أهمية الفرائض في الكتاب تتضح مما يأتي:
١- فصل الله ﷾ الفرائض ثلاث آيات من كتابه أكثر من غيرها مثل الصلاة فهي مجملة في كتاب الله وبينها رسول الله ﷺ بيانا شافيا١. ولهذا: ذكر الحافظ ابن كثير: إن علم الفرائض مستنبط من هذه الآيات الثلاث وهي الآية الحادية عشرة، والآية الثانية عشرة والآية الأخيرة من سورة النساء٢.
٢- أن الله سبحانه تولى قسمة الفرائض بنفسه فلم يكلها إلى ملك مقرب، ولا إلى نبي مرسل، بل بينها سبحانه في محكم كتابه٣.
٣- أن الله ﷿ جعل هذا التقسيم فريضة كما قال تعالى في آخر الآية الأولى من آيات الفرائض ﴿آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ ٤.
_________________
(١) ١ انظر التحقيقات المرضية ص١٢ ٢ انظر تفسير ابن كثير١/٤٥٧. ٣ انظر فقه المواريث١/١١ ٤ سورة النساء الآية ١١
[ ١٠٠ ]
٤ - أن الله ﷾ وعد من أطاعه في تقسيم الفرائض على وجهها الشرعي دخول الجنة، وهذا فضل عظيم يدل على أهمية الفرائض. قال تعالى بعد أن ذكر الآية الأولى والثانية من آيات الفرائض ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ ١.
٥- أن الله ﷾ توعد من لم يطعه أو لم يطع رسوله ﵊، وتعدى حدود الله ﷿؛ وذلك بأن لم ينفذ فرائضه ومنها تقسيم الفرائض على الوجه الشرعي بدخول النار. قال تعالى ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٢.
ولهذا قال الحافظ ابن كثير في تفسير هاتين الآيتين ما نصه: " أي هذه الفرائض، والمقادير التي جعلها الله للورثة - بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه - هي: حدود الله فلا تعتدوها، ولا تجاوزوها؛ ولهذا قال ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَه﴾ أي فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضها بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته ﴿يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ﴾ ٣ أي لكونه غير ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم " ٤.
وأما أهمية الفرائض في السنة فتتضح في الآتي:
_________________
(١) ١ سورة النساء الآية ١٣ ٢ سورة النساء الآية١٤ ٣ سورة النساء آية ١٣،١٤ ٤ تفسير ابن كثير١/٤٦١.
[ ١٠١ ]
١- أن الرسول ﷺ أمر بتنفيذ الفرائض على وجهها الشرعي كما في أول هذا الحديث الذي أنا بصدد شرحه.
٢- أن الرسول ﷺ بين بعض أحكام الفرائض ومنه آخر هذا الحديث الذي أنا بصدد شرحه حين وضح الرسول ﷺ مصرف التركة بعد أصحاب الفرائض. ومنه ميراث الجدة فقد ثبت بالسنة النبوية الصحيحة، فعن قبيصة بن ذؤيب أنه قال جاءت الجدة إلى أبي بكر الصديق ﵁ تسأله ميراثها، فقال: مالك في كتاب الله شيء وما علمت لك في سنة رسول الله شيئا، فارجعي حتى أسأل الناس فسأل الناس فقال المغيرة بن شعبة حضرت رسول الله ﷺ أعطاها السدس، فقال أبو بكر: هل معك غيرك؟ فقام محمد بن مسلمة الأنصاري فقال مثلما قال المغيرة، فأنفذه لها أبو بكر الصديق١.
٣- أن الرسول ﷺ روي عنه عدة أحاديث في فضل علم الفرائض وفي الحث على تعلمها وسأقتصر على حديثين مما اشتهر عند علماء الفرائض.
الحديث الأول:
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله عليه وسلم " يا أبا هريرة تعلموا الفرائض وعلموها فإنه نصف العلم وهو ينسى وهو أول
_________________
(١) ١ أخرجه أبو داود في كتاب الفرائض باب ميراث الجدة٣/٣١٦-٣١٧، والترمذي في أبواب الفرائض باب ميراث الجدة٤/٤١٩-٤٢٠، وابن ماجه في كتاب الفرائض باب ميراث الجدة٢/٩٠٩-٩١٠، والإمام مالك في الموطأ في كتاب الفرائض باب ميراث الجدة٢/٥١٣، وقال الحافظ ابن حجر في التلخيص الحبير٣/٨٢ " إسناده صحيح لثقة رجاله إلا أن صورته مرسل فإن قبيصة لا يصح له سماع من الصديق ولا يمكن شهوده للقصة قاله ابن عبد البر بمعناه ".
[ ١٠٢ ]
شيء ينزع من أمتي " ١.
الحديث الثاني:
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال رسول الله ﵌: " تعلموا القرآن وعلموه الناس، وتعلموا الفرائض وعلموه الناس فإني امرؤ مقبوض وإن العلم سيقبض وتظهر الفتن حتى يختلف الاثنان في الفريضة لا يجدان من يقضي بها " ٢.
_________________
(١) ١ أخرجه ابن ماجه في كتاب الفرائض باب الحث على تعليم الفرائض٢/٩٠٨، والدارقطني٤/٦٧، والحاكم في مستدركه٤/٣٣٢، وسكت عنه ولم يوافقه الذهبي حيث قال: قلت حفص واه بمرة. والبيهقي في السنن الكبرى٦/٢٠٩، وقال تفرد به حفص بن عمر وليس بالقوي، والعقيلي في الضعفاء١/٢٧١، في ترجمة حفص بن عمر وقال: "ولا يتابع عليه لا يعرف إلا به"، وابن حبان في المجروحين١/٢٥٥، في ترجمة حفص بن عمر وقال: "لا يجوز الاجتجاج به بحال "، وابن عدي في الكامل٢/٧٩١ في ترجمة حفص بن عمر، وقال: "وحديثه كما ذكر البخاري منكر الحديث". والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد ٣/٣١٩، وابن الجوزي في العلل المتناهية في الأحاديث الواهية١/١٢٨-١٢٩، وقال: "هذا حديث لا يصح عن رسول الله صلى الله عليه سلم، والمتهم به حفص بن عمر بن أبي العلاف قال البخاري هو منكر الحديث رماه يحيى النيسابوري بالكذب"، والمزي في تهذيب الكمال٧/٤، وقال الحافظ بن حجر في التلخيص الحبير٣/٧٩: ومداره على حفص بن عمر بن أبي العطاف وهو متروك والحديث مشهور عند الفرضيين، وقد حسن سند ابن ماجه سبط المارديني في شرحه على المنظومة الرحبية ص ٢٣، وحكم عليه الشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني في كتابه مختصر المقاصد الحسنة ص ٨٦ بقوله حسن لغيره. ٢ أخرجه النسائي في السنن الكبرى في كتاب الفرائض باب الأمر بتعليم الفرائض٤/٦٤ وأشار إليه الترمذي في كتاب الفرائض باب ما جاء في تعليم الفرائض /٤١٤ حيث ذكر سنده ولم يذكر لفظه، والحاكم في مستدركه٤/٣٣٣ واللفظ له وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه ووافقه الذهبي في تلخيصه، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى ٦/٢٠٨، والمزي بسنده العالي في تهذيب الكمال١١/٣٧٨، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد٤/٢٢٣، رواه أبو يعلى، والترمذي وفي إسناده من لم أعرفه وفي سنده سليمان ابن جابر الهجري، قال الذهبي في ميزان الاعتدال٢/١٩٨: "شيخ ولا يعرف سليمان "، وقال الحافظ بن حجر في التقريب١/٣٢٢ مجهول وهذا الحديث مشهور عند الفرضيين وقد قال سبط المارديني في شرحه على المنظومة الرحبية ص٢٣ "وحسنه المتأخرون ".
[ ١٠٣ ]