بسم الله الرحمن الرحيم
المقدمة
إن الحمد لله، نحمده، ونستعينه، ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مُضل له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله ﷺ.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ ١.
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ ٢.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ٣.
أما بعد٤:
_________________
(١) ١ سورة آل عمران: ١٠٢. ٢ سورة النساء:١. ٣ سورة الأحزاب: ٧٠- ٧١. ٤ هذه الخطبة تسمى عند العلماء بخطبة الحاجة، وتشرع بين يدي كل خطبة سواء كانت خطبة جمعة، أو عيد، أو نكاح، أو درس، وهى ثابتة عن رسول الله ﷺ، فقد رواها عنه ستة من أصحابه منهم ابن عباس، وابن مسعود، وجابر، وعائشة، وأخرجها مسلم في كتاب الجمعة من صحيحه (٨٦٨) ٢/٥٩٣، والإمام أحمد في مسنده من مسند ابن عباس ١/٣٥٠،=
[ ١ / ٥ ]
فإن علم الفرائض من أجلّ العلوم الشرعية وأشرفها؛ إذ هو من الفقه في الدين، ومن هدي سيِّد المرسلين. يدل على ذلك أن الله ﷾ قسم المواريث بنفسه وفصلها أيّما تفصيل، ففي ثلاث آيات من سورة النساء١ بَيَّن الله قسمة التركات، وحصر الورثة وأنصباءهم، بيانًا ترضى به النفوس، وتطمئن به القلوب.
ثم تولت السنة بيان ما أجملته الآيات القرآنية، وورَّثت بعض الأصناف كالجدّ، والجدة، وأوضحت شروط الإرث، وموانعه، حتى رست قواعد الميراث بشكل تعجز عنه عقول البشر، وقوانين الكفر.
وقد جاء الحث على تعلم الفرائض، وأنه أول علم يُنسى، فاهتم الصحابة- رضوان الله عليهم- بتحصيل علم الفرائض كسائر العلوم، ونبغ منهم فيه، واشتهر به أربعة: هم زيد بن ثابت، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن مسعود.
واهتم التابعون أيضًا بهذا العلم، حتى إن الخلفاء كانوا يختبرون العلماء بمسائل الفرائض، فعُرفت بعضُ المسائل بأسماء أصحابها كالمأمونية، والشُريحية، وغيرهما- مما سيأتي في فصل الملقبات-.
_________________
(١) =والبيهقي في كتاب النكاح من السنن الكبرى ٧/١٤٦، وأبو داود في كتاب النكاح (٢١٠٤) ٢/٤٢٠، وابن ماجه في كتاب النكاح (١٨٩٢) ١/٦٠٩، والحاكم في المستدرك كتاب النكاح ٢/١٨٢. ١ وهي الآيات: ١١، ١٢، ١٧٦ من سورة النساء.
[ ١ / ٦ ]
لذلك اهتم علماء الإسلام بالفرائض تعلمًا وتعليمًا، ودوَّنوا فيه المؤلفات، مختصرين ومطولين، مقتصرين على مذهب معين، ومقارنين، خدمة للعلم والإسلام.
وممن اشتهر بهذا العلم: شهاب الدين ابن الهائم، الشافعي﵀- فقد انتهت إليه رياسة علم الفرائض في زمانه.
واشتهر بعده بقرن فن الزمان: العلامة بدر الدين سبط المارديني، الذي تصدَّر، وأشير إليه، وصار رأسًا في هذا العلم، وكثرت مؤلفاته فيه، والتي من أشهرها شرحه لفصول ابن الهائم في الفرائض، الذي لا يزال مخطوطًا، رغم قيمة الكتاب، وشهرته، وقد يسر الله لي تحقيقه لنيل درجة الدكتوراه من المعهد العالي للقضاء، فشمَّرت عن ساعد الجد، وبذلت فيه الوسع والجهد حسب الطاقة.
فقسمت البحث في هذا الكتاب إلى قسمين:
القسم الأول: القسم الدراسي، ومادته مفصلة في فهرس الموضوعات آخر الكتاب.
القسم الثاني: قسم التحقيق، وقد سرت فيه على المنهج التالي:
أولًا: حققت الكتاب على خمس نسخ خطية – سيأتي وصفها- اخترت واحدة منها أصلًا، أثبتها في الأعلى ورمزت لها بـ الأصل، وقابلت باقي النسخ منها وأثبت الفروق بينها وبين سائر النسخ في الهامش.
[ ١ / ٧ ]
ومع أن الكتاب الأصل محقَّق- كما سأنبه عليه- إلا أنني قابلت على نسختيه المخطوطتين تحريًا للدقة، وتأكدًا من نص المتن.
ونظرًا لأن المؤلف مزج المتن بالشرح حتى صارا كالكتاب الواحد دون تمييز بينهما، وذكر في المقدمة أنه جعل المتن بالأحمر والشرح بالأسود، وهذا لا يتضح في التصوير الفوتوغرافي، إذ النُسَخ التي حققت عليها صورًا، فقد تطلب الأمر مني مقابلة المتن بالشرح، والتمييز بينهما، مما استغرق جهدًا ليس بالقليل وقد جعلت متن كتاب الفصول بالأحمر والشرح بالأسود كما صنع المؤلف.
ثانيًا: رقَّمت فصول الكتاب في الهامش، وصدّرت كلّ فصل بمراجعه من كتب الشافعية.
ثالثًا: ترجمت للأعلام الوارد ذكرهم في الكتاب بدون استثناء ترجمة موجزة مع ذكر مصادرها.
رابعًا: خرجت الآيات، والأحاديث والآثار الواردة من كتب الحديث، ونقلت كلام المحدثين حول درجتها.
خامسًا: شرحت الألفاظ الغريبة، والمصطلحات الفقهية، وعرَّفت البلدان الوارد ذكرها، وضبطت ما يحتاج إلى ضبط من الألفاظ.
سادسًا: وثَّقت النقول والمسائل الفقهية، خصوصًا المصادر التي يذكرها المؤلف فاجتهدت في التوثيق منها حتى ولو كانت مخطوطة.
[ ١ / ٨ ]
سابعًا: علَّقت على بعض المسائل الفقهية عند الحاجة.
ثامنًا: قد يأتي المؤلف أحيانًا ببعض الأقوال في المسألة، أو بعض من قالوا بقول فأذكر بقية الأقوال، وبقية القائلين ما وجدت إلى ذلك سبيلًا، وأرجح إذا ظهر لي القول الراجح، وأحيل القارئ إلى المراجع التي أخذت منها، وأرتب المراجع ما استطعت حسب تقدم الوفاة في كل مذهب.
تاسعًا: عملت الشبابيك للمسائل التي أوردها المؤلف، وذكرت خطوات الحلّ عند أول مسألة من كل فصل فيما يتعلق بقسمة التركات، ومثَّلْتُ لبعض المسائل التي لم يمثل لها المؤلف.
عاشرًا: عملت فهارس للآيات القرآنية، والأحاديث، والآثار، وغريب اللغة، والمصطلحات العلمية، والقوافي، والأماكن، والبلدان، والكتب الواردة في الكتاب، والأعلام، والمراجع، والمسائل الملقبة، والموضوعات بما يسهل الوصول إليها.
وبعد هذا فإني بذلت غاية ما أملك من جهد، واجتهدت في سبيل إخراج هذا الكتاب بصورة صحيحة، كما وضعه مؤلفه، أو قريب من ذلك، معتمدًا على الله تعالى، ثم على القواعد العلمية المتبعة في التحقيق.
وهذا لا يعني أنني قمت بكل ما يجب، بل أعلم أنني قصرت في بعض الأمور التي كان يجب الوقوف عندها طويلًا، لكن كما قيل: "ما لا يدرك كله لا يترك جله" فحسبي أنني قمت بإيصال هذا الكتاب القيّم إلى القارئ
[ ١ / ٩ ]
في هذه الحلة المناسبة، ليستفاد منه، ويطلع عليه بيسر وسهولة، ولو لم يكن من عملي إلا إخراج الكتاب كما أراده المؤلف وما سوى ذلك نافلة.
وفي الختام أتوجه إلى الله ﵎ بالحمد والشكر على نعمه التي لا تعد ولا تحصى، ولا تحصر ولا تستقصى.
ثم أشكر جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية والقائمين عليها على ما يبذلونه من جهود في خدمة العلم وطلابه، وأخص بالشكر مدير وأعضاء هيئة التدريس بالمعهد العالي للقضاء على ما قدموه لي من النصح والمشورة أثناء عملي في الكتاب أسأل الله تعالى أن يجمعنا وإياهم ووالدينا بالحبيب محمد ﷺ في جنات النعيم إنه ولي ذلك والقادر عليه وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه.
المحقق: أحمد بن سليمان العريني
١/٧/١٤١٩هـ
[ ١ / ١٠ ]