المطلب الثالث خصصت هذا المطلب في ذكر الأحكام المستنبطة من الحديث
والتي لم يترجح فيها عند أهل التحقيق من العلماء ما تضمنه هذا الحديث وإليك بيانها:
الحكم الأول: أن نصيب الأم في مسألتي العمريتين الثلث كاملا وما بقي للأب٤، وهاتان المسألتان أركانها ثلاثة:
١- أن يكون في أحدهما زوج وفي الأخرى زوجة.
٢- أن يكون فيهما أمٌّ.
٣- أن يكون فيهما أب٥.
ووجه الاستدلال بهذا الحديث على هذا الحكم أن الله ﷿ قال ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ٦ فأعطى الأم الثلث فمقتضى إلحاق
_________________
(١) ٤ انظر الشرح الكبير علىالمقنع٤/١٢. ٥ انظر العذب الفائض١/٥٥ ٦ سورة النساء الآية ١١
[ ١٣٣ ]
الفرائض بأهلها هو إعطاء الأم الثلث كاملا وما بقي يكون للعصبة، وهو الأب في هاتين المسألتين فيكون له ما فضل عن نصيب أحد الزوجين والأم١. وإليه ذهب ابن عباس٢والظاهرية٣.
القول الثاني: أن الأم لها في المسألتين ثلث الباقي، وإليه ذهب الأئمة الأربعة٤.
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول: أن كل ذكر وأنثى يأخذان المال أثلاثا يجب أن يأخذا الباقي بعد فرض أحد الزوجين كذلك كالأخ والأخت لغير أم٥.
الدليل الثاني: أن الأصل أنه إذا اجتمع ذكر وأنثى من درجة واحدة؛ أن يكون للذكر مثل ضعف ما للأنثى فلو جعل لها الثلث مع الزوج لفضلت على الأب، ومع الزوجة لم يفضل عليها بالتضعيف٦.
الدليل الثالث: أن الله ﷾ إنما أعطاها الثلث كاملا إذا انفرد الأبوان بالميراث، فإن قوله سبحانه ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ ٧
_________________
(١) ١ انظر الشرح الكبير على المقنع٤/١٢ ٢ انظر مصنف عبد الرزاق١٠/٢٥٣؛ والتلخيص في الفرائض١/١٦١؛ والتهذيب في الفرائض ص١٩٨. ٣ انظر المحلى٩/٢٦٠. ٤ انظر فتح القريب المجيب١/١٩؛ والعذب الفائض١/٥٥؛ والتهذيب في الفرائض ص١٩٨؛ ومجمع الأنهر٢/٧٥٠، ٧٥١؛ والقوانين الفقهية ص٢٥٦، ٢٥٧. ٥ انظر العذب الفائض١/٥٥. ٦ انظر العذب الفائض١/٥٥. ٧ سورة النساء آية ١١
[ ١٣٤ ]
شرط أن في استحقاق الثلث عدم الولد، وتفردهما بميراثه١، وفي مسألتي الغراوين لم ينفردا فيأخذ أحد الزوجين فرضه، ومابقي يكون للأم ثلثه وللأب الباقي، فدل على أن نصيب الأم ثلث الباقي.
والجواب عن الاستدلال بالحديث من وجهين: الوجه الأول: العصوبة لم تتمحض في الأب٢. والوجه الثاني: أن الأم لا تستحق الثلث كاملا إلا بشرطين: عدم الولد، أو الجمع من الإخوة، والشرط الثاني: التفرد، وفي مسألتي الغرواين معهما أحد الزوجين فكان نصيب الأم ثلث ما بقي والباقي للأب تعصيبا.
الحكم الثاني: أن الولد المنفي باللعان عصبته عصبة أمه.
ووجه الاستدلال من هذا الحديث لهذا الحكم أن الرسول ﵊ أعطى الباقي لأولى رجل ذكر، وأولى الرجال للولد المنفي باللعان أقارب أمه٣. وإليه ذهب الحنابلة٤.
القول الثاني: أن الباقي بعد فرض الأم يكون لها بالرد، وإليه ذهب الحنفية٥.
واستدلوا على ذلك بقوله تعالى ﴿وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ٦.
وجه الاستدلال: أن الأم أقرب الأرحام إليه، فتأخذ الباقي بالرد.
_________________
(١) ١ إعلام الموقعين١/٣٥٨. ٢ انظر العذب الفائض١/٥٥. ٣ انظر الشرح الكبير على المقنع٤/١٤. ٤ انظر الإنصاف٧/٣٠٨، ٣٠٩. ٥ انظر تبيين الحقائق٦/٢٤١. ٦ سورة الأنفال الآية ٧٥
[ ١٣٥ ]
القول الثالث: أن الباقي بعد فرض الأم لبيت مال المسلمين، وإليه ذهب المالكية١، والشافعية٢.
وقد استدلوا على ذلك بقوله ﵊: " وألحق الولد بالمرأة" ٣.
ووجه الاستدلال أن الرسول ﵊ لما ألحقه بها قطع نسبه من أبيه، فصار كمن لا أب له من أولاد العي الذين لم يختلف أن المسلمين عصبتهم؛ إذ لا تكون العصبة من قبل الأم وإنما تكون من قبل الأب٤.
قلت: القول الثاني والثالث مبنيان على القول بالرد من عدمه فمن قال بالرد قال الباقي للأم بالرد، ومن قال بعدم الرد قال الباقي لبيت مال المسلمين. وقد سبق في الحكم الثالث من المطلب الثاني أن الراجح هو القول بالرد، وعلى هذا يكون الراجح هنا هو أن الباقي يرد على الأم. والله أعلم بالصواب.
والجواب عن الاستدلال بهذا الحديث على هذه المسألة بأنه معلوم أن العصبات من قبل الآباء، ومن أدلى بمن لا تعصيب له لم يكن له تعصيب٥.
الحكم الثالث: أن الأخوات الشقيقات، أو الأخوات لأب لسن عصبة مع البنات أو بنات الابن٦.
_________________
(١) ١ انظر عيون المجالس٢/١٠٨٣. ٢ انظر اللؤلؤة السنية حاشية على الفوائد الشنشورية لوحة ٤٢، وما ذكرته هنا على اعتبار أن بيت مال المسلمين من أسباب الإرث. والراجح عند الشافعية تقييده بأن يكون بيت مال المسلمين منتظما. وذهب إليه متأخرو المالكية / انظر: الفوائد الشنشورية ص٥٣؛ وفتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك ٢/٣٧٣. ٣ أخرجه البخاري في كتاب الطلاق باب يلحق الولد بالملاعنة من حديث عبد الله بن عمر رضي الله عنهما٩/٤٦٠، ومسلم في كتاب اللعان ٢/١١٣٢، ١١٣٣. ٤ انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال٨/٣٦٦. ٥ انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال٨/٣٦٦، ٣٦٧. ٦ انظر شرح النووي على صحيح مسلم١١/٥٤.
[ ١٣٦ ]
ووجه الاستدلال بهذا الحديث على هذا الحكم هو أن الرسول ﷺ أعطى الباقي لأولى رجل ذكر، فيستنبط من مفهومه أن الأخوات الشقيقات، أو لأب لسن من العصبة مع البنات أو بنات الابن١. وإلى هذا ذهب ابن عباس ﵄ ٢والظاهرية٣.
القول الثاني: أن الأخوات الشقيقات أو لأب مع البنات أو بنات الابن عصبة، وإليه ذهب الأئمة الأربعة٤.
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول: حديث عبد الله بن مسعود ﵁ وفيه:" لأقضين بقضاء النبي ﷺ للبنت النصف، ولبنت الابن السدس تكملة الثلثين، وللأخت ما بقي "٥.
وجه الاستدلال: أن الحديث نص صريح على أن الأخت الشقيقة أو لأب تأخذ ما بقي بعد فرض البنت، أو بنت الابن، أو بعد فرضهما.
الدليل الثاني: أن الأخت تكون عصبة بغيرها وهو أخوها، فلا يمتنع أن تكون عصبة مع البنت٦.
_________________
(١) ١ انظر فقه المواريث٢/١٩. ٢ انظر مصنف عبد الرزاق١٠/٢٥٥. ٣ انظر المحلى١٠/٣١٩. ٤ انظر شرح السراجية ص٢٦، ٢٧، والضياء على الدرة البيضاء ص٢٧، وفتح القريب المجيب١/٣١، والدرة المضيئة شرح الفارضية ص٢٠، ٢١. ٥ أخرجه البخاري في كتاب الفرائض باب ميراث الأخوات مع البنات عصبة١٢/١٧، وأبوداود في كتاب الفرائض باب ما جاء في ميراث الصلب٣/٣١٢، ٣١٣، والترمذي في أبواب الفرائض باب ما جاء في ميراث ابنة الابن مع ابنة الصلب٤/٤١٥، وابن ماجه في كتاب الفرائض باب فرائض الصلب٢/٩٠٩. ٦ انظر مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية٣١/٣٤٩.
[ ١٣٧ ]
والجواب عن الاستدلال بهذا الحديث: أن الاستدلال بهذا الحديث على أن الأخوات لسن عصبة مع البنات من طريق المفهوم، وأقصى درجاته أن يكون له عموم، فيخص بالحديث الدال على أن الأخت الشقيقة أو لأب، تأخذ الباقي بعد البنت أو بنت الابن١.
الحكم الرابع: أن الباقي بعد الفروض المقدرة يكون لأبناء الأبناء دون بنات الأبناء.
ووجه الاستدلال بهذا الحديث على هذا الحكم هو ظاهر هذا الحديث حيث جعل الباقي لأولى رجل ذكر، فخص الباقي بالذكر، فلا شيء لبنات الابن ٢، وإليه ذهب ابن مسعود ٣.
القول الثاني: أن الباقي للذكر مثل حظ الأنثيين، وإليه ذهب الأئمة الأربعة٤.
وقد استدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول: قال الله تعالى ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ﴾ ٥.
وجه الاستدلال: أن بنات الابن يقع عليهن اسم الأولاد، فيشاركن أبناء الأبناء للذكر مثل حظ الأنثيين٦.
الدليل الثاني: أن العلماء أجمعوا أن بني البنين كالبنين عند عدم البنين إذا
_________________
(١) ١ انظر إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام٤/١٦. ٢ انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال٨/٣٤٩، ٣٥٠. ٣ انظر التهذيب في الفرائض ص٢٠٦. ٤ انظر التهذيب في الفرائض ص٢٠٦؛ وشرح خلاصة الفرائض ص٣٩، ٤٠؛ وفتح القريب المجيب١/٢٢؛ والضياء على الدرة البيضاء ص٢٧. ٥ سورة النساء الآية ١١ ٦ انظر شرح صحيح البخاري لابن بطال٨/٣٥٠.
[ ١٣٨ ]
استووا في القدر ذكرهم كذكرهم، وأنثاهم كأنثاهم١.
والجواب عن الاستدلال بهذا الحديث: أن هذه المسألة مخصوصة من عموم قوله ﵊ " فلأولى رجل ذكر "٢.
الحكم الخامس: أن ذوي الأرحام٣لا يرثون.
ووجه الاستدلال بهذا الحديث على هذا الحكم أنه لم يجعل حق الميراث لمن لم يذكر في القرآن إلا لأقرب الذكور، وهذا الحكم يختص بالعصبات دون ذوي الأرحام فإن من ورث ذوي الأرحام، ورث ذكورهم وإناثهم٤. وإليه القول الثاني: توريث ذوي الأرحام وإليه ذهب: الحنفية٧، والحنابلة٨، وكذا الشافعية إذا لم ينتظم بيت مال المسلمين٩، ومتأخرو المالكية١٠.
_________________
(١) ١ ممن حكى الإجماع ابن بطال في شرحه لصحيح البخاري٨/٣٥٠. ٢ انظر فتح الباري١٢/١٦. ٣ قال الزركشي في شرحه على مختصر الخرقي٣/٣٥، ٣٦ "ذوي الأرحام في أصل الوضع اللغوي والشرعي كل من انتسب إلى الميت بقرابة سواء ذلك القرابة من قبل الأب، أو من قبل الأم إلى أن قال " وذووا الأرحام في العرف الاصطلاحي هنا: كل قرابة ليس بذي فرض ولا عصبة ". ٤ انظر جامع العلوم والحكم٣/٢٧٥، ٢٧٦. ٥ انظر مواهب الجليل٦/٤١٣-٤١٥. ٦ انظر الفوائد الشنشورية ص٢١٧. ٧ انظر شرح السراجية ص١١ ٨ انظر شرح الزركشي على مختصر الخرقي٣/٣٦. ٩ انظر الفوائد الشنشورية ص٢١٧. ١٠ انظر فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب مالك٣/٣٧٣.
[ ١٣٩ ]
واستدلوا على ذلك بما يأتي:
الدليل الأول: قال الله تعالى: ﴿وَأُولُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ ١.
وجه الاستدلال: أن الآية الكريمة عامة، فيدخل فيها توريث ذوي الأرحام، فهم أولى من بيت مال المسلمين.
الدليل الثاني: عن عمر رضي الله أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: " الخال وارث من لا وارث له " ٢.
الدليل الثالث: حديث المقدام عن النبي ﷺ أنه قال: " الخال وارث من لا وارث له يعقل عنه ويرثه " ٣.
_________________
(١) ١ سورة الأنفال الآية ٧٥. ٢ أخرجه الترمذي في أبواب الفرائض باب ما جاء في ميراث الخال٤/٤٢١، وابن ماجه في كتاب الفرائض باب ذوي الأرحام ٢/٩١٤، والإمام أحمد في المسند١/٢٨. وقال الشيخ أحمد شاكر في شرحه على المسند١/٢٣٧ " إسناده صحيح " وصححه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في إرواء الغليل٦/١٣٧. ٣ أخرجه أبوداود في كتاب الفرائض باب في ميراث ذوي الأرحام٣/٣٢٠، والنسائي في السنن الكبرى باب في كتاب الفرائض باب ذكر اختلاف الناقلين لخبر المقدام بن معدي كرب٤/٧٦، ٧٧، وابن ماجه في كتاب الفرائض باب ذوي الأرحام٢/٩١٤، والإمام أحمد في مسنده٤/١٣١، وابن حبان الإحسان ٧/٦١١، والحاكم٤/٣٤٤ وأبوداود الطيالسي منحه المعبود ١/٢٨٤، وابن الجارو ص٣٢٢، والدارقطني٤/٨٥، والطحاوي في شرح معاني الآثار٤/٣٩٧،٣٩٨، والبيهقي في السنن الكبرى٦/٢١٤، وسعيد ابن منصور في سننه١/٥٠، وقواه ابن قيم الجوزية في تهذيب مختصر السنن٤/١٧، وصححه الألباني في إرواء الغليل٦/١٣٧-١٤١.
[ ١٤٠ ]
والجواب عن الاستدلال بهذا الحديث: أن هذا الحديث دل على توريث العصبات لا على نفي توريث غيرهم، وتوريث ذوي الأرحام مأخوذ من أدلة أخرى؛ فيكون ذلك زيادة على ما دل عليه حديث ابن عباس رضي الله عنهما١
_________________
(١) ١ انظر جامع العلوم والحكم٣/٢٧٦.
[ ١٤١ ]