فصل١ في الولاء
الولاءُ مشتقٌ من الموالاة، وهي لغة: المقاربةُ، وهي ضدّ المعاداة. قاله ابنُ فارِس٢.
وقال الجَوهَرِيُّ: يقال: بينهما وَلاء بالفتح، أي قرابة.
والولاءُ ولاءُ المعتِق. والولاءُ ولاءُ المعتَقِ.
والموالاة ضدّ المعاداة، انتهى٣.
والولاء الشرعيُّ: [عصوبةٌ سببها] ٤ زوال الملك عن رقيقٍ بالحرية٥، وحقيقتُه: لَحمةٌ كَلَحمَةِ النَّسَب٦؛ فإن المعتِق سببٌ لوجود الرقيق لنفسه،
_________________
(١) ١ هذا هو الفصل الثاني والأربعون ويرجع فيه إلى: مختصر المزني مع الأم ٨/٤٣١، والإيجاز في الفرائض خ٨٢، والحاوي الكبير ٢٢/٩٠، والمهذب ٢٠/٢٦، والتلخيص في الفرائض ١/٤٨٣، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٨/٣٩٨، وشرح السنة ٨/٣٥٣، والكفاية في الفرائض خ٣٧، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٨٣، وروضة الطالبين ١٢/١٧٠، وشرح النووي على صحيح مسلم ١٠/٤٠٧، وفتاوى السبكي ٨/٣٥٣، وشرح الجعبرية خ١٨٩، وفتح الباري ١٢/٤٨. ٢ معجم مقاييس اللغة، باب الواو واللام وما يثلثهما ٦/١٤١. ٣ الصحاح في اللغة مادة ولي ٦/٢٥٣٠. ٤ في (ج): سببه. ٥ تقدم تعريف الولاء ص ٩٧. ٦ لحمة النسب: الشابك منه ولَحمة النسب بالفتح، ولُحمة الصيد ما يصاد به بالضم. =
[ ٢ / ٥٩٠ ]
كما أن الأب سببٌ لوجود الولد؛ لأن الرقيق كالمفقود لنفسه، والموجود لسيده؛ لأنه لا يملك، ولا يتصرف إلا لسيده فإذا أعتقه فقد جعله موجودًا لنفسه.
[وفي صحيح مسلم] ١: "لا يجزي ولدٌ والدَه إلا أن يجدَه رقيقًا فيشتريه، [فيعتقه] ٢"٣.
_________________
(١) = واللُحْمَة بالضم القرابة. ولَحمة الثوب ولُحمته: ما سدِّي بين السديين يضم ويفتح. قال ابن الأثير: قد اختلف في ضم اللحمة وفتحها، فقيل: هي في النسب بالضم، وفي الثوب بالضم والفتح وقيل: الثوب بالفتح وحده. وقيل: النسب والثوب بالفتح. فأما بالضم فهو ما يصاد به الصيد. ومعنى الحديث: "لحمة كلحمة النسب": المخالطة في الولاء وأنها تجري مجرى النسب في الميراث كما تخالط اللحمة سدي الثوب حتى يصيرا كالشيء الواحد لما بينهما من المداخلة الشديدة. (النهاية في غريب الحديث والأثر ٤/٢٤٠، ولسان العرب ١٢/٥٣٨، والقاموس المحيط مادة لحم ١٤٩٣) . ١ في (ب)، (ج): وثبت في الحديث. ٢ سقطت من (ب)، (ج) . ٣ الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب العتق، باب فضل عتق الولد من حديث أبي هريرة -﵁- ٢/١١٤٨ (١٥١٠) بلفظ: " لا يجزي ولد والدًا إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه" وزاد فيه: وفي رواية ابن أبي شيبة: "ولد والده". وأخرجه أيضًا: البخاري في الأدب المفرد برقم (١٠)، وأبو داود في سننه، كتاب الأدب باب بر الوالدين ٤/٣٣٥ (٥١٣٧)، والترمذي في أبواب البر والصلة، باب ما جاء في حق الوالدين ٦/١٦٣ (١٩٠٧)، وابن ماجة في كتاب ٢٠٧ (٣٦٥٩) الأدب، باب بر الوالدين ٢/١٠، والبيهقي في كتاب العتق من السنن الكبرى ١٠/٢٧٩، وأحمد في مسنده ٢/٢٣٠ كلهم من حديث أبي هريرة بلفظ: "لا يجزي ولد والده إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه فيعتقه" عند البخاري في الأدب المفرد، وأبي داود، والبيهقي، وأحمد، أما الترمذي وابن ماجة فأخرجاه بلفظ مسلم. ومعنى: "لا يجزي ولد والده" أي لا يكافئه بإحسانه، وقضاء حقه إلا أن يعتقه. (شرح النووي على مسلم ١٠/٤٠٧) .
[ ٢ / ٥٩١ ]
والإرثُ به مقدَّم على الردِّ١ على أهل الفرضِ. والأحقُّ بالإرث بالعصوبة بعد فقد عصوبة النسب المعتِق٢ المباشر للعتق لفظًا؛ بأن يقول لعبده: أعتقتُك، أو حرّرتك، أو أنتَ حر، أو مُحَرَّر، أو عَتِيق، أو معتَق بفتح التاء. أو يكني بكناية من كنايات العِتق كما هو موضَّح / [١١٦/٥٦أ] في كتب
_________________
(١) ١ يقدم المولى في الميراث على الرد وذوي الأرحام في قول جمهور العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم، فإذا مات رجل وخلَّف بنته ومولاه فلبنته النصف والباقي لمولاه، وإن خلف ذا رحم ومولاه فالمال لمولاه دون ذي رحمه. وروي عن عمر، وعلي تقديم الرد على المولى. وروي عنهما وعن ابن مسعود تقديم ذوي الأرحام على المولى لقوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ [الأنفال: ٧٥] . والراجح قول الجمهور لحديث عبد الله بن شداد قال كان لبنت حمزة بن عبد المطلب ملوى أعتقته فمات وترك بنتًا ومولاته بنت حمزة فرفع ذلك إلى النبي ﷺ فأعطى البنت النصف وأعطى مولاته النصف، أخرجه البيهقي ١٠/٣٠٢، وابن ماجة ٢/٩١٣، والدارقطني ٢/٣٧٣، فقدَّم المولى على ذوي الأرحام وإلا لكان الباقي بعد فرض البنت مردودًا على البنت؛ ولأن المولى عصبة يعقل عن مولاه فيقدم على الرد وذوي الأرحام كابن العم. (رد المحتار ٦/١٢٢، والحاوي الكبير ٢٢/١٠٥، والتلخيص في الفرائض ١/٤٨٣، والمغني ٩/٢١٦) . ٢ قال العلماء: يتعلق بالولاء أحكام ثلاثة: الإرث، وولاية التزويج، وتحمل الدية. (رد المحتار ٦/١١٩، وعقد الجواهر الثمينة ٣/٣٧٢، والحاوي الكبير ٢٢/٩١، وكشاف القناع ٤/٤٩٨) .
[ ٢ / ٥٩٢ ]
الفقه١. أو حُكمًا بأن قال زيدٌ لمالكِ عبدٍ: أعتق عبدَك عنّي على كذا، فأعتقه. أو قال لأمته الحامل: أعتقتُكِ إلا حَملَكِ فإنَّ الحَمْلَ يعتق على الصحيح؛ يسري إليه عتقُ أُمِّه٢.
والمعتِق أحقُّ بالإرث وإن كان أُنثى لقصةِ عائشة وبَريرة٣ -المتفق عليها-٤.
_________________
(١) ١ ولا يعمل بالكناية إلا باقتران النية. وكنايات العتق كقول السيد لعبده: لا ملك لي عليك، أو لا سبيل، أو لا سلطان، أو لا أمر، أو لا خدمة، أو أزلت ملكي عنك، أو حرمتك، أو أنت سائبة، أو أنت لله. (اللباب شرح الكتاب ٣/١١٢، والقوانين الفقهية ٣٧١، وروضة الطالبين ١٢/١٠٧، وكشاف القناع ٤/٥١٢) . ٢ انظر المراجع السابقة. ٣ هي بريرة بنت صفوان مولاه عائشة، صحابية مشهورة، عاشت إلى خلافة يزيد بن معاوية. (أسد الغابة في معرفة الصحابة ٦/٣٩، وتهذيب الأسماء واللغات ٢/٣٣٢، وتقريب التهذيب ٧٤٤، ت ٨٥٤٣) . ٤ من حديث عائشة عند البخاري في كتاب الفرائض باب ما يرث النساء من الولاء ٧/٣٢١ (٦٧٥٩) بلفظ: اشتريتُ بريرة فاشترط أهلها ولاءها فذكرت ذلك للنبي ﷺ فقال: أعتقيها فإن الولاء لمن أعطى الورق" قالت: فأعتقتها، قالت: فدعاها رسول الله ﷺ فخيَّرها من زوجها فقالت: لو أعطاني كذا وكذا ما بت عنده فاختارت نفسها. ومسلم في كتاب العتق باب إنما الولاء لمن أعتق ٢/١١٤٤ عن القاسم أنه حدَّث عن عائشة أنها أرادت أن تشتري بريرة للعتق فاشترطوا ولاءها فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال: اشتريها وأعتقيها فإن الولاء لمن أعتق" وفي لفظ لمسلم أيضًا عن عائشة قالت: دخلت عليَّ بريرة فقالت: إن أهلي كاتبوني على تسع أواق في تسع سنين في كل سنة أوقية فأعينيني. فقلت لها: إن شاء أهلك أن أَعدها لهم عدة واحدة، وأعتقك ويكون الولاء لي فعلتُ. ذكرت ذلك لأهلها فأبوا إلا أن =
[ ٢ / ٥٩٣ ]
والخُنثى كذلك وأولى١.
أو أعتْقَ المالك عبدَه بِعِوَضٍ كأن قال له: أعتقتك على كذا في ذمتك حالًا، أو مؤجلًا، أو على أن تخدمني شهرًا أو أبدًا، أو لم يبين، أو على أن تعمل كذا فقبل العبد في الحال، أو قال العبد لسيده: أعتقني على كذا، أو على أن أخدمك، أو أعمل لك كذا. فأجابه. عتق في الحال، وعليه ما التزمه، حتى لو كان على خمر، أو خنزير عَتُقَ، وعليه قيمة نفيه، وللسيد عليه الولاء٢.
_________________
(١) = يكون الولاء لهم فأتتني فذكرت ذلك. قالت: فانتهرتها. فقالت: لاها الله ذا ﴿أي لا والله هذا ما أقسم له﴾ قالت: فسمع رسول الله ﷺ فسألني فأخبرته، فقال: "اشتريها وأعتقيها، واشترطي لهم الولاء فإن الولاء لمن أعتق" ففعلت، قالت: ثم خطب رسول الله ﷺ عشية فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله ثم قال: "أما بعد فما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله ما كان من شرط ليس في كتاب الله ﷿ فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرط الله أوثق. ما بال رجال منكم يقول أحدهم: أعتق فلانا والولاء لي، إنما الولاء لمن أعتق". وقال الماوردي -﵀-: ومن الدليل على ثبوت الولاء للمعتق ما اشتهر نقله عن الأمة أن عائشة -رضوان الله عليها- أرادت شراء بريرة لتعتقها فاشترط مواليها الولاء لهم فأخبرت بذلك النبي ﷺ فقال: "اشتري واشترطي لهم الولاء ففعلت" فصعد المنبر فخطب، وقال: " ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله كل شرط ليس في كتاب الله ﷿ فهو باطل، كتاب الله أحق وشرطه أوثق، الولاء لمن أعتق" وأجمع المسلمون على استحقاق الولاء للمعتِق لإنعامه بالعتق أ-هـ. من الحاوي الكبير ٢٢/٩١. ١ راجع الحاوي الكبير ٢٢/٩٠، وشرح الجعبرية خ١٢٨. ٢ راجع التهذيب في فقه الإمام الشافعي ٨/٣٥٦، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٠٩، وروضة الطالبين ١٢/١٠٩.
[ ٢ / ٥٩٤ ]
أو باع السيدُ العبدّ من نفسه، بأن قال لعبده: بعتك نفسَك بكذا. فقال العبد: اشتريت.
أو قال العبد بعني نفسي بكذا. فقال السيد: بعتك، فيصح البيع، ويثبت المال في ذمة العبد، ويعتق في الحال، ويثبت عليه الولاء للسيد كما لو أعتقه على مال١.
وفي وجه ضعيف لا ولاء عليه؛ لأن البيع يزيل الملك عنه٢. أو علَّق عتقه بصفة ووجدت الصفة، كقوله: إذا جاء رأس الشهر، أو رمضان، أو الحجيج، أو فلان، أو قدم فلان من السفر، أو شفى الله مريضي، أو عملتَ كذا، أو دخلت الدار؛ فأنت حر. فوجد المعلَّق عليه فإنه يعتق وللسيد الولاء.
ومنه المكاتَب٣ إذا عتق بأداء النجوم، أو أبرأه السيد منها؛ [لقوله] ٤ عليه [الصلاة و] ٥ السلام: "الولاء لمن أَعْتَق"٦.
أو أعتقه عن غيره بغير إذنه في غير معرض التكفير، كقوله: أعتقت
_________________
(١) ١ وهو المذهب. قال النووي -﵀- في منهاج الطالبين ٢١٠: ولو قال: بعتك نفسك بألف. فقال: اشتريت فالمذهب صحة البيع ويعتق في الحال والولاء للسيد أ-هـ. ٢ راجع التهذيب في فقه الإمام الشافعي ٨/٣٥٦، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٤٤٦، وروضة الطالبين ١٢/٢١١. ٣ تقدم تعريف الكتابة ص ٨٢. ٤ في الأصل: بقوله، والمثبت من باقي النسخ. ٥ ساقط من (ب) . ٦ من حديث عائشة المتفق عليه وقد سبق تخريجه ص ٥٩٣.
[ ٢ / ٥٩٥ ]
عبدي عن زيد، ولم يأذن له زيد، وقع العتق عن المالك، وكان الولاء له؛ لأنه الذي باشر العتق دون زيد خلافًا لمالك -﵀١ أو عتق عليه العبد بدخوله في ملكه كأصله، [و] ٢ فرعه بأن ملك أباه، وأمه، أو أحد أصوله من [الأجداد، [أو] ٣ الجدات] ٤ من قِبَل الأب، أو من قِبَل الأم، أو مَلَكَ أحدَ أولاده الذكور، أو الإناث، أو أحد أولاد أولاده وإن سفل ببيع أو بهبة، أو بإرث فإنه يعتق عليه بمجرد دخوله في ملكه [ويثبت] ٥ له عليه الولاء٦.
فقوله: «كأصله، وفرعه» تمثيل يقاس به سائر الأصول والفروع، ويخرج غيرهم من الأقارب، كالإخوة، والأعمام، والأخوال، وبينهم، فإنهم
_________________
(١) ١ اختلف الفقهاء فيمن أعتق عبده عن غيره بغير إذنه لمن يكون الولاء. فذهب أبو حنيفة والشافعي وأحمد إلى أن الولاء للمعتِق لحديث: " إنما الولاء لمن أعتق"، ولأنه أعتق عبده من غير إذن غيره له فكان الولاء له كما لو لم يقصد شيئًا. وذهب مالك إلى أن الولاء للمعتَق عنه؛ لأنه أعتقه عن غيره فكان الولاء للمعتَق عنه كما لو أذن له. (المبسوط ٨/٩٨، وبداية المجتهد ٢/٤٤١، والقوانين الفقهية ٣٧٤، والأم ٤/١٣٣، والحاوي الكبير ٢٢/١٠٣، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢/١٠٦، والمغني ٩/٢٢٧) . ٢ في نسختي الفصول: أو. ٣ في باقي النسخ: و. ٤ في (د): الجدات والأجداد. ٥ في (ج): وتثبت. ٦ راجع: الحاوي الكبير ٢٢/٨١، والمهذب ٢/٦، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٤٢، ومنهاج الطالبين ٢١٠، وروضة الطالبين ١٢/١٣٣.
[ ٢ / ٥٩٦ ]
لا يعتقون بدخولهم في ملك قريبهم، بل يثبت ملكه عليهم [عندنا، خلافًا للمالكية في الإخوة والأخوات] ١٢.
وكما يثبت الولاء بما ذكرنا من هذه الأمور للواحد يثبت به أي بما ذكرنا للاثنين فما زاد بحسب العتق فلو اشترك اثنان أو ثلاثة، أو أكثرُ في
_________________
(١) ١ ساقط من (ب)، (ج) . ٢ اختلف الفقهاء فيمن يعتق عليه إذا ملكه غير عمودي النسب فإنهما يعتقان بالإجماع: فذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أنه يعتق عليه كل ذي رحم محرم وهو القريب الذي يحرم نكاحه عليه لو كان أحدهما رجلًا والآخر امرأة وهم الوالدان وإن علوا من قبل الأب والأم جميعًا والولد وإن سفل من ولد البنين والبنات والإخوة والأخوات وأولادهم وإن سفلوا، والأعمام والعمات والأخوال والخالات دون أولادهم؛ فمتى ملك أحدًا منهم عتق عليه وذلك لما روي عن النبي ﷺ من حديث سمرة بن جندب أنه قال: "من ملك ذا رحم محرم فهو حرّ" رواه أو داود في سننه ٢/٣٥١، والترمذي في سننه ٥/٤٨، وقال حديث حسن، وابن ماجة ٢/٨٤٣، والإمام أحمد في المسند ٥/١٥. ولأنه ذو رحم محرم فيعتق عليه بالملك كعمودي النسب. وذهب مالك -﵀- إلى أنه يعتق عليه الوالدان والولدان وإن بعدوا، والإخوة والأخوات دون أولادهم وذلك لأن الإخوة والأخوات قد شاركوا في الصلب وراكضوا في الرحم. وذهب الشافعي إلى أنه لا يعتق عليه إلا عمودي النسب من الولد أو ولد فقط؛ وذلك لأنه لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس منه فاقتضى إقرار ملكه على كل مملوك إلا من خصه الدليل من والد أو ولد، ولأن كل شخصين لا ولادة بينهما لم يعتق أحدهما على الآخر بالملك قياسًا على ابن العم، ولأن كل قرابة لا تتضمن ردّ الشهادة لم تعتق بالملك قياسا على بني الأعمام طردًا، وعلى الوالدين والمولودين عكسًا. (شرح السراجية ١٠٠، والاختيار شرح المختار ٢/٢٥٦، والقوانين الفقهية ٣٧٢، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/٤٥٢، والحاوي الكبير ٢٢/٨١، والإجماع لابن المنذر ١٦٤، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢/١٠٧، والمغني ٩/٢٢٣) .
[ ٢ / ٥٩٧ ]
ملك عبد، ووكَّلوا إنسانًا في عتقه وأعتقه عنهم، أو أعتقوه معًا، أو مرتبًا. وهم معسرون عتق عليهم، ولكل واحد منهم من الولاء على العتيق بقدر حصته في الملك.
فلو اشترك ثلاثة في شراء عبد بينهم بالسوية / [١١٦/٥٦ب] وأعتقوه، فلكلِّ واحد منهم عليه ثلث الولاء.
ولو ماتت امرأة عن زوج، وأم، وأخ، وخلَّفت عبدًا ملكوه بحسب إرثهم. فلو أعتقوه كان للزوج عليه نصف الولاء، وللأم ثلثه، وللأخ سدسه.
ولا يُورث الولاءُ كالمال [خلافًا لأحمد في رواية] ١ بل يُورَث به٢؛ لقوله ﵊: "الولاء لُحْمَة كلحمة النسب؛ لا يباع، ولا
_________________
(١) ١ ساقط من باقي النسخ. ٢ وهذا قول الجمهور من الصحابة فمن بعدهم، وهو قول الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أن الولاء ولا يورث بل يورث به؛ فلا ينتقل الولاء عن المعتق بموته ولا يرثه ورثته، وإنما يرثون المال به مع بقائه للمعتق. وذلك للحديث الذي سيذكره المؤلف من أن الولاء كالنسب والنسب لا يورث وإنما به، ولأنه معنى يورث به فلا ينتقل كسائر الأسباب. وشذ شريح فقال: الولاء كالمال يورث عن المعتق فمن ملك شيئًا حال حياته فهو لورثته وهذا القول رواية حنبل ومحمد بن الحكم عن الإمام أحمد -﵏- وغلّطهما أبو بكر، قال ابن قدامة -﵀-: وهو كما قال فإن رواية الجماعة عن أحمد مثل قول الجماعة لقوله ﵇: "الولاء للمعتق" وقوله: "الولاء لحمة كلحمة النسب" أ-هـ. راجع الاختيار شرح المختار ٣/٢٤، وعقد الجواهر الثمينة ٣/٣٧٢، والمهذب ٢/٢٧، وشرح السنة ٨/٣٥٦، وروضة الطالبين ١٢/١٧٠، والمغني ٩/٢٢٠.
[ ٢ / ٥٩٨ ]
يوهب" صححه الحاكم١، وابن حبان٢ وابن خُزَيمة من حديث ابن عمر، وضَعَّفه البيهقي٣، ورواه ابنُ جرير الطبري وغيرُه من حديث عبد الله بن أبي أَوْفى بسند رجالُه كلهم ثقاة لم يقف عليه البيهقي.
وفي بعض طرق الحديث (لا يُباع، ولا يُوهب، ولا يُورث) بزيادة: (ولا يُورث) ٤ ومعناه: أن الولاء لا ينتقل من شخص إلى شخص بعوض، ولا بغير عوض؛ كما أن النسب لا ينتقل بعوض ولا بغيره، فلا يورث الولاء ويورث به، كا أن النسب لا يورث ويورث به ولا يكون مثل المال؛ حيث يورث.
ولأن الولاء لو كان موروثًا لاشترك في استحقاقه الرجال والنساء كسائر الحقوق.
ولأنه لو مات المعتق مسلمًا عن ابنين مسلم، ونصراني، فأسلم النصراني، ثم مات العتيق مسلمًا فإن الابنين يستويان في الإرث، ولو كان الولاء موروثًا
_________________
(١) ١ في المستدرك، كتاب الفرائض ٤/٣٤١ من حديث ابن عمر ورده الذهبي مشنعًا عليه. ٢ من حديث ابن عمر كما في الإحسان في ترتيب صحيح ابن حبان ١١/٣٢٥ (٤٩٥٠)، وأخرجه أيضًا الشافعي في الأم ٤/١٣٢. ٣ في كتاب الفرائض من سننه الكبرى باب الميراث بالولاء ١٠/٢٩٢، من حديث الحسن. ٤ راجع: نصب الراية ٤/١٥٤، وفتاوى السبكي ٢/٢٣٣، والتلخيص الحبير ٤/٢١٣، والحاوي الكبير ٢٢/٩١. وقال الألباني في إرواء الغليل ٦/١١٤: وجملة القول أن الحديث صحيح من طريق علي والحسن البصري والله أعلم أ-هـ.
[ ٢ / ٥٩٩ ]
لاختص به الابن المسلم، [ولَمَا] ١ شاركه الابن النصراني بإسلامه. قاله الرافعي٢، والأصحاب٣.
وأما ما رواه الترمذي عن قتيبة٤ عن ابن لَهِيْعَة٥ عن عَمرو بن شُعيب٦ عن أبيه عن جدِّه أن رسول الله ﷺ قال: "يرث الولاء ولا يرث المال" فإنه ضعيف؛ لأن ابن لهيعة يُضعَّف في الحديث. ولأجله قال الترمذي: ليس إسناده بالقوي٧.
_________________
(١) ١ في (هـ): ولم. ٢ في العزيز شرح الوجيز ١٣/٣٨٥. ٣ راجع: المهذب ٢/٢٧، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٨/٣٩٨، وروضة الطالبين ١٢/١٧٠. ٤ هو قتيبة بن سعيد بن جميل بن طريف، أبو رجاء الثقفي البغلاني، ثقة، ثبت، من العاشرة توفي سنة ٢٤٠ هـ، (الكنى والأسماء للإمام مسلم ١/٣١٧، وسير أعلام النبلاء ١١/١٣، وتقريب التهذيب ٤٥٤ ت ٥٥٢٢) . ٥ هو عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي، المصري، أبو عبد الرحمن، صدوق من السابعة، اختلط بعد احتراق كتبه. قال ابن معين: ضعيف لا يحتج به (الكنى والأسماء ١/٥١٩، وميزان الاعتدال ٢/٤٧٥، وتقريب التهذيب ٣١٩ ت ٣٥٦٣) . ٦ هو عمرو بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص القرشي السهمي، أبو إبراهيم، صدوق من الخامسة ت ١١٨هـ. (الكنى والأسماء ١/٦١، وميزان الاعتدال ٣/٢٦٣، وتقريب التهذيب ٤٢٣ ت ٥٠٥٠) . ٧ سنن الترمذي، كتاب الفرائض، باب ما جاء فيمن يرث الولاء ٥/٢٨٨ (٢١١٥) ولم أجده عند غير الترمذي بهذا السياق إلا أن التبريزي ذكره في مشكاة المصابيح ٢/٩٢٢.
[ ٢ / ٦٠٠ ]
ولا يمنعه اختلافُ الدين١ بالإسلام، والكفر، [خلافًا لبعضهم] ٢ فيثبت الولاء للسيد على عتيقه، وإن اختلف دينهما، بأن كان السيد مسلمًا، والتعيق كافرًا، أو عكسه. كما يثبت النكاح والنسب فاختلاف الدين لا يمنع الولاء٣ بل يمنعُ الإرثَ به٤ قال مالك: اختلاف الدين يمنع الولاء [إذا كان المعتَق مسلمًا] ٥ ثم الأحقُّ بالإرثِ بالعصوبة بعد فقد المعتِق حسًا، أو شرعًا
_________________
(١) ١ وهذا مما يخالف فيه الولاء الإرث فاختلاف الدين مانع من الإرث وليس مانعًا الولاء كما سيأتي (شرح الجعبرية خ١٣٠) . ٢ ساقط من (ب)، (ج) . ٣ اختلاف الدين لا يمنع استحقاق الولاء بالعتق لقوله ﷺ: "الولاء لمن أعتق"، وقوله: "الولاء لحمة كلحمة النسب" ولحمة النسب تثبت مع اختلاف الدين لقوله تعالى: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ﴾ [هود: ٤٢]، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ﴾ [الأنعام: ٧٤]؛ فلم يقطع النسب باختلاف الدين فكذلك الولاء. ولأن الولاء إنما يثبت له عليه لإنعامه بإعتاقه وهذا المعنى ثابت مع اختلاف الدين. راجع: حاشية ابن عابدين ٦/١١٩، وحاشية الدسوقي ٤/٤١٦، ومختصر المزني ٨/٤٣١، والحاوي الكبير ٢٢/٩٩، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢/١٠٥، والمغني ٩/٢١٧. ٤ لما تقدم في فصل موانع الإرث ص٢٢٨ من أن اختلاف الدين مانع من الإرث. وراجع المهذب ٢/٢٦، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٨٤، وروضة الطالبين ١٢/١٧٠. ٥ ساقط من باقي النسخ. واختلاف الدين يمنع الولاء عند مالك وأصحابه إذا كان المعتَق مسلمًا كما إذا أعتق النصراني مسلمًا فلا يملك الكافر ولاءً على مسلم ويكون ولاؤه لكافة المسلمين دون معتقه لقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾ . وعلى رأي الجمهور ولاؤه لمعتقه لأن الولاء كالنسب. أما إذا أعتق المسلم نصرانيًا فله ولاؤه بالإجماع. انظر المراجع السابقة وبداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/٤٤٣، والتهذيب ٥/٤٤، والتلخيص في الفرائض ١/٤٨٣.
[ ٢ / ٦٠١ ]
أي بموته، أو بقيام مانع به من كفر، [أو رق، أو قتل] ١ [من كان] ٢ عصبته بالنسب المتعصبين بأنفسهم، إن كان العصبة بحيث يكون عاصبًا له أي للمعتِق لو مات المعتِق وهو على دينه أي والمعتِق على دين العتيق فيرثه عصبة المعتِق بولاء المعتِق كما في الروضة٣، وأصلها٤.
فلو أعتق مسلمٌ عبدًا كافرًا، ومات المعتِق عن ابنين مسلمٍ وكافر ثم مات العتيق كافرًا فميراثه للابن الكافر؛ لأنه هو الذي يكون عصبة المعتق، لو مات المعتِق على دين العتيق، أي لو مات المُعتِق كافرًا كالعتيق، بخلاف الابن المسلم؛ فلو أسلم العتيقُ ثم مات فميراثه للابن المسلم، ولم أسلم الابن الكافر ثم مات العتيق مسلمًا فالميراث للابنين نصفين.
وخرج بقوله: ﴿عصبته﴾ أصحاب فروض المعتق كبنته، وأمه / [١١٧/٥٧أ] [وأخته، وزوجه] ٥، وجدته، وأخيه لأمه، فلا يرثون عتيقه أصلًا؛ لأنه لا مدخل للفرض في الولاء.
وخرج بقوله: ﴿بالنسب﴾ معتِق المعتق.
_________________
(١) ١ في (هـ): أو قتل أو رق. ٢ زيادة من نسخة الفصول. ٣ روضة الطالبين ١٢/١٧٥. ٤ العزيز شرح الوجيز ١٣/٣٩٤. ٥ في (د): وزوجه وأخته. وفي (هـ): وزوجته.
[ ٢ / ٦٠٢ ]
وبقوله: ﴿المتعصبين بأنفسهم﴾ عصبة المعتِق بغيره، ومع غيره وهنّ ذوات النِّصف الأربع١.
وإنما قلنا: ﴿بعد فقد المعتِق حسًا، أو شرعًا﴾ لما تقرر في فصل الحجب٢ من أن من قام به مانع فوجوده كعدمه؛ فلا يحجب أحدًا، ونصّ الشافعي في رجل مسلم أعتق عبدًا نصرانيًا، فمات العتيق في حياة المعتِق، وللمعتق أولاد ذكور نصارى على دين العتيق أنهم يرثون العتيق في [حال] ٣ حياة أبيهم لقيام المانع به ولا يحجب أولاده. وذكره الرافعي٤، والنووي٥، وغيرهما وأقروه٦.
وترتيبُهم أي عصبات الولاء كترتيبِ عصباتِ النسب من أنه يُقدَّم الابنُ، ثم ابنُه، ثم الأبُ، ثم الجدُّ والأخ، ثم الأخ الشقيق، ثم الأخ للأب، ثم ابن الأخ الشقيق، ثم [للأب]، ثم العم الشقيق ثم [للأب]، ثم ابن العم الشقيق، ثم [للأب] ٧.
_________________
(١) ١ البنت وبنت الابن، والأخت الشقيقة والأخت لأب. ٢ ص ١٩٦. ٣ زيادة من (هـ) . ٤ العزيز شرح الوجيز ١٣/٣٨٥. ٥ روضة الطالبين ١٢/١٧٠. ٦ راجع مختصر المزني مع الأم ٨/٤٣١، والحاوي الكبير ٢٢/٩٨، والمهذب ٢/٢٦. ٧ في (ج): الأب في المواضع الثلاثة.
[ ٢ / ٦٠٣ ]
ويستثنى مسائلُ بعضُها من الحكم، وبعضُها من الاتفاق على الحكم، بَيَّنها بقوله: إلا أن الأصح من قولي إمامنا الشافعي -﵁- تقديمُ الأخ وابنه على الجدِّ هنا في باب الولاء لأنهما يدليان إلى أبي المعتق بالبنوة، والجد يدلي بالأبوة، والبنوة أقوى١. وهذا استثناء من الحكم على هذا القول.
والقول الثاني يستوي الأخ والجد كالنسب، فيقاسم الأخ، ويقدم على ابن الأخ٢.
والمعتمدُ الأولُ؛ لأنه الأَقْيَس في النسب أيضًا؛ لكن صَدَّنا عن القياس في النسب الإجماعُ على أن الأخ لا يُقدم على الجدّ بخلاف الولاء٣.
_________________
(١) ١ وهذا قول المالكية أيضًا لما علل به المؤلف (الأم ٤/١٣٥، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٨/٤٠٠، والقوانين الفقهية ٣٧٤) . ٢ وهذا قول الحنابلة وهو أن ابن الأخ الشقيق أو لأب مع الجد سواء؛ فالإرث بالولاء بينهما نصفين وذلك لأنهما عصبتان يرثان المال نصفين فكان الولاء بينهما نصفين كالأخوين. وكذا جد المعتق يقدم على ابن أخ المعتق قياسًا على النسب. وإذا قلنا أن الجد والإخوة يستويان فعند الشافعية في الإرث وجهان. أصحهما: أم الجد يقاسمهم أبدًا لأنه لا مدخل للفرض المقدر في الولاء. والوجه الآخر: أن للجد ما هو خير له من المقاسمة وغيرها مما تقدم ذكره في فصل الجد والإخوة (العزيز شرح الوجيز ٦/٤٨١) . وذهب الحنفية إلى أن جد المعتق مقدم على أخ المعتق قياسًا على النسب، لأن الجد يحجب الإخوة عندهم (رد المحتار ٦/٧٧٤، والاختيار شرح المختار ٣/٢٤٠، والعزيز شرح الوجيز ٦/٤٨١، وروضة الطالبين ٦/٢٢، والمغني ٩/٢٤٧) . ٣ راجع الإجماع لابن المنذر ٧٥، والتهذيب ٥/٤١، والعزيز شرح الوجيز ٦/٤٨٠، والنجم الوهاج خ٣١٢١، ومغني المحتاج ٣/٢٠، والإفصاح عن ماعني الصحاح ٢/٨٩.
[ ٢ / ٦٠٤ ]
و[إن] ١ الأصح من الطريقتين هنا تقديمُ الأخِ الشقيق على الأخ [للأب] ٢، وابن الأخ الشقيق على ابن الأخ للأب، والعم الشقيق على العم للأب، وابن العم الشقيق على ابن العم للأب فخالف النسب؛ حيث يقدم الشقيق فيه بلا خلاف.
وهنا على أصح الطريقتين. فهو على هذا استثناء من الاتفاق لا من الحكم.
والطريق الثاني هنا في الولاء قولان، كالأخ مع الجد:
أحدهما: يستوي الشقيق من الأخ وابنه، والعم وابنه مع الذي من الأب؛ لأن قرابة الأم لا مدخل لها في الولاء.
والقول الآخر: يقدم الشقيق؛ لأن قرابة الأم لما كانت ساقطة هنا من الإرث استعملت مقوِّية، كما في العم الشقيق٣ وأن الأصح هنا من الطريقين أيضًا تقديم ابن عم هو أخ من [أم] ٤ على ابن عم ليس كذلك؛ لأن قرابة الأم لما كانت معطلة في الولاء كانت مقوِّية، كالأخ الشقيق والأخ للأب. وهذا مستثنى من الحكم. ثم الأحقُّ بالإرث بالعصوبة من عصبات الولاء بعد فقد عصبة المعتِق حسًا، أو شرعًا معتِق المعتِق؛ لأن
_________________
(١) ١ سقطت من (ج) . ٢ في نسختي الفصول: لأب. ٣ راجع المهذب ٢/٢٨، والحاوي الكبير ٢٢/١١، والعزيز شرح الوجيز ٦/٤٨٠، وروضة الطالبين ٦/٢٢. ٤ في نسختي الفصول، (هـ): لأم.
[ ٢ / ٦٠٥ ]
معتق المعتِق / [١١٧/٥٧ب] لا يرث المعتق إلا عند فقد عصبته النسبية، فكذا عتيقه. ثم بعد معتِق المعتِق عصبته النسبية على ما سبق بيانه من ترتيبهم هنا.
ثم بعد عصبة معتِق العتيق معتِق معتِق معتِقه وهكذا عصبته النسبية بعده. ثم معتِقه، ثم عصبته على هذا الترتيب، حتى لا يبقى منهم أحد١.
ولا [إرث] ٢ لعصبة عصبة المعتِق بحال إن لم يكونوا عصبة المعتِق؛ فلو مات ابن المعتِقة بعدها عن أبيه، أو عن عمه أو ابن عمه، ثم مات عتيقها، أو عتيق عتيقها عنهم فميراثه لأقرب [عصباتها كأخيها] ٣، فإن لم يكونوا فللمسلمين، لا لعصبة ابنها عند الشافعي٤ ومالك٥، والجمهور٦. إلاَّ أن يكون عصبته عصبة لها فيرثه بكونه [عصبتَها] ٧، لا بكونه عصبة الابن.
_________________
(١) ١ راجع: المهذب ٢/٢٨، والحاوي الكبير ١٠/٢٩٥، والتهذيب ٨/٤٠٠ و٥/٤٢، والعزيز شرح الوجيز ٦/٤٨٠، وروضة الطالبين ٦/٢٢. ٢ في (ب)، (ج): شيء. ٣ في (ج): عصباتهما كأخيهما. ٤ راجع: المهذب ٢/٢٨، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٩٤، وروضة الطالبين ١٢/١٧٥. ٥ راجع: القوانين الفقهية ٣٧٤، وبلغة السالك ٤/٣١٣. ٦ ولم أجد في هذه المسألة خلافًا في المذاهب الأربعة وراجع: حاشية ابن عابدين ٦/٧٧٨، والاختيار شرح المختار ٣/٢٤٠، والحاوي الكبير ٢٢/١٠٨، والمغني ٩/٢٥٢. ٧ في (ب)، (ج): عصبتهما.
[ ٢ / ٦٠٦ ]
ثم الولاء على ضربان: ولاءُ مُباشَرة، وولاء سِراية١.
والضرب الأول وهو ولاء المباشرة إنما يثبت على من مسه رِقُّ، وهو الذي سبق بيانه من وقوع العتق عليه لفظًا، أو حكمًا، أو أعتق بعوض، أو باعه سيده من نفسه، أو علق عتقه بصفة، أو أعتقه عن غيره بغير إذنه، أو عتق عليه بدخوله في ملكه.
والضرب الثاني٢ بخلافه وهو الذي [يثبت] ٣ على من لم يَمَسَّه رِقٌّ، فله شرطان:
أحدهما أن يكون الرق قد مسَّ أحدَ آباء ذلك الشخص الذي يثبت عليه الولاء؛ للعلم بأن حرَّ الأصل لا ولاء عليه لأحد.
وثانيهما: ألاّ يكون ذلك الشخص قد مَسَّه رِقٌّ؛ لأنه لو مسه رِقّ لكان عليه ولاء المباشرة٤.
فإذا ثبت الولاءُ على العتيق بمباشرة الإعتاق، أو عتق في ملكه أي ملك السيد كما إذا اشترى نفسه من سيده استَرْسَل٥ الولاء على عتقائه، وعتقاء عتقائه، وهكذا عتقاء عتقاء عتقائه وإن بعدوا. وعلى أولاده، وأولاد أولاده
_________________
(١) ١ تقدم تعريف السراية ص ٢٣٨. ٢ وهو ولاء السراية. ٣ في (ج): ثبت. ٤ راجع: العزيز شرح الوجيز ١٣/٣٧٨، وروضة الطالبين ١٢/١٧١، ومغني المحتاج ٤/٥٠٨، وفتح القريب المجيب ٢/١٢٠، والتحفة الخيرية ٢٢٥. ٥ الاسترسال: السكون والثبات (لسان العرب ١١/٢٨٣، والقاموس المحيط مادة رسل ١٣٠٠) .
[ ٢ / ٦٠٧ ]
وإن سَفَلوا إلا إذا كان أولاده وأولاد أولاده فيهم مَن مسه رِقٌّ وعتق، فإنّ ولاءَه لمعتقه؛ لتخلف الشرط الثاني.
فإن لم يكن له معتق موجود، بل مات، أو قام به مانع فلعصبات معتقه على ما سبق بيانه.
فإن لم يكونوا موجودين فلبيت المال [إن انتظم] ١، ولا ولاء عليه لمعتق الأصول بحال؛ لأن ولاء المباشرة أقوى من ولاء السراية. وإلاَّ أن يكون ولد مَن [يثبت] ٢ عليها الولاء أبوه حر الأصل فلا ولاء عليه على الصحيح؛ لتخلف الشرط الأول لأن الولاء لحمة كلحمة النسب، والانتساب إلى الأب وهو حرّ الأصل لا ولاء عليه لأحد، فكذا ولده. وهذا هو الوجه المعتمد.
والوجه الثاني: عليه الولاء لموالي أمه تبعًا لأمه.
ورُدَّ بأن ابتداء حرية الأب تُبْطِل دوام الولاء لموالي الأم كما سيأتي، فدوام الحرية أولى بأن يمنع ثبوت الولاء لمواليها.
والوجه الثالث: إن كان أبوه متيقن الحرية بأن يكون عربيًا معلوم النسب فلا ولاء عليه. وإن لم يكن متيقن الحرية، بأن حكم بحريته بناءً على ظاهر الدار فعليه الولاء لموالي أمه؛ لضعف حرية الأب.
ورُدَّ بأن الأصل في الناس الحرية٣.
_________________
(١) ١ في نسختي الفصول: المنتظم. ٢ في نسختي الفصول: ثبت. ٣ راجع: الحاوي الكبير ٢٢/١١١، وحلية العلماء في معرفة مذاهب الفقهاء ٦/٢٥٦، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٨/٤٠٤، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٧٨، وروضة الطالبين ١٢/١٧١.
[ ٢ / ٦٠٨ ]
فإاذ اجتمع للشخص مُعتِقا أصله، واختلفت جهاتهما، بأن كان أحدهما معتِق أحد أصوله من جهة الأب ذكرًا كان العتيق أو أنثى. والآخر معتِق أحد أصوله من جهة الأم ذكرًا كان [العتيق أو أنثى] ١ قُدِّم جهةُ معتِق / [١١٨/٥٨أ] أبيه على جهة معتِق أمِّه حتى تكون العصوبةُ لمعتق أحد الآباء، وإن بَعُد معتِق إحدى الأمهات وإن قرب، فيقدم معتق أبيه على معتق أمه، ومعتق أبي أبيه على معتق أم أمه، وعلى معتق أمه، وهكذا.
وإنما قال: ﴿جهة معتِق أبيه﴾ ليشمل المعتق وعصبة المعتق.
وفي الروضة في باب الوصايا: آباء فلان: أجداده من الطرفين، وأمهاته جداته من الطرفين. هكذا ذكره أبو منصور٢ وغيره. وحكى الإمام وجهين أحدهما هذا.
وأصحهما عنده، [لا يدخل] ٣ الأجداد من جهة الأم في الآباء. ولا الجدات من جهة الأب في الأمهات. هذه عبارة الروضة٤.
_________________
(١) ١ في (ب): أو العتيق أنثى. ٢ هو الأستاذ أبو منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد التَّميمي البغدادي تفقه على إمام الحرمين وأبي إسحاق الإسفراييني إلى أن برع ودرّس في سبعة عشر علمًا توفي سنة ٤٢٩هـ، ودفن في إسفراين وله مصنف في الدوريات في الطهارات وغيرها. (تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢٦٨، وطبقات الشافعية للإسنوي ١/٩٦، والعقد المذهب في طبقات حملة المذهب ٨٥) . ٣ في (هـ): تدخل. والمثبت من باقي النسخ موافق للروضة. ٤ روضة الطالبين ٦/١٧٨.
[ ٢ / ٦٠٩ ]
والمصنف [تبع هنا] ١ تصحيح الإمام في الآباء والأمهات، ولو حملنا كلام المصنف على ما ذكره أبو منصور وغيره لكان قوله «لمعتق أحد الآباء دون معتق إحدى الأمهات» صريحًا في تقديم الذكر على معتق الأنثى مطلقًا، حتى يُقدَّم معتِق أبي الأم على معتق أم الأب، لأن آباء الأم من الآباء وأم الأب من الأمهات. وليس كذلك، وإنما الحكم تقديم معتق جهة الأب على معتق جهة الأم حتى يُقدَّم معتِق أم الأب على معتق أم الأم، وعلى معتق أبي الأم، وعلى معتِق الأم أيضًا.
وكذا يُقدَّم معتِق أبي أبي الأب ومعتق أم أبي الأب على كل من معتقي أم أم الأم، وأبي أم الأم، وأبي أبي الأم، وعلى معتق أم الأم، ومعتق أبي الأم ومعتق الأم، لأن جهة الأبوة أقوى من جهة الأمومة.
فإن اتحدا جهة بأن كان الأصلان العتيقان من جهة أبيه فقط أو من جهة أمه فقط، واختلفا ذكورة وأنوثة قُدِّم معتق الذكر على معتق الأنثى سواء تساويا قربًا، أو اختلفا فيقدم معتق أبي الأب على معتق أم الأب، ومعتِق أبي أبي الأب علة معتق أم أبي الأب وإن تساويا قربا ومعتق أبي أبي الأب على معتق أم الأب. وإن كان أبعد لقوة جهة الأبوة. وكذلك يقدم معتق أبي الأم على معتق أم الأم، ومتق أبي أبي الأم على معتق أم أبي الأم وعلى معتق أم الأم، وعلى معتق الأم، لما تقدم.
_________________
(١) ١ في (هـ): هنا تبع.
[ ٢ / ٦١٠ ]
فإن استوى عتيقاهما المتحدا الجهة ذكورة، [أو] ١ أنوثة قدم الأرب أي معتق الأقرب إلى الميت، فيقدَّم معتقُ الأبِ على معتِق الجد أبي الأب، ومعتِقُ الجد على معتِق أبي الجد، وكذا يقدَّم معتقُ الأم على معتِق أم الأم، ومعتِقُ أبي الأم على معتِق أبي أبي الأم، لقوة القرب٢.
وليس في لاء المباشرة انجرار من جهة إلى جهة.
وولاءُ السراية [هو] ٣ محلُ الانجرار٤، لأن النعمة بالسراية أضعفُ من النعمة بالمباشرة.
ومعنى انجرار الولاء انقطاعُه من موالي الأم، وثبوته / [١١٨/٥٨ب] لموالي الجدِّ وقتَ عتقه، أو انقطاعه من موالي الأم، أو من موالي الجد، وثبوته لموالي الأب وقت عتقه٥.
_________________
(١) ١ في نسختي الفصول: و. ٢ راجع: مختصر المزني مع الأم ٨/٣٣١، والحاوي الكبير ١٠/٢٩٤، والمهذب ٢/٢٧، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٥/٤٣، وشرح السنة ٨/٣٥٠، والعزيز شرح الوجيز ٦/٤٨٠، وروضة الطالبين ٦/٢١، وفتاوى السبكي ٢/٢٢٥. ٣ في نسختي الفصول: وهو. ٤ الجر في اللغة: الجذب. (لسان العرب ٤/١٢٥، والقاموس المحيط مادة جر ٤٦٣) . ٥ وجر الولاء ثابت عند كافة أهل العلم، والأصل فيه الإجماع. (راجع: بدائع الصنائع ٤/١٥٩، المعونة على مذهب عالم المدينة ٣/١٤٥٨، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٨٧، والإفصاح عن معاني الصحيح ٢/١٠٨) .
[ ٢ / ٦١١ ]
فإذا تزوج رقيق تمحض رق أصوله مُعتَقةً بفتح التاء فأوْلدَها ولدًا فإنَّ الولدَ حرٌ، لأنه يتبع أمه رقًا وحرية ويثبت عليه الولاء لموالي أمه واسترسل الولاء على أولاده وحفدته وإن نزلوا وعلى من يُعتقهم هو أوعتيقه، أو عتيق عتيقة، وهكذا لأنا عجزنا عن إثبات الولاء من جهة الأب، إذ لا ولاء عليه، ولمعتق الأم على هذا الولد نعمة، فأثبتها له الولاء عليه، وعلى أولاده وحفدته وعتقائه، والحفدة بالدال المهملة جمع حافد، وهو ولد الولد. ويطلق أيضًا على الخَدَم والأصهار، والأعوان١. والمراد هنا الأول.
[فإن] ٢ أُعتِق الأب بضم الهمزة وكسر التاء انجرّ الولاء من موالي الأم إلى معتِق الأب، وتقرر.
وبه قال عمر، وعثمان٣، وعلي، وابن مسعود، وزيد بن ثابت -﵃ أجمعين٤- لأن ثبوت الولاء لموالي الأم كان لضرورة أنه لا ولاء على الأب، فإذا عتق الأب وثبت عليه زالت الضرورة فرددناه إلى موالي الأب. وبطل ما كان قد ثبت لموالي الأم حتى لا يعود إليهم بانقراض
_________________
(١) ١ راجع مادة حفد في مفردات ألفاظ القرآن ٢٤٤، ولسان العرب ٣/١٥٣، والقاموس المحيط ٣٥٤. ٢ في (هـ): فإذا. ٣ هو عثمان بن عفان بن أبي العاص، أمير المؤمنين وثالث الخلفاء الراشدين ذو النورين وأحد العشرة المبشرين بالجنة استشهد سنة ٣٥هـ، -﵁-. (أسد الغابة في معرفة الصحابة ٣/٤٨٠، وتهذيب الأسماء واللغات ١/٣٢١، والإصابة في تمييز الصحابة ٤/٢٢٣) . ٤ راجع: سنن البيهقي كتاب الولاء، باب في جرّ الولاء ١٠/٣٠٦.
[ ٢ / ٦١٢ ]
موالي الأب بل بكون الإرث عند انقراضهم لبيت المال المنتظم١ فلو كان المعتق بفتح التاء هو جد الولد أبو أبيه، والأب حي رقيق فالأصحّ في الولاء انجراره عن موالي الأم إلى موالي الجد أيضًا وبه قال مالك٢ لكن لا يستقر
_________________
(١) ١ اختلف العلماء فيما إذا أعتق الأب هل يجر ولاء بنيه لمواليه أم لا؟ إلى قولين: القول الأول أنه يجر وهو قول الأكثرين من الصحابة والتابعين والفقهاء وقاله من الصحابة عمر وعثمان وعلي والزبير وابن مسعود وزيد بن ثابت وابن عباس ﵃، ومن التابعين الحسن وابن سيرين وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وشريح والشعبي والأسود، ومن الفقهاء الحكم والأوزاعي والليث بن سعد والثوري وأبو حنيفة والشافعي ومالك وأحمد وإسحاق. والقول الثاني: أنه لا يجر. فإن انقرض معتق الأم لم ينتقل إلى معتق الأب وكان لكافة المسلمين قاله من الصحابة رافع بن خديج، ورواية شذت عن زيد بن ثابت، ومن التبعين مالك بن أوس ابن الحدثان ومجاهد والزهري وعكرمة وميمون بن مهران وعبد الملك بن مروان، ومن الفقهاء داود وأهل الظاهر، احتجاجًا بقول النبي ﷺ: "الولاء لحمة كلحمة النسب" ثم ثبت أن النسب معتبر إذا ثبت في جنبة لم ينتقل إلى غيرها كذلك الولاء، ودليل الجمهور من جر الولاء: قول النبي ﷺ: "الولاء لحمة كلحمة النسب" ثم ثبت أن النسب معتبر بالآباء دون الأمهات كذلك الولاء معتبر بالآباء دون الأمهات فالولاء كالنسب والولد ينسب إلى أبيه. راجع: المبسوط ٨/٨٧، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/٤٤٥، والحاوي الكبير ٢٢/١٢١، والإيجاز في الفرائض خ٨٢، والكفاية في الفرائض خ٣٩، وشرح السنة ٨/٣٥٣، وفتاوى السبكي ٢/٢٣٧، وشرح الجعبرية خ١٣١، والمغني ٩/٢٢٨، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢/١٠٨. ٢ هذه مسألة أخرى أيضًا وهي ما إذا أُعتق الجد أبو الأب، والأب حي رقيق فهل يجر الجد ولاء حفدته وأبوهم عبدٌ وقد اختلف الفقهاء فيها: فالقول الأول: أنه يجر ولاء حفدته وهذا قول مالك، وهو الأصح عند الشافعية -كما ذكر المؤلف ورواية عن الإمام أحمد. =
[ ٢ / ٦١٣ ]
الولاء لموالي الجد على هذا الوجه الأصح، حتى لو أُعتق الأب بعد ذلك انجر الولاء من موالي الجد إلى مولاه أي الأب، لأن الجد إنما جرّ الولاء لكون الأب رقيقًا، فإذا عتق كان وليه أولى بالانجرار إليه.
ومقابلُ الأصحِّ وجهٌ عن ابن أبي هريرة١، والطبري٢ أن الولاء لا ينجر إلى [موالي] ٣ الجد [بعتقه] ٤ في حياة الأب رقيقًا، بل يستمر لموالي الأم
_________________
(١) = وذلك لأن الجد أبٌ -كما تقدم في فصل الجد- ويقوم مقام الأب في التعصيب وأحكام النسب فكذلك في جرّ الولاء. والقول الثاني: أنه لا يجر ولاء حفدته وهذا قول أبي حنيفة وصاحبيه، ووجه عند الشافعية وذلك لأن الأصل بقاء الولاء لمستحقه، وإنما خولف هذا الأصل للاتفاق على أنه ينجر بعتق الأب، والجد لا يساويه، بدليل أنه لو عتق الأب بعد الجد جرَّه عن موالي الجد إليه، ولو أسلم الجد لم يتبعه ولد ولده، ولأن الجد يدلي بغيره ولا يستقر الولاء عليه فلم يجر الولاء كالأخ وكونه يقوم مقام الأب لا يلزم أن ينجر الولاء إليه. (راجع: المبسوط ٨/٩٠، وشرح السراجية ٩٨، والمعونة على مذهب عالم المدينة ٣/١٤٥٨، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد ٢/٤٤٥، وعقد الجواهر الثمينة ٣/٣٧٣، والحاوي الكبير ٢٢/١١٠، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٩٠، والمغني ٩/٢٣١) . ١ هو القاضي حسن بن حسين تقدمت ترجمته ص٢٢٢. ٢ هو محمد بن عبد الملك بن خلف الطبري، السّلمي، الشافعي أبو خلف، فقيه من أصحاب الوجوه في مذهب الشافعي له مؤلفات منها المعين على مقتضى الدين، وشرح المفتاح في فروع الفقه الشافعي، توفي ﵀ سنة ٤٧٠هـ. (تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢٢٣، والعقد المذهب ١٨٦، وطبقات الشافعية لابن قاضي شهبة ١/٢٦٦) . ٣ في (ب)، (هـ): مولى. ٤ في (هـ): لعتقه.
[ ٢ / ٦١٤ ]
لأن الجد لا حكم له مع بقاء الأب. وبه قال أبو حنيفة١. وعلى هذا لو مات الأب رقيقًا هل ينجر الولاء من موالي الأم إلى موالي الجد بالعتق السابق، أو يستقر لموالي الأم؟ وجهان أصحهما وبه قطع البغوي٢ الانجرار٣ أما إذا عتق الجد بعد موت الأب رقيقًا انجر الولاء لموالي الجد قطعًا. فلو اشترى الولدُ المذكورُ وهو الذي ثبت عليه الولاء لموالي أمه، وأبوه رقيقٌ، أباه عتق عليه، وثبت له الولاءُ عليه أي ثبت للولد الولاء على أبيه مباشرة وجرّ الولدُ ولاءَ إخوته من أبيه، أو من أبويه، ذكورًا كانوا، أو إناثًا من موالي الأم إلى نفسه قطعًا.
وفي جرِّه ولاء نفسه عنهم وجهان أصحهما في شرحي الرافعي٤ وفي الروضة٥، والمنهاج٦: المنع أي منعُ الانجرار عن موالي الأم إليه، بل يستقر عليه الولاء لموالي أمه.
_________________
(١) ١ وصاحباه، كما تقدم قريبًا راجع: المبسوط في الفقه الحنفي ٨/٩٠، وشرح السراجية ٩٨. ٢ كما في التهذيب في فقه الإمام الشافعي ٨/٤٠٤. ٣ لأنه إنما لم ينجر لبقاء الأب رقيقًا فإذا مات زال المانع. والوجه الثاني: لا ينجر، لأنه لما امتنع انجر عند العتق واستقر الولاء لمولى الأم فلا جر بعد ذلك وراجع: الحاوي ٢٢/١١٠، والمهذب ٢/٢٨، والمعاياة في العقل ٢٢٩، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٨/٤٠٤، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٩٠، وروضة الطالبين ١٢/١٧٢، وشرح الجعبرية خ١٣٣. ٤ والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٩٠. ٥ وروضة الطالبين ١٢/١٧٢. ٦ منهاج الطالبين ٢١٢.
[ ٢ / ٦١٥ ]
ونُقِل عن النصِّ١ لأنه لا يمكن أن يكون له على نفسه ولاء ولهذا لو اشترى العبد نفسه عتق، وكان الولاء عليه لبائعه وذا المكاتب إذا عتق بالأداء -كما سبق-.
وإذا تعذر الجر / [١١٩/٥٩أ] بقي الولاء موضعه.
والثاني: من الوجهين، وينسب لتخريج ابن سريج٢، واختاره أبو خلف السَّلمي٣ وهو المصحَّح في المحرر٤ أنه يَجُّر ولاءَه لنفسه كما لو اشتراه أجنبي، ويسقط فيصير كالحرِّ لا ولاء عليه٥.
_________________
(١) ١ أي نقل عن نص الشافعي منع الانجرار. (روضة الطالبين ١٢/١٧٢، منهاج الطالبين ٢١٢) . ٢ هو أبو العباس أحمد بن عمر بن سُريج البغدادي، إمام أصحاب الشافعي في وقته، ويلقب بالباز الأشهب، ولد سنة بضع وأربعين ومائتين، وولي قضاء شيراز، وتوفي ببغداد سنة ٣٠٦هـ، له مصنفات كثير منها: التقريب بين المزني والشافعي، والأقسام والخصال في فروع الفقه الشافعي. (تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢٥١، وطبقات الشافعية للسبكي ٣/٢١، والنجوم الزاهرة ٣/١٩٤) . ٣ أبو خلف السَّلمي تقدمت ترجمته في الصفحة السابقة وهو بفتح السين المهملة وفتح اللام نسبة إلى بني سلمة حي من الأنصار وهذه النسبة وردت على خلاف القياس (الأنساب ٣/٢٨٠) . ٤ المحرر خ٢٠٠ وجاء في مغني المحتاج ٤/٥٠٩، ما نصه: قال في المهمات: والظاهر أن ما قع في المحرر سهو. ٥ قال الرافعي في العزيز ١٣/٣١٩: ويتصور ذلك في نكاح الغرور، وفي الوطء بالشبهة إذا اعتقت أم أمه يثبت الولاء عليه لمعتق أم الأم فإن عتق أبو أمه بعد ذلك انجر الولاء من معتق أم الأم إلى معتق أب الأم فإن أعتقت أم أبيه بعد ذلك انجر ولاؤه من معتق أب الأم إلى معتق أم الأب، فإن أعتق أبو أبيه بعد ذلك انجر الولاء من معتق أم الأب إلى معتق أب الأب أ-هـ. وراجع روضة الطالبين ١٢/١٧٢، ومغني المحتاج ٤/٥٠٩.
[ ٢ / ٦١٦ ]
قال الغزاليُّ في بسيطه: وأستبعدُ هذا من ابن سريج، وليس ببعيد عندي، فإنه صار أولى بنفسه من غيره، فيستفيد به قطع ولاء [موالي] ١ الأم عن نفسه. انتهى٢ والمعتمد عند الغزالي، والشيخين٣ وغيرهم الأول.
وإنما رَدَّ الغزاليُّ الاستبعاد ولم يرجح قولَ ابن سريج٤.
وإذا علق حرٌ بين حرين لم يمسهما رقٌ، وكان أجداده، وجداته أرقاء، فإذا عتقت أم أم هذا الحر ثبت الولاء عليه لمواليها ثم إذا عتق أبو أمه انجر الولاء إلى مواليه، ثم إذا [عتقت] ٥ أم أبيه انجر الولاء عن موالي أبي الأم إلى موالي أم الأب ثم إذا [عتق] ٦ أبو أبيه انجر الولاء إلى مولاه، وتقرر.
ولو كانت المسألة بحالها لكنْ أبوه رقيق ثم عتق بعد عتق هؤلاء انجر الولاء إلى موالي الأب واستقر٧.
ولو اعْتَق إنسانٌ أمته المزوجة حاملًا ولو في ظاهر الحال فالولد حر تبعًا لأمه سواء كان أبوه حرًا أو رقيقًا ويثبت عليه الولاء لموالي الأم إن كان أبوه
_________________
(١) ١ في (ب)، (ج): مولى. ٢ من البسيط خ٦/١٦٣. ٣ الرافعي والنووي. ٤ راجع: المهذب ٢/٢٩، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣١٩، وروضة الطالبين ١٢/١٧٢، ومنهاج الطالبين ٢١٢. ٥ في (ب): أعتقت. ٦ في (ب): أعتق. ٧ راجع: والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣١٩.
[ ٢ / ٦١٧ ]
رقيقًا مطلقًا سواء أتت به لدون ستة أشهر من إعتاقها، أو لأكثر إلى أربع سنين أو أكثر، سواء كانت فراشًا، أو غير فراش، لكنها إن أتت به لدون ستة أشهر فالولاء على الولد ولاء مباشرة لا يقبل الانجرار حتى إذا عتق الأب لا ينجر إلى مولاه.
وإن كان لأكثر منها وهي فراش كان ولاء سراية يقبل الانجرار إلى موالي الأب إذا عتق الأب. وإن لم تكن فراشًا، بأن فارقا الزوج وأتت به لأربع سنين فما دونها ثبت الولاء لموالي أمه أيضًا١.
وهل هو ولاء مباشرة، أو ولاء سراية حتى ينجر إلى موالي الأب إذا اعتقه؟ قولان من غير ترجيح، يأتيان في كلامه.
وخرج بقوله «أبوه» ما إذا أتت به لأكثر من أربع سنين من وقت مفارقة الزوج، فإن الولد منفي عنه، فليس هو [أباه] ٢ وولاؤه لموالي أمه أبدًا لا ينجر عنهم بعتق الزوج.
أو معتقًا بفتح التاء، أي وثبت عليه الولاء لموالي الأم إن كان أبوه عتيقًا وأتت به لدون ستة أشهر من الإعتقا وطئها الزوج، أو لم يطأها، لأنا تيقنا
_________________
(١) ١ راجع: الحاوي الكبير ٢٢/١١١، والتهذيب في فقه الإمام الشافعي ٨/٤٠٣، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٩٢، وروضة الطالبين ١٢/١٧٣. ٢ في (ب)، (ج)، (هـ): أبوه.
[ ٢ / ٦١٨ ]
وجوده وقت عتق أمه [لأن أقل الحمل ستة أشهر بالإجماع] ١ فمعتق أمه باشر إعتاقه بإعتاقها، وولاء المباشرة مقدم، فهو [لمولى] ٢ الأم أو [أتت به] ٣ لأكثر من دون ستة أشهر بأن أتت به لستة أشهر فصاعدًا -كما في الشرح٤ والوروضة٥- ولم يطأها الزوج بعد العتق فيثبت ولاؤه لموالي أمه مباشرة في الأصح لأن ثبوت النسب يدل على تقدير وجوده. ومقابل الأصح وجه أنه لموالي الأب، لأن النسب يكفي فيه الإمكان، بخلاف الولاء. [والمعتمد الأول] ٦ وإلا فلمولى الأب أي وإن لم تأت به لدون ستة أشهر، ولا لأكثر من دون ستة أشهر، والحال أن الزوج لم يطأها بعد العتق، فالولاء على الولد لموالي الأب / [١١٩/٥٩ب] إن أتت به لأكثر من أربع سنين مطلقًا وطئها، أو لم يطأها. وأتت به لدونها، وهي فراش للزوج لأنا ل نعلم وجوده وقتَ الإعتاق، والأصل عدمه، والافتراش سبب ظاهر في حدوثه٧.
_________________
(١) ١ ساقط من (ب)، (ج)، وانظر الإجماع في كتاب الإجماع لابن المنذر ١٠٣، والإفصاح عن معاني الصحاح ٢/١٧٧. ٢ في (هـ): لموالي. ٣ في (ب)، (ج): ولدته. ٤ والعزيز شرح الوجيز ١٣/٣٩٢. ٥ روضة الطالبين ١٢/١٧٣. ٦ في (هـ): والأول هو المعتمد. ٧ انظر المراجع السابقة.
[ ٢ / ٦١٩ ]
[وإذا] ١ ثبت الولاء لموالي الأم في صورة ما إذا فارقها زوجها الرقيق، وأتت بالولد لأربع سنين فما دونها من وقت عتقها واُعْتِق أبوه بعد ذلك ففي انجرار الولاء إلى معتِق الأب قولاء من غير ترجيح في الشرح٢، ولا في الروضة٣.
أحدهما: وبه جزم ابن الصباغ٤، والرُّوياني أنه لا ينجر لأنه ولاء مباشرة، لأنا جعلنا الولد موجودًا وقت الاعتاق لثبوت نسبه من الزوج.
والثاني: ينجر ونجعله حادثًا بعد عتق الأم، ويخالف النسب فإنه يثبت بمجرد الإمكان. والقياس ترجيح الأول٥.
وأَطْلَق المصنف العبارة هنا. والصواب حملها على ما ذكرنا، وقد بينا تفصيل [صور] ٦ المسألة عند قوله: "إن كان أبوه رقيقًا".
_________________
(١) ١ في (هـ): وإذ. ٢ العزيز شرح الوجيز ١٣/٢٩٢. ٣ روضة الطالبين ١٢/١٧٤. ٤ هو عبد السيد بن محمد بن عبد الواحد بن أحمد بن جعفر البغدادي، الشافعي المعروف بابن الصباغ أبو نصر، فقيه، أصولي متكلم ولد ببغداد سنة ٤٠٠هـ، ودرس بالنظامية، وتوفي في بغداد سنة ٤٧٧ ودفن بمقبرة الإمام أحمد. له مؤلفات كثيرة منها: الشامل في الفقه، والكامل في الخلاف بين الشافعية والحنفية، وكفاية المسائل، وغيرها. (تهذيب الأسماء واللغات ٢/٢٩٩، وطبقات الشافعية للسبكي ٥/١٢٢، والنجوم الزاهرة ٥/١١٩) . ٥ انظر المراجع السابقة والمهذب ٢/٢٩. ٦ في (ج): صورة.
[ ٢ / ٦٢٠ ]
ولو التحق العتيق الذمي بدار الحرب ثم [أُسر] ١ لم يجز استرقاقُه إن كان المعتق مسلمًا لأن المسلم لا يسْتَرقّ فكذا عتيقه، ولأن في استرقاقه إبطال حق المسلم من الولاء.
وجاز استرقاقُه إن كان المعتِق ذمياّ، لأن الذمي لو التحق بدار الحرب وسبي جاز استرقاقه، فعتيقه أولى بأن يُسترق في الأصحّ في المسألتين.
ومقابل الأصح في الأولى وهي ما إذا كان المعتِق مسلمًا جواز استرقاق العتيق، تخريجًا من أن إسلام الحربي قبل الأسر لا يعصم زوجته الحربية، فكذا عبده.
وفُرق بأن الولاء لا يرتفع بخلاف النكاح.
ومقابل الأصح في الثانية: لا يسترق عتيق الذمي، لأن مال الذمي مصون عن الاغتنام، فكذا عتيقه.
فلو التحق السيدُ بدار الحرب فاسْتُرِقّ لم يبطل ولاؤه على عتيقه في الأصحّ حتى لو أُعتِق بضم الهمزة، [وكسر التاء] ٢ كان ولاؤه السابق ثابتًا عليه أي على عتيقه، وهو ولاء مباشرة ولمعتِقه أي معتِق السيد أيضًا الولاءُ على عتيقه [سراية] ٣ لأنه عتيقُ عتيقِه.
_________________
(١) ١ في (ج): استرق. ٢ ساقط من (ج) . ٣ في (ج): بسراية.
[ ٢ / ٦٢١ ]
وقيل يبطل ولاء السيد باسترقاقه كما يبطل ملكه، حتى إذا [عتق] ١ لا يكون له على عتيقه ولاء، لأنه بطل. والمعتمدُ الأولُ فلو ملكه عتيقه بأن اشتراه من السابي، أو من غيره أو اتهبه، ونحو ذلك فأعتقه كان لكلِّ منهما الولاءُ على الآخر ولاء مباشرة تفريعًا على الأصح المعتمد٢.
وهذا كما لو أعتَق مَن عليه الولاء لموالي أمه، وأبوه رقيقٌ عبدًا فلملك هذا العتيقُ أبا سيده [فأعتقه] ٣ فالعتيق مولى أبي سيده مباشرة، ومولى سيده سراية لأنه لما أعتق أبا سيده انجر ولاء سيده من موالي أمه إليه فصار له على سيده ولاء السراية، ولسيده عليه ولاء المباشرة، [فلكل] ٤ واحد منهما الولاء على صاحبه.
ولو اشترى أخٌ وأختٌ أباهما / [١٢٠/٦٠أ] نصفين عَتق عليهما بدخوله في ملكهما وصار كل منهما مولى نصف أبيه مباشرة ومولى نصف أخيه سراية. فإذا مات الأب بعد موت الأخ عن هذه البنت وحدها فلها من ميراث الأب سبعة [أثمانه] ٥: النصف بالفرض لأنها بنته ونصف الباقي [وهو الربع بولاء أبيها أي بولائها على نصف أبيها مباشرة لأنها معتقة نصفه
_________________
(١) ١ في (ب): أعتق. ٢ راجع المهذب ٢/٢٦، وشرح الجعبرية خ١٤٠. ٣ في (هـ): وأعتقه. ٤ في (ج): ولكل. ٥ في (هـ): أثمان.
[ ٢ / ٦٢٢ ]
بالشراء. ونصف الباقي] ١ وهو الثمن بولاء أخيها أي بولائها على نصف أخيها سراية، لأن الربع الباقي كان للأخ لو كان حيًا لولائه على نصف أبيه، مباشرة، فإذا كان ميتًا أخذت نصفه، لأن لها نصف ولاء الأخ لأنها معتقة نصف أبيه فأخذت البنت نصف تركة أبيها بالفرض وربعها بولاء المباشرة، وثمنها بولاء السراية٢.
ولو اشترى الأبُ في الصورة المذكورة وهي أخ وأخت اشتريا أباهما نصفين فعتق عليهما عبدًا وأعتقه، ومات العتيقُ بعد موت الأخ والأب ولم يخلّف إلا البنت فلها ثلاثة أرباع ميراثه: النصفُ لأنها معتِقَةُ نصف معتِقه فهو ولا سراية ونصف الباقي وهو الربع لثبوت ولاء السراية على نصف الأخ بإعتاقها نصف أبيه فهي معتقة نصف أبي معتق معتقه٣.
ولو مات الأخُ بعد موتِ الأب [ولم يخلّف سواها] ٤ وخلف أخته فقط فلها ثلاثة أرباع إرثه: النصفُ بالأخوّة فرضًا، والربعُ بأنها معتقة نصفُ أبيه فهو بولاء السراية. والربع الباقي في الصورتين لبيت المال المنتظم.
_________________
(١) ١ ساقط من (ج) . ٢ راجع: العزيز شرح الوجيز ١٣/٢٩٧، وروضة الطالبين ١٢/١٧٩، وفتاوى السبكي ٢/٢٥٣، وشرح الجعبرية خ١٣٨. ٣ انظر المراجع السابقة. ٤ زيادة من نسختي الفصول.
[ ٢ / ٦٢٣ ]
ولو كانت البنتُ هي المنفردة بشراء أبيها، وبعتقِه عليها ثم أعتق الأب عبدًا، ومات الأب، ثم مات بعد الأب عتيقُه وخلَّف الابنَ والبنتَ فميراثه للابن دون البنت، لأنه عصبة المعتِق من النسب. وهي أي البنت معتقه المعتق فهي متأخرة عن عصبة النسب. وهذه مسألة القُضاة١ لقبت بذلك لأنها غلط فيها من المتقدمين أربعمائة قاض غير المتفقهة، فجعلوا الميراثَ للبنت فقط، لأنهم رأوها عصبة المعتِق بولائها عليه، لأنها معتقةُ المعتِق، وغَفَلوا عن كون عصبةِ المعتق من النسب مقدَّمين على معتِق المعتِق٢.
ولو خلّف إنسانٌ أبا معتقه، ومعتق أبيه فالميراث لأبي معتقه، لِما سبق من أن ولاء المباشرة أقوى من ولاء السراية، وهذا الإنسنان عليه ولا مباشرة لأنه إذا كان له أبو معتق فله معتق ضرورة، وحينئذ لا ولاء لمعتق أبيه أصلًا، لأن ولاء المباشرة مقدَّم. وهذه الصورة من المسائل التي يشتبه فيها حكم الولاء، ويغالط به فيقال: اجتمع أبو معتقه، ومعتق أبيه، أيهما أولى بالميراث؟ فربما يغلط المسؤول في الجواب، فإذا تأملها لم يجد لمقابله أحدهما بالآخر وطلب الأولوية معنى، فنبه المصنف عليها تبعًا للأصحاب٣. وختم الفصل بمسألة من الدوريات فقال: أختان لا ولاء عليهما لأحد [اشترتا] ٤ أمهما
_________________
(١) ١ وستأتي أيضًا في فصل الملقبات ص ٧٧٩. ٢ راجع: العزيز شرح الوجيز ١٣/٣٩٧، وروضة الطالبين ١٢/١٧٧، وإخلاص الناوي ٢/٥١٣، وشرح الجعبرية خ١٣٨، ومغني المحتاج ٢/٢١. ٣ انظر المراجع السابقة. ٤ في (ج): اشتريا.
[ ٢ / ٦٢٤ ]
نصفين فعتقت عليهما بالشرع، وثبت / [١٢٠/٦٠ب] لهما عليها ولاء المباشرة ثم تشاركت الأم وأجنبيٌّ في شراء أبي الأختين وفي إعتاقه نصفين فللأم والأجنبي على أبي الأختين الولاء مباشرة، وعلى الأختين سراية، وللأختين على نصف أبيهما الولاء سراية، لأنهما [معتقتا] ١ مُعْتِقَة نصفه فماتت أمهما فلهما ثلثا تركتها بالفرض، وباقيها بالولاء، ثم مات الأب فلهما ثلثا تركته بالفرض، والباقي نصفه لهما بولاء السراية، ونصفه للأجنبي بولاء المباشرة ثم ماتت إحدى الأختين بعد موت الأبوين وخلفت الأخت الأخرى والأجنبيَّ فقط فلها نصفُ مالها أي فللأخت الحية نصفُ تركة الأخت الميتة بالفرض لأنها أختها، ونصف الباقي وهو الربع للأجنبي، لأنه أعتق نصف أبيهما. والربع الباقي كان للأم لو كانت حية لأنها معتقة النصف الآخر فهو للأختين لأنهما [معتقتاها] ٢ فتأخذ الأخت الباقية نصفه وهو الثمن، وترجع حصة الميتة إلى من له ولاؤها وهو الأجنبي والأم [ويرجع نصيب الأم] ٣ إلى الحية والميتة.
وحصة الميتة إلى الأجنبي والأم. وهكذا يدور أبدًا هذا السهم فلا ينقطع وهو سهم الدور سمي به لذلك٤.
_________________
(١) ١ في (ج): معتقا. ٢ في (هـ): معتقاها. ٣ في نسختي الفصول: وما للأم يرجع. ٤ لأنه خرج من الميتة ثم دار إليها.
[ ٢ / ٦٢٥ ]
وفيما يُفْعَلُ به وجهان في المذهب: أحدهما مِن تخريج ابن الحدَّاد١.
والثاني للشيخ أبي علي٢ فعند ابن الحدَّاد يجعل سهم الدور في بيت المال ويعطي للأخت خمسة أسهم، وللأجنبي سهمان، وتصح من ثمانية.
وهذا الوجه عليه الأكثر من أصحاب الشافعي، كما نقله أبو خلف الطبري وإليه يميل كلام ابن اللبان٣، لأن سهم الدور لا يمكن صرفه بنسب ولا بولاء٤. وفي كلام الشرح٥ والروضة٦ إيماءٌ لترجيحه.
_________________
(١) ١ هو محمد بن أحمد بن محمد بن جعفر المصري، الشافعي المعروف بابن الحداد، أبو بكر، فقيه كان إمامًا في الفقه والعربية، انتهت إليه إمامة مصر في وقته ولد سنة ٣٦٤هـ، وولي القضاء بمصر وتوفي -﵀- سنة ٤٤٥هـ. له مؤلفات منها أدب القضاء، والفتاوى وجامع الفقه، والمولدات في فروع الفقه، والفرائض. (تهذيب الأسماء واللغات ٢/١٩٢، ووفيات الأعيان ٤/١٩٧، والعبر في خبر من غبر ٢/٦٨) . ٢ ابن أبي هريرة وتقدمت ترجمته. ٣ راجع الإيجاز في الفرائض خ٨٤. ٤ أي فلا يعلم له مستحق. ٥ العزيز شرح الوجيز ١٣/٤٠٠ وجاء فيه ما نصه: قال ابن الحداد يجعل في بيت المال، لأنه لا يمكن صرفه بالنسب ولا بالولاء والثاني: حكاه الشيخ أبو علي عن بعض الأصحاب، وحكاه الإمام عن الشيخ -﵏- أنه يقطع السهم الدائر وهو الثُمن، ويجعل كأنه لم يكن، ويقسم المال على باقي السهام وه وسبعة خمسة منها للأخت الباقية وسهمان للأجنبي، وزيف الإمام الوجهين بأن الولاء ثابت ونسبة الدور معلومة فيجب تنزيل السهم الدائر وقسمته على تلك النسبة. ٦ روضة الطالبين ١٢/١٨١ وفيها ما نصه: وفيما يفعل به وجهان. قال ابن الحداد: يجعل في =
[ ٢ / ٦٢٦ ]
وقيل يسقط سهم الدور، ويجعل كأنه لم يكن ويُقسم المال على سبعة، باقي السهام. خمسةٌ للأخت، وسهمان للأجنبي وهذا قولُ أبي علي فالسهام على هذا أسباع، وعلى الأول أثمان.
وضعَّف إمامُ الحرمين الوجهين جميعًا، وسلك طريقًا آخر في القسمة نبه عليه المصنف بقوله: وقال الإمام ومن تابعه: يجعل ثلثا المال للأخت، وثلثه للأجنبي، لأن الحاصل لها بعد نصفها نصف ما يحصل للأجنبي أبدًا فيجعل المال ستة أسهم للأخت نصفها ثلاثة بالنسب، ويبقى ثلاثة للأجنبي سهمان وللأخت سهم، فلها من الجملة الثلثان، وله الثلث، وتصح بالاختصار من ثلاثة.
قال الإمامُ: وهذا هو الوجه. وقطع به أيضًا الغزالي وجعل الوجهين غلطًا، فقال في بَسيطه: إنَّ جَعْل سهم الدور في بيت المال فاسد، لأنه في كل
_________________
(١) بيت المال، لأنه لا يمكن صرفه بنسب أو ولاء. والثاني: يقطع السهم الدائر وهو الثمن ويجعل كأن لم يكن، ويقسم المال على باقي السهام وهو سبعة: خمسة للأخت الباقية، وسهمان للأجنبي. وزيف الإمام الوجهين وقال: الوجه أن يفرد النصف، ولا يدخله في حساب الولاء، وينظر في النصف المستحق بالولاء نصفه للأم، ونصفه للأجنبي، ومال الأم يصير للأختين، ثم نصيب إحداهما نصفه للأم، ونصفه للأجنبي، ونصيب الأم للأختين، فحصل أن للأجنبي ضعف ما للأخت سهامن وللأخت سهم، فجعل له الثلث ولها الثلثان من الجملة وبهذا قطع الغزالي، ونقل أبو خلف الطبري عن أكثر الأصحاب أن سهم الدور لبيت المال كما قال ابن الحداد، وإليه يميل كلام ابن اللبان أ-هـ.
[ ٢ / ٦٢٧ ]
كرَّة يدور ويرجع [منه] ١ شيئان إلى الأجنبي، وشيء إلى الأخت الحية لا يتعداهما فيقسم بينهما أثلاثًا، وتصح المسألة من ستة.
وغلط الشيخُ أبو علي في الحساب، لا في الحكم فقال: يقسم المال بينهما على سبعة أسهم، لأن الثمن هو الدائر فالمسألة من ثمانية فيقسم الثمن على بقية المال، وهذا خطأ صريح، لأنه أدخل في القسمة ما أخذته / [١٢١/٦١أ] الأخت بمجرد النسب وذلك لا ينبغي أن يدخل في الحساب، بل الباقي بعد ذلك النصف هو الذي يؤخذ بالولاء، فطريق القسمة ما ذكرناه قطعًا. انتهى٢.
وعزاه شيخُنا سراج الدين البَلقِيني إلى المحققين٣ وهو مذهبُ مالكِ، وبه جَزَم الحَوفي في فرائضه، وابنُ عَرَفة في مختصره٤، وكأنَّ الرافعيَّ والنووي
_________________
(١) ١ في (ج): عنه. ٢ من البسيط للغزالي خ٦/١٦٥. ٣ راجع: التلخيص ١/٤٩٦، والحاوي الكبير ٢٢/١١٣، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٤٠٠، وروضة الطالبين ١٢/١٨٠، وإخلاص الناوي ٢/٥١٤، وشرح الجعبرية خ١٣٩. ٤ اختلف الفقهاء في سهم الدور على أقوال عدّة، أشهرها ثلاثة أقوال: القول الأول: أنه يجعل في بيت المال، لأنه لا مستحق له كالمال الذي لا يعلم صاحبه وبه قال محمد بن الحسن، وهو قياس قول مالك والشافعي. القول الثاني: أنه لمولى أم الميتة، فيصير لها أربعة أسهم. وهذا قول لبعض الشافعية ويحتمل أنه قول احمد. القول الثالث: أنه يرد على جميع الموالي على قدر سهامهم بالولاء، ويسمى هذا المذهب قطع الدور. وهو مذهب مالك وقول إمام الحرمين وغيره. (راجع بدائع الصنائع ٤/١٦٨، والتلخيص في الفرائض ١/٤٩٧، والعزيز شرح الوجيز ١٣/٤٠٠، وعقد الجواهر الثمينة ٣/٣٧٤، والتهذيب في الفرائض ٣٩٥، والمغني ٩/٢٣٦) .
[ ٢ / ٦٢٨ ]
-رحمهما الله- رأيا بحث الإمام والغزالي قوي المدرك فأمسكا عن التصريح بالترجيح١.
ويقاسُ بهذه المسألة ما يرد من أشباهها من مسائل الدور كما إذا مات الأب في الصورة السابقة أولًا، ثم ماتت إحدى الأختين، ثم ماتت الأم، فمال الأب ثلثاه للبنتين بالبنوة بين الأم والأجنبي نصفين، لأنهما معتقاه.
وما للأخت ثلثه للأم، ونصفه للأخت [الحية] ٢، والباقي بين [الأم والأجنبي] ٣ نصفين لأنهما معتقا أبيها.
ومال الأم نصفه لبنتها فرضًا، وربعه لها تعصيبًا لأنها معتقة نصفها، والربع الباقي بين الأجنبي والأم نصفين لأنهما معتقا أبيها فنصفه وهو الثمن للأجنبي، والثمن الآخر للأم لو كانت حية لكنها ميتة فيرجع [لبنتيها] ٤ نصفه للحية، ونصفه الآخر بين الأم والأجنبي نصفه، ونصيب الأم يرجع [لبنتيها] ٥، وهكذا يدور أبدًا هذا السهم وهو الثمن.
_________________
(١) ١ كما في العزيز ١٣/٤٠٠، والروضة ١٢/١٨١. ٢ سقطت من (ب)، (ج) . ٣ في (هـ): الأجنبي والأم. ٤ في (ج): لبنتها. ٥ في (ج): لبنتها.
[ ٢ / ٦٢٩ ]
فقياسُ قولِ ابن الحداد وجمهورِ أصحابنا المتقدمين يوضع هذا الثمن في بيت المال، وقياس قول أبي علي يقسم المال على سبعة أسهم، سهم للأجنبي وستة للبنت.
وقياس قولِ الإمام والغزالي يُقسم سهم الدور بين البنت والأجنبي أثلاثًا، للبنت ثلثاه، وللأجنبي ثلثه فيسقط سهم الدور، ويقسم الباقي بعد نصف البنت على ثلاثة، سهم للأجنبي، وسهمان للبنت، وتصح من ستة، للبنت خمسة، وللأجنبي سهم.
ونقل الرافعيُّ١ والنووي٢ وغيرهما عن الفرضيين أنهم قالوا:
ولا يتحقق الدورُ٣ إلا بثلاثة شروط:
تعددُ المعتِق، وتعدّد من مات في المسألة، وألا يحوز الباقي منهم أي من الورثة إرث الميت قبله٤ وبالله التوفيق.
فإن اختل [شرط] ٥ واحد من هذه الشروط فلا دور، والله أعلم.
_________________
(١) ١ في العزيز شرح الوجيز ١٣/٤٠٢. ٢ في روضة الطالبين ١٢/١٨٢. ٣ أي دور الولاء. ٤ راجع: العزيز شرح الوجيز ١٣/٤٠٢، وروضة الطالبين ١٢/١٨٢، وفتح القريب المجيب ٢/١٢٤، والتهذيب في الفرائض ٢٩٥، والمغني ٩/٢٣٠. ٥ زيادة من (هـ) .
[ ٢ / ٦٣٠ ]