛ تجوَّز بعضهم في عَدِّها موانع٣ يعني في عَدّ أكثرها؛ لأنّا لا نعلم أحدًا عَدّ عدم كل واحد من الأسباب والشروط مانعًا.
_________________
(١) ١ هذا هو الفصل التاسع عشر. ٢ في (هـ): الشروط. ٣ وقد تقدم ذكرهم في فصل موانع الإرث ص٢٢١.
[ ١ / ٢٥٢ ]
وقوله: بعضهم [أي] ١ بعض العلماء، وهم كثيرون من الفقهاء، والفرضيين، بل هم الأكثرون ومنهم الغزالي٢.
وقد أشار إلى ذلك المصنِّفُ بقوله ت: كعَدِّة أي بعضِ العلماء اللعانَ مانعًا، وهو قاطع [النسب] ٣.
[فالمنفي] ٤ باللعان لا يرث؛ لأن اللعان قطع النسب الذي هو السبب، وليس بمانع؛ لأن المانع لابدّ أن يجامع السبب كما ذكره ابن الصَّلاح٥، والرافعي، والنووي٦؛ معترضين على الغزالي في عَدِّه اللعان مانعًا٧.
قال الرافعي: وهو تساهل٨.
_________________
(١) ١ سقطت من (د) . ٢ كما في الوسيط خ ١٩٣. ٣ في باقي النسخ: للنسب، والمعنى واحد. ٤ في (ج): فالمنتفي. ٥ هو شيخ الإسلام، تقي الدين، أبو عمرو، عثمان بن عبد الرحمن بن موسى الكردي، الشهرزوري، الموصلي، الشافعي، ولد سنة ٥٧٧هـ، وتفقه، وبرع في المذهب وأصوله، وفي الحديث وعلومه، وصنف التصانيف مع الثقة والديانة والجلالة، ومن تصانيفه: علوم الحديث، وطبقات الفقهاء، وأدب المفتي، وشرح مشكل الوسيط، والفتاوى، توفي﵀- ٦٤٣هـ بدمشق. (طبقات الشافعية للسبكي ٨/٣٢٦، والعبر في خبر من غبر ٣/٢٤٦، والنجوم الزاهرة ٦/٣٥٤) . ٦ راجع: العزيز شرح الوجيز ٦/٥٢٠، وروضة الطالبين ٦/٤٣، وشرح أرجوزة الكفاية خ٦٦. ٧ كما في الوسيط خ١٩٣، والوجيز ١/٢٦٧. ٨ العزيز شرح الوجيز ٦/٥٢٠.
[ ١ / ٢٥٣ ]
وأكثر الأصحاب لا يعدونه مانعًا؛ لأنهم يعنون بالمانع ما يُجامعُ سببَ الإرث من نسبٍ، وغيره١.
فاللعان بهذا التفسير مانع [السبب] ٢، لا مانع الإرث.
وكعدِّ بعضِهم٣ في الموانعِ استبهام تاريخ الموت كما لو مات الأخوان، أو الزوجان بغرقٍ، أو هدمٍ ولم [نعلم] ٤ [هل ماتا معًا، أو مرتبًا] ٥، أو علمنا ترتيب موتهما، ولكن لا نعلم عين السابق منهما؛ فلا يرث واحد منهما صاحبه.
وهو في الحقيقة مانع من الحكم بالإرث، فجعله إمامنا الشافعي، والرافعي، والنووي، والجَعْبَري، والأكثرون مانعًا، من الإرث٦ والإرث فيه منتفٍ، لانتفاء شرطه الذي هو [تحقق] ٧ وجود الوارث حيًّا عند موت الموروث، لا لوجود/ [٧٧/١٧أ] [مانعه] ٨.
_________________
(١) ١ راجع العزيز شرح الوجيز ٦/٥٢٠. ٢ في (ب): للسبب. ٣ كالبغوي في شرح السنة ٨/٣٦٨، والجعبري في نظم اللآلئ خ٢، وابن المجدي في مختصره خ٦. ٤ في (د)، (هـ): يعلم. ٥ في (د) أماتا معًا، أم مرتبًا. ٦ راجع: مختصر المزني مع الأم ٨/٢٣٨، ومعرفة السنن والآثار ٩/١٠٨، والعزيز شرح الوجيز ٦/٨٣٣، وروضة الطالبين ٦/٣٢، ونظم اللآلئ خ٢. ٧ في (د): تحقيق. ٨ في (د): مانع.
[ ١ / ٢٥٤ ]
وعكسُ ذلك يعني عكس عد١ انتفاء الشرط مانعًا، وهو عدُّ انتفاء المانع شرطًا: عدُّ بعضهم في شروط الإرث التوافق في الدين كما قال الكلائي٢ في شرح فارقيَّته لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم؛ لأن من شروط الإرث التوافق في الدين، والحرية، وألا يكون بينهما قتل٣.
فجعلها شروطًا وهو خلاف المشهور لكن المعنى صحيح، وإن خالف اصطلاح الجمهور.
وفي الفَرق بين عدم الشرط، ووجود المانع عُسْرٌ من جهة المعنى وإن اتحد تأثيرهما، وقلنا الشرط يدلُّ بعدمه، والمانع يدلُّ بوجوده على عدم الإرث؛ لأن هذا الفرق من جهة الاصطلاح، لا من جهة المعنى.
_________________
(١) ١ في الأصل، (هـ) جاءت لفظة «عدم» بعد قوله «عدّ» والصحيح سقوطها كما في (ب)، (ج)، (د) . ٢ هو محمد بن شرف بن عادي الزَّبيري الكلائي- نسبة إلى قرية كلا بمصر- الشافعي، شمس الدين، أبو عبد الله، كان فاضلًا في القراءات، والنحو، ولم يكن في عصره مثله في الفرائض، وله فيها مصنفات منها: القواعد الكبرى في الفرائض على المذاهب الأربعة، والمجموع في علم الفرائض، توفى -﵀- في القاهرة سنة ٧٧٧هـ رقد قارب السبعين. (طبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ٢/٢٧٦، والدرر الكامنة ٣/٤٥٢،، ومعجم البلدان ٤/٥٣٦، ومعجم المؤلفين ٣/٣٤٢) . ٣ المجموع في علم الفرائض للكلائي خ٤.
[ ١ / ٢٥٥ ]
وهذا العسر يزول بإمعان النظر الصحيح. [كذا] ١ قاله في شرح أرجوزته٢.
ويقع للفقهاء التجوز في عدّ عدم المانع شرطًا في كثير من مسائل الفقه، نظرًا إلى المعنى. وإن كان الأصوليون لا [يتجوزون] ٣ نظرًا إلى الاصطلاح.
_________________
(١) ١ في (ب)، (ج)، (هـ): كما. ٢ شرح أرجوزة الكفاية خ٦٨. ٣ في ج: يتجوزوه.
[ ١ / ٢٥٦ ]