يشترط لنفوذ التكليف٢ إلا السكران٣.
ويقع بصريحه بلا نية٤،
_________________
(١) ١ الأصل فيه قبل الإجماع قول الله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: ٢٢٩]، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] . وحديث ابن عمر -﵄- أن النبي -ﷺ- قال: "ما أحل الله شيئا أبغض إليه من الطلاق"، وفي رواية: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق". أخرجه أبو داود في الطلاق، باب كراهية الطلاق برقم ٢١٧٧ و٢١٧٨، من حديث محارب بن دثار عن ابن عمر موصولا، ومرسلا، والحاكم في المستدرك ٢/ ١٩٦، وصححه، قال الذهبي: على شرط مسلم. ٢ لرفع القلم عن غير المكلف فلا يقع طلاقه لحديث علي -﵁. أن النبي -ﷺ- قال: "رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يشب، وعن المعتوه حتى يعقل". تقدم تخريجه ١/ ١٤٧. ٣ المتعتدي بسكره تغليظا عليه لتعديه بإذهاب عقله فيؤاخذ بأفعاله وأقواله كما سيأتي بيانه ص٥٣٣. ٤ لإيقاع الطلاق، من العراف بمدلول لفظه؛ إذ التحريم في الشرع علق على لفظ الطلاق، كما علق النكاح على لفظ النكاح، أو التزويج، أما النية فليست بطلاق.
[ ٣٤٥ ]
وبكناية بنية١.
فصريحة الطلاق٢ كذا الفراق والسراح على المشهور٣.
كطلقتك، وأنت طالق، ومطلقة، ويا طالق، لا أنت طلاق والطلاق في الأصح٤، وترجمة الطلاق بالعجمية صريح على المذهب٥، وأطلقتك وأنت مطلقة كناية٦، ولو اشتهر لفظ للطلاق٦ كالحلال أو حلال الله على حرام فصريح في الأصح٧.
_________________
(١) ١ للإجماع على ذلك كما في فتح الجواد ٢/ ١٥١، فإن لم ينو لم يقع إجماعا كما في التحفة ٨/ ٥، والنهاية ٦/ ٤٢٥؛ لأن التحريم في الشرع علق على الطلاق، ونية الطلاق ليست بطلاق، ولأن إيقاع الطلاق بالنية لا يثبت إلا بأصل أو بالقياس على ما ثبت بأصل، وليس هنا أصل ولا قياس على ما ثبت بأصل فلم يثبت. ٢ لاشتهاره فيه لغة وعرفا وشرعا كما علم من الآيات السابقة، وقد ورد في القرآن الكريم بهذا المعنى نحو عشر مرات. ٣ بورودهما في القرآن الكريم بمعناه كذلك كما في قوله سبحانه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال سبحانه: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ [البقرة: ٣٢١]، فهو عرف الشرع. ٤ لأنهما مصدران، والمصادر لا تستعمل في الأعيان إلا توسعا فهما كنايتان. ٥ الشهرة استعمالها عندهم في معناها شهرة العربية عند أهلها. ٦ لعدم اشتهاره في معنى الطلاق. ٧ لغلبة الاستعمال وحصول التفاهم به عندهم.
[ ٣٤٦ ]
قلت: الأصلح أنه كناية، والله أعلم١.
وكنايته كأنت خلية، برية، بتة، بتلة، بائن، اعتدي، واستبرئي رحمك٢، إلحقي بأهلك، حبلك على غاربك، ولا أنده سربك٣، اعزبي، اغربي، دعيني، ونحوها٤.
والإعتاق كناية طلاق وعكسه٥، وليس الطلاق كناية ظهار وعكسه٦.
ولو قال: أنت علي حرام، أو حرمتك، ونوى طلاقا، أو ظهارا حصل٧، أو نواهما، تخير وثبت ما اختاره٨، وقيل: طلاق٩، وقيل: ظهار١٠، أو تحريم عينها لم تحرم١١، وعليه كفارة
_________________
(١) ١ لأن الصريح إنما يؤخذ من ورود القرآن الكريم، وتكرره على لسان حملة الشريعة، وليس المذكور كذلك. ٢ أي لأني طلقتك. ٣ يعني: لا أهتم بشأنك. ٤ من كل ما يشعر بالفرقة إشعارًا قريبًا. ٥ يعني: الطلاق كناية عتق لاشتراكهما في الدلالة على إزالة ما يملكه. ٦ لأن تنفيذ كل منهما في موضوعه ممكن فلا يعدل عنه. ٧ لأن الظهار يقتضي التحريم إلى أن يكفر فجاز أن يكنى عنه بالحرام والطلاق سبب محرم. ٨ لأنهما لا يثبتان جميعا؛ إذ الطلاق يزيل النكاح والظهار يستدعي بقاءه، ولا يرتفعان لئلا يُلغى اللفظ الصريح. ٩ لأنه أقوى بإزالته الملك. ١٠ لأن الأصل بقاء النكاح. ١١ لحديث ابن عباس -﵄- قال: "إذا حرم الرجل امرأته فهي يمين يكفرها،=
[ ٣٤٧ ]
يمين١، وكذا إن لم تكن نية في الأظهر٢ والثاني لغو٣.
وإن قاله لأمته ونوى عتقا ثبت٤، أو تحريم عينها أو لا نية فكالزوجة٥، ولو قال: هذا الثوب أو الطعام أو العبد حرام علي فلغو٦.
_________________
(١) = وقال: قد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة". أخرجه البخاري في الطلاق، باب: لم تحرم ما أحل الله لك؟ برقم ٥٢٦٦ "يشير بذلك إلى قصة التحريم التي أخرجها النسائي في الطلاق، باب تأويل قول الله تعالى: يا أيها النبي إلخ ٦/ ١٥١. بسند صحيح كما قال الحافظ في الفتح ٢٠/ ٣٨ عن أنس -﵁- أن النبي -ﷺ- كانت له أمة يطؤها فلم تزل به حفصة وعائشة حتى حرمها، فأنزل الله تعالى هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١] قال الحافظ: وهذا أصح طرق هذا السبب، ومسلم في الطلاق، باب وجوب الكفارة على من حرم امرأته ولم ينو الطلاق برقم ١٩ "١٤٧٣". وفي رواية للنسائي أن رجلا قال له: إني جعلت امرأتي علي حراما؟ قال: كذبت ليست عليك بحرام ثم تلا هذه الآية ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: ١]، ثم قال له: عليك أغلظ الكفارة. ا. هـ. ٦/ ١٥١. ١ أي مثلها؛ لأن ذلك ليس يمينا؛ إذ اليمين إنما تنعقد باسم من أسمائه تعالى أو صفة من صفاته، وعليه هذه الكفارة أخذا من قصة مارية -﵂- التي تقدم ذكرها وقول الله تعالى لنبيه -ﷺ: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ [التحريم: ٢] . ٢ لأن لفظ التحريم ينصرف شرعا لإيجاب الكفارة. ٣ لأنه كناية في ذلك. ٤ لأنه كناية فيه إذ لا مجال للطلاق والظهار فيها. ٥ فتلزمه الكفارة حيث لم ينو العتق لظاهر الآية التي مر ذكرها. ٦ لأنه غير قادر على تحريمه بحلاف الزوجة والأمة، فإنه قادر على تحريمها بالطلاق والعتق.
[ ٣٤٨ ]
وشرط نية الكناية اقترانها بكل اللفظ١، وقيل: يكفي بأوله٢، وإشارة ناطق بطلاق لغو٣، وقيل: كناية٤، ويعتد بإشارة أخرس في المعقود والحلول٥، فإن فهم طلاقه بها كل أحد فصريحه٦، وإن اختص بفهمه فطنون فكناية٧.
ولو كتب ناطق طلاقا، ولم ينوه فلغو٨، وإن نواه فالأظهر وقوعه٩، فإن كتب: إذا بلغك كتابي فأنت طالق، فإنما تطلق.
_________________
(١) ١ لأن بعض اللفظ لا يصلح للطلاق فلم تعمل النية معه. ٢ استصحابا لحكمها في باقية دون آخره، وقياسا على الصلاة إذا قارنت جزءًا منها. ورجح هذا الرافعي في الشرح الصغير، ونقل في الكبير ترجيحه عن إمام الحرمين وغيره وصوبه الزركشي. والذي رجحه ابن المقرئ كما في المغني ٣/ ٢٧٨٤، قال: وهو المعتمد أنه يكفي اقترانها ببعض اللفظ سواء كان من أوله أو وسطه أو آخره، قال: لأن اليمين إنما تعتبر بتمامها. ٣ لأن عدوله عن العبارة إلى الإشارة يفهم أنه غير قاصد للطلاق وإن قصده بها، فهي لا تقصد للإفهام إلا نادرًا، فلا يقع به الطلاق وإن نواه وأفهم بها كل أحد. ٤ لحصول الإفهام بها في الجملة. ٥ للضرورة؛ إذ لا طريق له إلى الطلاق إلا بالإشارة، وحاجته إلى الطلاق كحاجة غيره، فقامت الإشارة مقام العبارة. ٦ تنزيلا لها منزلة الطلاق الصريح. ٧ قياسا على لفظ الناطق. ٨ لأن الكتابة تحتمل إيقاع الطلاق وتحتمل امتحان الخط، فلم يقع الطلاق بمجردها؛ إذ لا لفظ، ولا نية. ٩ لأن الكتابة طريق في إفهام المراد كالعبارة.
[ ٣٤٩ ]
بلوغه١، وإن كتب: إذا قرأت كتابي وهي قارئة فقرأته طلقت٢، وإن قرئ عليها فلا في الأصلح٣، وإن لم تكن قارئة فقرئ عليها طلقت٤.
فصل:
له تفويض طلاقها إليها٥، وهو تمليك في الجديد٦، فيشترط لوقوعه تطليقها على الفور٧، ٨.
وإن قال: طلقي بألف، فطلقت بانت ولزمها ألف٩، وفي قول:
_________________
(١) ١ رعاية للشرط. ٢ لوجود المعلق عليه. ٣ لعدم قراءتهامع إمكانها. ٤ لأن القراءة في حق الأمي محمولة على الاطلاع على ما في الكتاب وقد وجد. ٥ لأن النبي -ﷺ- خير نساءه بين المقام معه وبين مقارقته لما نزل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا﴾ [الأحزاب: ٢٨]، كما قالت عائشة -﵂: "خيرنا رسول الله -ﷺ- فاخترنا الله ورسوله فلم يعد ذلك علينا شيئا" كما أخرجه البخاري في الطلاق، باب من خير نساءه برقم ٥٢٦٢، ومسلم في الطلاق، باب بيان أن تخيير امرأته لا يكون طلاقا إلا بالنية رقم ٢٨ "١٤٧٧". ونقلا في التحفة ٨/ ٢٣، والنهاية ٧/ ٤٢٨ الإجماع عليه. ٦ خ أوس وط والمحلى: على فور. ٧ لأن تطليقها نفسها متضمن للقبول. ٨ لأن التمليك يقتضيه. ٩ لأنه تمليك بالعوض كالبيع وإذا لم يكن عوض فهو كالهبة.
[ ٣٥٠ ]
توكيل١، فلا يشترط فور في الأصح٢، وفي اشتراط قبولها خلاف الوكيل٣، وعلى القولين له الرجوع قبل تطليقها٤.
ولو قال: إذا جاء رمضان فطلقي لغا على التمليك٥، ولو قال: أبيني نفسك، فقالت: أبنت نويا وقع٦ وإلا فلا٧.
ولو قال: طلقي، فقالت أبنت ونوت، أو أبيني ونوى فقالت: طلقت وقع٨.
ولو قال: طلقي ونوى ثلاثا فقالت: طلقت ونوتهن فثلاث٩، وإلا فواحدة في الأصح١٠، ولو قال: ثلاث فوحدت أو عكسه فواحدة١١.
_________________
(١) ١ قياسا على ما لو فوض طلاقها لأجنبي. ٢ كما في توكيل الأجنبي المتقدم في الوكالة. ٣ ومر أنه لا يشترط على الأصح، بل يكفي عدم الرد. كما تقدم ص١٦٤. ٤ لأن التمليك والتوكيل يجوز الرجوع فيهما قبل القبول والتصرف، ويريد والتوكيل بجواز الرجوع فيه بعد القبول أيضا لأنه عقد جائز. ٥ وهو الأصح؛ لأنه لا يقبل التعليق، كما لو قال: إذا جاء رمضان فقد ملكتك هذا الشيء فإنه لا يصح. ٦ لأن الكناية مع النية كالصريح. ٧ لأنه إن لم ينو لم يفوض الطلاق، وإذا لم تنو هي ما امتثلت فكان كلام غير الناوي لغوًا. ٨ لأنها أمرت بالطلاق وقد فعلته في الحالين، ولا يضر اختلاف لفظها، كما لو تبايعا بلفظ صريح من أحدهما وكناية مع النية من آخر. ٩ لأن اللفظ يحتمل العدد وقد نوياه. ١٠ لأن صريح الطلاق كناية في العدد فاحتاج لنيته منهما. ١١ لدخولها في الثلاث التي فوضها في الصورة الأولى، ولعدم الإذن في الزائد في الثانية.
[ ٣٥١ ]