فصلٌ١
في ذكر أقسام من قام به سبب الإرث من الناس بحسب الإرث، وعدمه
الناس في الإرث على أربعة أقسام:
من يرث ويورث، وعكسه من لا يرث، ولا يورث.
ومن يورث ولا يرث، وعكسه من يرث، ولا يورث.
والقسم الأوَّلُ كثيرٌ [كالأخوين] ٢، وابني العم، والزوجين، والأبوين مع الأولاد؛ فإنهم يتوارثون.
والقسم الثاني كالرقيق، والمرتد فإنهما لا يرثان، ولا يورثان -كما تقدم- إلا ما سبق استثناؤه من إرث ما وجب للمرتد [من] ٣ قصاص الطرف، والجرح، وما خرَّجه شيخه من حد القذف٤.
_________________
(١) ١ هذا هو الفصل الثامن عشر، ويرجع فيه إلى: النجم الوهاج خ ٣/١٣٣، ومغني المحتاج ٣/٢٦، وفتح القريب المجيب ١/٣٢. ٢ في (د): الإخوة. ٣ في (د) . في. ٤ راجع ص ٢٣٨.
[ ١ / ٢٤٧ ]
وقوله: "كالرقيق، والمرتد" يقتضي أن هذا القسم لا ينحصر فيهما، وكأنه يريد الزنديق١؛ فإن حكمه حكم المرتد على الأصح٢.
وكذا اليهودي إذا تنصّر، والنصراني إذا تهوَّد، ونحوهما.
فإن من انتقل إلى دين لا يُقَرُّ عليه لا يقبل منه غير الإسلام، فإنَّ مَن مات على ذلك الدين، أو على دينه الأول، فهو كالمرتدّ لا يرث، ولا يورث.
والقسمُ الثالثُ وهو من يُورَث، ولا يرث أربعة فقط:
الجنينُ في غُرَّته فقط تورث عنه، ولا يورث عنه غيرها؛ لأنه لا يملك، ولا يرث أصلًا؛ لعدم تحقق حياته.
_________________
(١) ١ الزنديق: فارسي معرب، وجمعه زنادقة، وهو من يظهر الإسلام ويخفي الكفر كالمنافق. أو الذي لا يتمسك بشريعة، قال ابن قدامة: كان يسمى في عصر النبي ﷺ منافقًا، ويسمى اليوم زنديقًا أ- هـ. (لسان العرب ١٠/١٤٧، وشرح حدود ابن عرفة ٢/٦٦٤، والنظم المستعذب ٢/٢٦٤، والمصباح المنير في غريب الشرح الكبير ٢٥٦، والمطلع على أبواب المقنع ٣٧٨، والمغني ٩/١٥٩) . ٢ في حكم إرث الزنديق والإرث منه خلاف على قولين: الأول: أنه كالمرتد، وهو قول الجمهور، فماله عندهم ني بيت المال فلا يرث ولا يورث. الثاني: أنه كالمسلم، إذا كان يظهر الإسلام؛ عملًا بظاهره فيرثه ورثته من المسلمين ويرثهم، وهو قول الإمام مالك واختيار شيخ الإسلام ابن تيمية. قال شيخ الإسلام: والزنديق منافق يرث ويورث؛ لأنه ﵊ لم يأخذ من تركة منافق شيئًا، ولا جعله فيئًا فعلم أن التوارث مداره على النظرة الظاهرة، واسم الإسلام يجري عليه في الظاهر إجماعًا. (القوانين الفقهية ٣٨٩، وروضة الطالبين ٦/٣٠، ومغني المحتاج ٣/٢٥، والمغني ٩/١٥٩، والاختيارات الفقهية ١٩٦) .
[ ١ / ٢٤٨ ]
والمُبَعَّض١ على الجديد؛ فإنه يورث عنه جميع ما ملكه بحريَّته؛ لأن ملكه تام عليه كالحر ويكون جميعه لورثته على الأصح٢ ولا شيء منه لمالك بعضه؛ لأنه لا حَقَّ له فيما ملكه المبعض بحريَّته فاختصَّ به وارثه.
وقيل بين ورثته ومالك بعضه على نسبة الرق والحريَّة؛ لان سبب الميراث الموت وقد حلَّ جميع البدن، والبدن مشترك.
والقديم: أنه لا يورث عنه ما ملكه بحريَّته، كما لا يرث، وبه قال زيد -﵁- بل يكون لمالك بعضه على الأصحّ.
_________________
(١) ١ اختلف الفقهاء في إرث المبعض، والإرث منه إلى أربعة أقوال: القول الأول: أنه كالقنّ في جميع أحكامه؛ فلا يرث، ولا يورث، ولا يحجب. وهذا قول زيد ابن ثابت - ﵁- وأهل المدينة، وأبي حنيفة، ومالك، والشافعي في القديم. القول الثالث: أنه كالحر في جميع أحكامه؛ فيرث، ويورث، ويحجب كالحر. وهذا قول الحسن، وجابر، والنخعي، والشعبي، والثوري، وأبي يوسف، ومحمد، وزفر. القول الثالث: أن لكل من البعضين حكمه؛ يرث ويورث، ويحجب بقدر ما فيه من الحرَّية. وهذا قول علي، وابن مسعود، وعثمان﵃- والليث، والمزني، وأهل الظاهر، والإمام أحمد. القول الرابع: أنه لا يرث، ولا يحجب، ويورث عنه ما ملكه ببعضه الحرّ، وهذا قول طاووس، وعمرو بن دينار، وأبى ثور والشافعي في الجديد. (رد المحتار ٦/٧٦٦، وشرح الخرشي على مختصر خليل ٨/٢٢٢، والحاوي الكبير ١٠/٤٤٢، والعزيز شرح الوجيز ٦/٥٠٩، والتلخيص في الفرائض ١/٥٠٩، والمغني ٩/١٢٧) . ٢ راجع: الحاوي الكبير ١٠/٢٤٢، والمهذب ٢/٣١، والوسيط خ ١٩٣، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٥/١٣، والمحرر خ١١٥، والشرح الصغير للوجيز خ ١٥٦، ومنهاج الطالبين ١٠٩، وشرح أرجوزة الكفاية خ ٦٣.
[ ١ / ٢٤٩ ]
وقيا: لبيت المال١.
والجديد هو المعتمد.
وذو أي والمرتدّ صاحبُ القصاصِ، ونحوه، في صورة من ارتدّ وكان قد وجب له قصاص بقطع طرف، أو بجرح في حال إسلامه. فإن القصاص يورث عنه.
ونحو القصاص حدّ القذف الذي خرجه شيخه٢، فإنه يورث عنه أيضًا؛ فيورث عن المرتدّ القصاص، وحدّ القذف فقط- كما سبق-٣ استثناؤه في موانع الإرث، حيث قال: ويمكن أن يستثنى من قولنا: إن المرتدّ لا يورث [ما وجب] ٤ له من قصاص [إلى آخره] ٥.
وقَدَّمنا٦ عن السُّبْكي، وغيره إن منقول أئمتنا أن استيفاء الوارث القصاص لا يقع إرثًا؛ فلا يستثنى فينبغي أن يسقط هذا من الأربعة.
وكافرٌ له أمان فنقضه ثّم استُرِقّ، ومات رقيقًا، وكان قد جُني عليه في حال حُرِّيته، وأمانه، وحصلت السِّرَاية في حال رِقَّه فإنّ قّدْرَ الدية لورثته
_________________
(١) ١ قال البغوي﵀- في التهذيب ٥/١٣: فإن قلنا لا يورث فما تركه لمن يكون؟ فيه وجهان: أصحّهما: يكون للسيّد؛ لأن المانع من الإرث ملكه، فكان المال له. والثاني: يكون لبيت المال؛ لأن السيَّد أخذ نصيبه في الحياة أ- هـ. وراجع أيضًا: المهذب ٢/٣١، والوسيط خ١٩٣. ٢ يعني البلقيني، وتقدمت المسألة ص ٢٣٨. ٣ ص ٢٣٨. ٤ في (ب)، (ج)، (د): إلاّ ما وجب. والصحيح المثبت كما في ص٢٣٩. ٥ في (ج)، هـ: إلخ. ٦ ص ٢٤٠.
[ ١ / ٢٥٠ ]
على الراجح -كما/ [٧٦/١٦ب] قدَّمناه١ في فصل الحجب بالصفة -فتورث عنه هذه الدية، ولا يرث هو أحدًا؛ لأنه رقيق.
وهذه صورة يتصور فيها أن يُورَث مع الرَّق في كله.
قال شيخُنا سراجُ الدين البلقيني٢: وليس لنا رقيق كله يورث إلاّ في هذه الصورة فقط وهو واضح.
والقسمُ الرابعُ وهو من يرث، ولا يورث: الأنبياءُ ﵈ [على المشهور] ٣ ٤؛ لقوله: ﷺ: "لا نُورَث ما تركناه صدقة" رواه الشيخان٥.
وفي النسائي الكبير: "إنَّا معاشر الأنبياء لا نورث"٦.
_________________
(١) ١ ص٢٤٥. ٢ في تدريبه خ٩٠. ٣ زيادة من نسختي الفصول. وقوله: على المشهور أي عند الأئمة الأربعة، وهو إجماع. (حاشية ابن عابدين ٦/٧٦٩، ونهاية المحتاج ٦/٢٩، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢/١٠١) . ٤ وقد ذكر العلماء الحكمة عن كون الأنبياء﵈- يرثون ولا يورثون، فقيل: لأجل ألاّ يتمنى أحد من الورثة موتهم من أجل المال. وقيل: لأن الله تعالى بعثهم مبلغين رسالته، وأمرهم ألاّ يأخذوا على ذلك أجرًا فكانت الحكمة ألاّ يورثوا لئلا يظن أنهم جمعوا المال لوارثهم. وقيل: لكون النبي كالأب لأمَّته فيكون ميراثه للجميع. (فتح الباري ١٢/١٠، ومغني المحتاج ٣/٢٦، وفتح القريب المجيب١/١٥) . ٥ من حديث عائشة﵂- كما عند البخاري في كتاب الفرائض، باب قول النبي ﷺ: "لا نورث ما تركناه صدقة". (٦٧٢٧) ٨/ ٣١٢، ومسلم في كتاب الجهاد والسير (١٧٥٨) ٣/١٣٧٩. ٦ أخرجه النسائي في السنن الكبرى، كتاب الفرائض، ذكر مواريث الأنبياء من حديث أبي الزناد (٦٣٠٩) ٤/٦٤.
[ ١ / ٢٥١ ]