قد استنبط العلماء ﵏ عدة أحكام من هذا الحديث، وأذكر في هذا المطلب الأحكام التي اتفق الأئمة الأربعة عليها، وهي على النحو التالي:
الحكم الأول: إذا اجتمع ذو فرض وعصبة بدئ بذي الفرض فأخذ فرضه وما بقي للعصبة، وهذا الحكم محل إجماع بين أهل العلم، فقد قال ابن بطال: " وأجمعوا أن ما فضل من المال عن أصحاب الفرائض فهو للعصبة"١. وقال النووي: "وقد أجمع المسلمون على أن ما بقي بعد الفروض فهو للعصبات يقدم الأقرب فالأقرب"٢. وحكاه أيضا الشيخ الفرضي عبد الله بن محمد
_________________
(١) ١ شرح صحيح البخاري لابن بطال٨/٣٦٥. ٢ شرح صحيح مسلم١١/٥٣.
[ ١١٩ ]
الشنشوري١.
الحكم الثاني: إذا اجتمع أكثر من عاصب يكون التعصيب للأقرب، وهذا محل إجماع بين العلماء وممن حكى الإجماع النووي٢، والشارح شمس الدين عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة٣. وقد قال المازري في أثناء كلامه على طبقات العصبة ما نصه: " وإن اختلفوا وهم في طبقة واحدة من الطبقات التي ذكرنا، وهم مختلفون في القرب فالأقرب أولى كالإخوة مع بنيهم؛ لأنهم كلهم يتسببون بالمشاركة في الأبوة، ولكن مشاركة الإخوة أقرب من مشاركة بنيهم، وكذلك العمومة مع بنيهم، وإن تساووا في الطبقة والقرب ولأحدهم زيادة ترجيح قدم الأرجح كالأخ الشقيق مع الأخ لأب؛ فإنهما وإن استوت طبقاتهما ومشاركتهما في الأب الذي به يقع التعصيب فللشقيق زيادة ترجيح بمشاركته في الأم والرحم فكان أولى، وهكذا يجري الأمر في بنيهم، وهكذا وفي العمومة وبنيهم، وهكذا إذا كان الترجيح بمعنى مناسب لجهة التعصيب مثل ما قلناه في الأخ الشقيق مع الأخ لأب فإن الإجماع٤على أن الشقيق أولى بالميراث من الأخ للأب؛ لأنهما اشتركا في الإخوة من الأب وزاد الشقيق أخوة من الأم فهي إخوة كلها فكان أخوة أقوى من أخوة؛ فلهذا قدم الشقيق باتفاق. انتهى كلام المازري رحمه الله٥.
_________________
(١) ١ الفوائد الشنشورية ص١٠٤. ٢ انظر شرح صحيح مسلم١١/٥٣. ٣ انظر الشرح الكبير على المقنع٤/٢٨ ٤ ممن حكى الإجماع الموفق بن قدامة في المغني٩/٢٢،٢٣، وقال الحافظ ابن عبد البر في الاستذكار١٥/٤١٥:" لا خلاف علمته بين علماء السلف والخلف من المسلمين أن الإخوة للأب والأم يحجبون الإخوة للأب عن الميراث ". ٥ المعلم بفوائد صحيح مسلم٢/٢٢٠.
[ ١٢٠ ]
قلت: ومقصود المازري بطبقات العصبة هي ما اشتهر عند الفرضيين بالجهات.
وجهات العصبة على القول الراجح خمس جهات مجموعة في بيت واحد وهو:
جهاتهم بنوة أبوة أخوة عمومة ذو النعمة١
فالمراد بالبنوة الابن وابن الابن وإن نزل بمحض الذكور. والمراد بالأبوة الأب والجد، وإن علا بمحض الذكور. والمراد بالأخوة الإخوة الأشقاء والإخوة لأب وبنوهم وإن نزلوا بمحض الذكور. والمراد بالعمومة العم الشقيق والعم لأب وأبنائهما، وإن نزلا بمحض الذكور. والمراد بذي النعمة عصبة الولاء.
فإذا اجتمع أكثر من عاصب فيقدم الأقدم جهة على ما تقدم في البيت السابق فالابن مقدم على الأخ الشقيق؛ لأنه أقدم جهة. والأخ الشقيق مقدم على العم الشقيق، لأنه أقدم جهة. فإذا اتفق العصبة في الجهة ننظر إلى الدرجة فالأرفع درجة يقدم على الأنزل درجة فالابن مقدم على ابن الابن؛ لأنه أرفع درجة، والأب مقدم على الجد؛ لأنه أرفع درجة للميت. والأخ الشقيق مقدم على ابن الأخ الشقيق؛ لأنه أرفع درجة، وهذا هو المعروف عند الفرضيين بالقرب أي قرب الدرجة. فإذا اتفق العصبة في الجهة والدرجة يقدم الأقوى، فالأخ الشقيق مقدم على الأخ لأب؛ لأنه أقوى. وابن الأخ الشقيق يقدم على ابن الأخ لأب؛ لأنه أقوى. والعم الشقيق يقدم على العم لأب وهكذا٢.
وقد جمع هذه القاعدة الشيخ صالح الجعبري ﵀ في منظومته نظم اللالئ حيث يقول:
بالجهة التقديم ثم بقربه وبعدهما التقديم بالقوة اجعلا٣
_________________
(١) ١ هذا البيت زاده بعض الفرضيين على القلائد البرهانية. انظر القلائد البرهانية ص٣. ٢ انظر الفوائد الجلية ص١٥، وتسهيل الفرائض ص٥٨-٦٠. ٣ نظم اللالئ لوحة٧
[ ١٢١ ]
ومعنى كلام الناظم تقدم شرحه قريبا بالتفصيل مع التعليل وخلاصته أنك تقدم أولا الأقدم جهة، فإذا استووا في الجهة تقدم الأقرب وهو الأرفع درجة، ثم إذا استووا في الجهة والدرجة تقدم الأقوى. وبنحو هذا البيت قال الشيخ محمد البرهاني في منظومته القلائد البرهانية:
فابدأ بذي الجهة ثم الأقرب وبعد بالقوة فاحكم تصب١
الحكم الثالث: دل عموم قوله ﵊ فلأولى رجل ذكر على أن الأخ الشقيق، والأخ لأب، وابناهما، والعم الشقيق، والعم لأب، وابناهما من الورثة٢، وكونهم من الورثة محل إجماع بين أهل العلم حكاه الشيخ عبد الله بن إبراهيم الخبري، والشيخ محفوظ بن أحمد الكلوذاني أبو الخطاب، والموفق بن قدامة، والشيخ العلامة يحيى النووي، والشيخ الفرضي أحمد بن محمد بن الهائم، والشيخ الفرضي عبد الله الشنشوري، والشيخ الفرضي إبراهيم بن سيف٣.
الحكم الرابع: دل الحديث على أن الأب يأخذ الباقي بعد السدس لأن الأب أولى رجل بعد الابن وابنه؛ وذلك في حالة وجود فرع وارث أنثى وفضل فاضل بعد سدس الأب وبقية الفروض الموجودة في المسألة، وكذلك الجد إذا لم يوجد الأب يأخذ الباقي بعد السدس٤. وهذا محل إجماع بين أهل العلم حكاه الموفق بن قدامة، والشارح عبد الرحمن بن أبي عمر بن قدامة٥.
_________________
(١) ١ انظر القلائد البرهانية مع شرحها المختصر المسمى وسيلة الراغبين ص ٢٢، ٢٣. ٢ انظر الشرح الكبير على المقنع٤/٣؛ وكشاف القناع٤/٤٤٩. ٣ انظر التلخيص في علم الفرائض١/٦٠؛ والتهذيب ص٥١؛ والمغني٩/٦٣؛ وروضة الطالبين٦/٤؛ والفصول المهمة في علم مواريث الأمة ص٥٩؛ والفوائد الشنشورية ص٦٥-٦٩؛ والعذب الفائض١/٤٢، ٤٣. ٤ انظر كشاف القناع٤/٤٥١؛ والعذب الفائض١/٨٠. ٥ انظر المغني٩/٢٠؛ والشرح الكبير على المقنع٤/٤.
[ ١٢٢ ]
الحكم الخامس: دل مفهوم الحديث على أنه إذا لم يوجد صاحب فرض فالمال كله للعصبة الأقرب فالأقرب١. وقد قال الحافظ ابن حجر: " واستدل به البخاري على أن ابن الابن يحوز المال إذا لم يكن دونه ابن وعلى أن الجد يرث جميع المال إذا لم يكن دونه أب "٢. وكون العاصب إذا انفرد يحوز جميع المال محل إجماع بين أهل العلم حكاه الشيخ زكريا الأنصاري، والشيخ عبد الله الشنشوري، والشيخ إبراهيم بن سيف٣.
الحكم السادس: دل الحديث بمفهومه على أن العاصب يسقط لاستغراق فروض المسألة٤.
لم أقف على خلاف أهل العلم في هذا الحكم إلا ما سيأتي ذكره إن شاء الله في المسألة المشركة في المطلب الثاني من هذا المبحث. وأيضا فإن الشيخ صالح بن حسن البهوتي في ألفيته في الفرائض، والشيخ إبراهيم بن سيف في شرحه لهذه الألفية لم يذكرا في هذا الحكم خلافا بين الأئمة الأربعة٥.
الحكم السابع: دل الحديث على أنه لو ماتت امرأة عن زوجها وأخيها لأم وهما ابنا عمها٦على أن الزوج له النصف، والأخ لأم له السدس، وما بقي بينهما على السوية.
_________________
(١) ١ انظر بهجة قلوب الأبرار لابن سعدي ص١٢٩. ٢ انظر فتح الباري١٢/١٤. ٣ انظر نهاية الهداية١/٢٠٦؛ والفوائد الشنشورية ص١٠٤؛ والعذب الفائض١/٧٩. ٤ انظر كشاف القناع٤/٤٧١. ٥ انظر عمدة كل فارض ألفية الفرائض مع شرحها العذب الفائض١/٧٩. ٦ صورة المسألة أن رجلا تزوج امرأة فأتت منه بابن، ثم تزوج أخرى فأتت منه بآخر، ثم فارق الثانية فتزوجها أخوه فأتت منه ببنت فهي أخت الثاني لأمه وابنة عمه فتزوجت هذه البنت الابن الأول وهو ابن عمها، ثم ماتت عن ابني عمها الذي هو أحدهما زوج والآخر أخ لأم. انظر فتح الباري١٢/٢٧.
[ ١٢٣ ]
وجه الاستدلال من الحديث: أنهما قد استويا فيه إذ وجد في كل واحد منهما الذكورة والتعصيب وليس أحدهما أولى من الآخر. وقد استدل البخاري في هذه المسألة بهذا الحديث على أنهما يستويان في التعصيب١. وهذا هو مذهب الأئمة الأربعة٢.
وقد روي عن عمر، وعبد الله بن مسعود، وشريح، والحسن البصري، ومحمد ابن سيرين، وهو مذهب الظاهرية إلى أن الباقي للأخ الذي هو أخ لأم؛ لأنه أقرب فيدخل في عموم قوله ﵊ " فهو لأولى رجل ذكر".
والجواب عنه أن هناك فرقا بين الأخ الشقيق مع الأخ لأب؛ وذلك من طريق الترجيح؛ لأن الشرط فيهما أن يكون فيه معنى مناسب لجهة التعصيب؛ لأن الشقيق شارك أخاه في جهة القرب المتعلق بالتعصيب بخلاف الصورة المذكورة٣.
الحكم الثامن: دل الحديث على ثبوت العول٤ في مسائل الفرائض، ووجه الاستدلال به أن الرسول ﷺ أمر بإلحاق الفرائض بأهلها ولم يخص بعضهم دون بعض ٥؛ وجزم بعض العلماء أن هذه المسألة من مسائل الإجماع٦.
_________________
(١) ١ انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال٨/٣٦٠، ٣٦١. ٢ انظر: الاختيار لتعليل المختار ٥/٩١؛ والإشراف على مسائل الخلاف ٢/٣٣٢؛ والمهذب ٢/٣١؛ والمغني ٩/٣٠-٣٤. ٣ انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال٨/٣٦٠، والتلخيص في الفرائض١/١٥٧؛ وفتح الباري١٢/٢٨؛ والمحلي ١٠/٣٩٤، ٣٩٥. ٤ العول في اللغة له معان منها الزيادة والارتفاع، ومنها الميل. وفي الاصطلاح: زيادة في السهام ونقص في الأنصباء. انظر المصباح المنير٢/٤٣٨، وعدة الباحث ص٤٦. ٥ انظر نهاية الهداية شرح كفاية الحفاظ٢/٥٠، والعذب الفائض١/١٦٣. ٦ انظر المغني٩/٣٠، وفتح القريب المجيب١/٣٩،٤٠، والعذب الفائض١/١٦٣،١٦٤، والتحقيقات المرضية ص١٦٢،١٦٣.
[ ١٢٤ ]