اختلف شراح الحديث في المعنى الإجمالي لهذا الحديث على قولين:
القول الأول: وهو المشهور عند كثير من شراح الحديث، وممن ذكر ذلك الخطابي، وابن بطال، والبغوي، وابن دقيق العيد، والحافظ ابن حجر، والعيني، والصنعاني، والشوكاني، وعبد العظيم آبادي١، ونص عليه من الفرضيين الشيخ عبد الله الشنشوري، والشيخ إبراهيم الباجوري، والشيخ العلامة صالح بن فوزان ٢.
ويتلخص معنى هذا الحديث على هذا القول: اعطوا الفرائض المقدرة لمن سماها الله لهم فما بقي بعد هذه الفروض، فيستحقه أولى الرجال أي لأقرب رجل ذكر.
القول الثاني: ذكره الحافظ ابن رجب واختاره: أن المراد بقوله ﵊ " ألحقوا الفرائض بأهلها " وقوله ﵊ " اقسموا المال بين أهل الفرائض " جملة من سماه الله في كتابه من أهل المواريث من ذوي الفروض والعصبات كلهم فإن كل ما يأخذه الورثة فهو فرض فرضه الله لهم سواء كان مقدرا أو غير مقدر كما قال بعد ذكر ميراث الوالدين، والأولاد ﴿فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ﴾ ٢ وفيهم ذو فرض وعصبة، وكما قال ﴿لِلرِّجَالِ
_________________
(١) ١ انظر: معالم السنن ٤/٩٧؛ وشرح صحيح البخاري لابن بطال ٨/٣٤٨، وشرح السنة ٨/٣٢٦؛ وإحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام ٤/١٦؛ وفتح الباري ١٢/١١؛ وعمدة القارئ شرح صحيح البخاري ٢٣/٣٢٦؛ وسبل السلام ٣/١٤٩، ١٥٠؛ ونيل الأوطار ٥/١٧٠، وعون المعبود ٨/١٠٤. ٢ سورة النساء الآية ١١
[ ١١٢ ]
نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا﴾ ١.
وهذا يشمل العصبات وذوي الفروض فذلك قوله " اقسموا الفرائض بين أهلها على كتاب الله " يشمل قسمته بين ذوي الفروض والعصبة على ما في كتاب الله، فإن قسم على ذلك، ثم فضل منه شيء فتخص الفاضل أقرب الذكور من الورثة، ولذلك إذا لم يوجد في كتاب الله تصريح بقسمته بين من سماه الله من الورثة فيكون المال حينئذ لأولى رجل ذكر منهم، فهذا الحديث مبين لكيفية قسمة المواريث المذكورة في كتاب الله بين أهلها، ومبين لقسمة ما فضل من المال عن تلك القسمة مما لم يصرح به في القرآن من أحوال أولئك الورثة، وأقسامهم، ومبين أيضا لكيفية توريث بقية العصبات الذين لم يصرح بتسميتهم في القرآن. فإذا ضم هذا الحديث إلى آيات القرآن انتظم ذلك كله معرفة قسمة المواريث بين جميع ذوي الفروض والعصبات، وذكر هذا المعنى الحافظ ابن رجب واختاره ٢. وأشار إليه ابن قيم الجوزية وهو مقتضى ما ذهب عليه الطحاوي، وابن التين ٢.
والفرق بين المعنيين أنه على المعنى الأول فالحديث دخله التخصيص حيث خص منه العصبة بالغير، والعصبة مع الغير. وعلى المعنى الثاني فالحديث ليس فيه تخصيص؛ لأن أول الحديث " ألحقوا الفرائض بأهلها " يدخل فيه الفروض المقدرة في كتاب الله، والعصبة بالغير، والعصبة مع الغير، والمراد بآخر الحديث بقية العصبات، والله أعلم بالصواب.
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية ٧ ٢ انظر جامع العلوم والحكم٣/٢٥٦-٢٧٦.
[ ١١٣ ]